أفغانستان: العمل مع طالبان

قد يغادر جنود قوات المساعدة الدولية لإرساء الامن في أفغانستان (إيساف) خلال العامين القادمين، لكن الاحتياجات الإنسانية لن تختفي قريباً ولن تختفي حركة طالبان أيضاً.

ومن المرجح أن يضيف التحول في القوة الذي ستشهده البلاد في المرحلة المقبلة إلى الاتجاه القائم بالفعل كأمر واقع بالنسبة لعمال الإغاثة- وهو المزيد من التعامل المتكرر مع حركة طالبان.

وقد سلط التقرير الذي أصدره معهد التنمية لما وراء البحار الضوء على التحديات التي تواجه عمال الإغاثة الذين يحتاجون إلى التعامل مع مقاتلي طالبان، وهم أعضاء في منظمة تصنف على أنها جماعة إرهابية من قبل العديد من الدول الغربية.

وقالت أشلي جاكسون، إحدى المشاركين في إعداد التقرير، أن دخول منظمات الإغاثة في مفاوضات مع حركة طالبان سيكون خطوة حاسمة بعد عام 2014، إذ سيصبح وضع سياسات المشاركة الفعالة أمراً أساسياً للوصول إلى جميع الأفغان المحتاجين إلى المساعدة".

ومنذ حرب بيافرا في نيجيريا في أواخر ستينيات القرن الماضي وحتى التحديات التي يتم مواجهتها في شمال مالي والصومال وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، واجهت الوكالات الإنسانية لفترة طويلة تحدي الوصول إلى من هم في أمس الحاجة إلى المساعدة في المناطق البعيدة عن العواصم التي تسيطر عليها الحكومات.

وفي أفغانستان، البلد الأقل نمواً في آسيا، كثيراً ما تتردد منظمات الإغاثة في الحديث عن تلك القضايا، لكن كما يوضح هذا التقرير الجديد، يمكن تسليم المساعدات ويجري تسليمها بالفعل في المناطق التي تتواجد بها حركة طالبان.

ويفيد التقرير أن "أكبر ضمان لأمن عمال الإغاثة وأمن هؤلاء الذين يسعون إلى مساعدتهم هو التعامل بشكل مخطط له مع حركة طالبان".

مع ذلك يخشى بعض عمال الإغاثة من الوقوع تحت طائلة قوانين مكافحة الإرهاب إذا تفاوضوا مع حركة طالبان من أجل الوصول إلى إمدادات الإغاثة والمشروعات.

وبخلاف هذه المخاوف، تستطيع العديد من الوكالات تنفيذ مشروعات الإغاثة في مثل تلك المناطق. ويناقش التقرير القضايا التي يواجهونها مثل الهجمات على الموظفين، والقيود المفروضة على المشروعات التي يمكن تنفيذها، والاستعانة بموظفين أفغان يتم إدارتهم عن بُعد من كابول.

ويعد المجلس النرويجي للاجئين أحد المنظمات غير الحكومية العاملة في المناطق التي يتزايد فيها نفوذ حركة طالبان والجماعات الأخرى المناهضة للحكومة خاصة في المناطق الشمالية الغربية والجنوبية الشرقية.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال دانيل تايلر، مستشار المناصرة والحماية في المجلس النرويجي للاجئين في أفغانستان أن "المجلس يعتمد بشكل كبير على المبادئ الإنسانية "كأدوات" لضمان القبول والوصول إلى جميع المناطق التي نعمل بها- بما في ذلك في المناطق المتنازع عليها أو حيث يكون هناك وجود لحركة طالبان".

وقال تايلر أن المجلس يحاول توصيل رسالة إلى قيادات المجتمع المحلي مفادها أنه يقدم المساعدات إلى المحتاجين بغض النظر عن الأهداف السياسية أو الأيديولوجية أو غيرها.

وأضاف أن "القبول من قبل المجتمع يمكن في بعض الأحيان أن يترجم إلى قبول من قبل الجماعات المناهضة للحكومة، وهذا ما يعتمد عليه المجلس النرويجي للاجئين في النهاية لتوصيل المساعدات".

وأدى سقوط حركة طالبان في عام 2001 إلى سنوات عديدة من الدخول السهل والمفتوح للوكالات الإنسانية العاملة في جميع أنحاء البلاد.

لكن اعتباراً من عام 2004، بدأت حركة التمرد المسلح لطالبان في إغلاق "المجال الإنساني" – وبدأ الموظفون الدوليون الذين يواجهون مخاوف أمنية في الانسحاب من الميدان ونقل المزيد من المسؤوليات إلى أيدي عمال الإغاثة الأفغان.

ويقول معدو تقرير معهد التنمية لما وراء البحار أنه في الكثير من الأحيان يترك المديرون الموظفين الأفغان- الذين ينتمون عادة إلى المجتمعات التي يعملون بها- بتوجيهات قليلة حول كيفية التعامل مع قادة طالبان مما يعرضهم لأخطار كبيرة.

وجهة نظر طالبان في المساعدات الإنسانية

وظاهرياً يبدو أن قيادات طالبان لا تظهر تحفظاً تجاه البعثات الإنسانية إلا إذا اعتبر هذا العمل مرتبطاً بالعمليات العسكرية الدولية التي ترعاها بقوة الدول المساهمة بقوات في الحملة ضد طالبان، أو إذا اعتبر عمل البعثات الإنسانية مناهضاً لوجهة نظر طالبان للقيم الأفغانية التقليدية.

لكن على أرض الواقع تعاني المنظمات الإنسانية من غياب المواقف الثابتة لدى القيادات المحلية ومن تهديدات الجماعات المسلحة الأخرى- والمنظمات المنشقة والعصابات الإجرامية.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قال روبين واودو، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في أفغانستان أن "هذا هو أحد أصعب الأمور التي يتم التعامل معها في هذه البيئة. فنحن لا نتعامل مع جهة واحدة لها شكل محدد. والمشكلة أن لديك الكثير من التفتت- والبعض يعمل بشكل مستقل تماماً".

وتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بعقد مناقشات سرية مع القيادات من جميع الاتجاهات للتفاوض على الدخول إلى المناطق ولكنها مازالت تواجه قيوداً كبيرة في تحركاتها وخاصة حول أقاليم قندهار وهلمند في الجنوب.

وأضاف واودو أنه "من السهل جداً التواصل مع السلطات الأفغانية والقوة الدولية ولكن من الأصعب بكثير إجراء اتصالات مع الجهات التي تحارب على الجانب الآخر والجماعات التي تعمل في الظل- لكننا نعمل بجد من أجل التواصل مع الجميع".

تفتت على الجانبين

وتجد حركة طالبان نفسها أيضاً في مواجهة مع خليط من الجهات الفاعلة التنموية والإنسانية- كالمنظمات غير حكومية ووكالات الأمم المتحدة ومقاولي القطاع الخاص وفرق إعادة إعمار الأقاليم المرتبطة بشكل وثيق بالعمليات العسكرية الغربية.

وتحاول العديد من المنظمات الإنسانية إقناع الجماعات المسلحة المحلية بحيادها، في الوقت الذي تواجه فيه المنظمات الإنسانية اتهامات من مسؤولي طالبان بأنهم يدعمون الحكومة وأنهم جواسيس أو أنهم يقوضون القيم الثقافية وخاصة وجهات النظر التقليدية بشأن النساء.

ويمكن لنموذج بعثة الأمم المتحدة المتكاملة أن يشكل تحديات في إدراك ماهيته. ففي أفغانستان تحاول منظمات الأمم المتحدة تقديم المساعدات الإنسانية المحايدة- وأحياناً تكون على اتصال بمجموعات طالبان- في حين أن بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة في أفغانستان تدعم الحكومة وتنسق مع قوة إيساف.

وقد تعني المشاكل الأمنية ومصادر التمويل تركيز المساعدات الإنمائية والإنسانية في الكثير من الأحيان في المناطق التي تكون فيها القوات الدولية أكثر نشاطاً.

وقد ذكرت المنظمات الإنسانية أنه كثيراً ما يقوم القادة العسكريون لطالبان بإيقاف عمليات الإغاثة في المناطق التي تشهد الكثير من الأنشطة العسكرية الغربية.

وقال البيان المشترك الذي أصدره المجتمع الإنساني في أفغانستان الشهر الماضي أن التدخلات الإنسانية كانت ترتبط في كثير من الأحيان بأهداف سياسية أو عسكرية.

 وقال البيان الصادر عن الفريق القطري الإنساني أنه "على مدى العقد الماضي شهدت أفغانستان تآكلاً تدريجياً للمبادئ الإنسانية بسبب بيئة التمويل المسيسة". وقد ذكر الفريق القطري الإنساني أنه يتوجب على المنظمات غير الحكومية الإنسانية أن تظل مستقلة ومحايدة.

الحياة بعد مغادرة القوات الدولية

وعلى الرغم من أن انسحاب القوات الدولية يمكن أن يخلق مجالاً أكبر للوكالات الإنسانية لتأكيد استقلالها، فإنه من المتوقع أيضاً أن يجلب هذا الانسحاب عدم الاستقرار وخلق المزيد من المواقف التي ستضطر فيها الوكالات إلى التفاوض المباشر أو غير المباشر مع حركة طالبان.

وقال دانيل تايلر، مستشار المناصرة والحماية في المجلس النرويجي للاجئين في أفغانستان، أن "هناك حاجة الآن لبدء العمل لضمان أن جميع أصحاب السلطة المحلية وأطراف النزاع يقبلون المبادئ الإنسانية ويحترمونها لكي تسمح بالوصول إلى السكان المحتاجين".

ويوصي معدو التقرير المنظمات غير الحكومية بقضاء المزيد من الوقت في تنسيق تعاملهم مع جماعات مثل طالبان، وتقديم الدعم الكافي للموظفين الأفغان عند السعي لإدارة العمليات عن بُعد، وأن تكون تلك المنظمات واضحة بشأن حيادها.

"