لماذا ينضم البعض في مالي إلى الجماعات المسلحة

الأمر يتعلق بخيبة الأمل أكثر منه من التطرف

بعد أكثر من عامين على توقيع بعض الجماعات المسلحة في مالي على اتفاق سلام، لا يزال انعدام الأمن في البلاد يتصاعد ويزداد انتشاراً.

فعندما اندلع الفصل الأخير من تاريخ مالي الطويل في انعدام الأمن في 2012، كان يقتصر في البداية على منطقة الشمال. غير أن العنف الذي ترتكبه مجموعة واسعة من الجماعات أخذ يتزايد في السنوات الأخيرة في وسط البلاد.

وفي هذا السياق، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في عرضه لآخر المستجدات أمام مجلس الأمن في 26 ديسمبر الماضي أنه خلال الربع الثالث من عام 2017 "ازداد الوضع الأمني تدهوراً وارتفع عدد وحدة الهجمات على بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي وقوات الدفاع والأمن المالية".

وأضاف أنه على الرغم من توقف الهجمات بين الأطراف الموقعة على اتفاق السلام، لكن "يبدو أن الجماعات الارهابية ... قد حسنت قدرتها على تنفيذ العمليات ووسعت نطاقها مما تسبب في ارتفاع عدد الضحايا جراء الهجمات الإرهابية".

وقال غوتيريس أن "عملية السلام لم تسفر سوى عن القليل من النتائج الملموسة".

من جهته، أفاد إبراهيم مايغا، الباحث في المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية أننا "دخلنا مرحلة جديدة من الحرب".

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنها "أكثر صعوبة في التنبؤ من عام 2012. كما أنها أكثر انتشاراً. في السابق كانت [الهجمات] تتركز في المراكز الحضرية ولكنها تحدث الآن في المناطق الريفية، كما أصبحت جيوب انعدام الأمن أكثر عدداً".

يذكر أن "الجهات المسلحة من غير الدول" – وهو المصطلح المستخدم في تحليل النزاعات – التي تقف وراء هذا العنف كثيرة في عددها ومبررات وجودها، في الوقت الذي تبرز التحالفات والانقسامات وتختفي وهكذا.وبشكل عام يمكننا تقسيم هذه الجماعات إلى أربع فئات:

-مجلس تنسيق حركات أزواد - وهو تحالف فضفاض من الحركات المسلحة ذات المصالح المشتركة في قضايا مثل تقرير المصير والسيطرة على الأراضي.
-منصة الجماعات المسلحة – وهي مجموعة متنوعة من الجماعات المسلحة الموالية للحكومة.
-المنظمات المتطرفة العنيفة، التي ينضوي العديد منها تحت مظلة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
-مجموعات أخرى، لا سيما وحدات الدفاع عن النفس المحلية التي لا تتفق مع الجماعات المذكورة.

وتعدد هذه الجماعات وتطورها المستمر وانعدام الأمن في المناطق التي تنشط فيها يجعل من المستحيل تحديد عدد المواطنين الماليين المنضمين إليها. ولم ترغب أي من المنظمات التي تحدثت إليها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) تقديم أي تقدير تقريبي.

ويمكن تصور حجم هذه الظاهرة نوعاً ما من المقترحات حول عدد أعضاء الجماعات الموقعة على اتفاق عام 2015 المتوقع دمجهم في قوات الأمن النظامية. ترى الحكومة أن عددهم 4,900 شخص بينما يصر بعض الموقعين على الاتفاق أن العدد يجب أن يصل إلى 14,000 . يذكر أن القوى الجهادية ووحدات الدفاع عن النفس لم تكن طرفاً في الاتفاق.

ومن القضايا التي تم بحثها على نطاق واسع السبب وراء قرار المواطنين الماليين الانضمام إلى الجماعات المسلحة. فوفقاً لنتائج العديد من الدراسات الاستقصائية الميدانية، بالكاد يتم إدراج "التطرف" والكسب النقدي السريع "كعوامل جذب".

بدلاً من ذلك، يبدو أن حمل السلاح يأتي في كثير من الأحيان استجابة للظروف المعيشية المتدهورة.

وقال مايغا من المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية أن "هناك العديد من العوامل، فعدد الدوافع يوازي تقريباً عدد الأعضاء" في الجماعات المسلحة.

ويمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18و35 عاماً "النسبة الأكبر من أعضاء هذه الجماعات وقواتها المقاتلة. ومن دون الشباب، من الصعب أن تكون الجماعة نشطة وذات خطورة".

والجدير بالذكر أن أكثر من ثلثي سكان مالي البالغ عددهم 18 مليون نسمة هم دون سن الـ24 عاماً.

وفي عام 2016، أجرى المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية مقابلات مع عشرات الأعضاء السابقين في الجماعات الجهادية في مالي لتقييم دوافعهم، التي حددها فريق البحث في 15 فئة هي: أسباب شخصية، تعليم، حماية، دوافع اجتماعية، دوافع أخلاقية، نفوذ، دوافع اقتصادية، دوافع أسرية، دوافع سياسية، دوافع دينية، دوافع نفسية، إكراه، دوافع بيئية، دوافع ثقافية/مجتمعية، ودوافع غير معروفة.

وتتماشى النتائج التي توصل إليها المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية مع نتائج بحوث مماثلة أجرتها منظمات أخرى.

وفي ما يلي نظرة عامة على بعض العوامل الرئيسية (والمتداخلة):

فراغ في الحكم

على مدى عقود، أدى الشعور بالتهميش والإهمال إلى تغذية التمرد في شمال مالي. كما تسبب تمرد الجماعات الجهادية وانتصاراتها في عام 2012 إلى غياب واسع النطاق للدولة في الشمال.

كما شهدت السنوات الأخيرة خروجاً مشابهاً للعاملين الحكوميين من وسط مالي مع انتشار الصراع هناك.

وقال عمارة سيديبيه، الذي يعمل مع جمعية للشباب الماليين تسمى "بلي جاميه سا" Plus Jamais Ça (لن يتكرر أبداً) لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عند سؤاله عن استقطاب الجماعات المسلحة للمدنيين: "المسألة تتعلق بالحكم".

وأضاف أن "الشباب يشعرون أنه قد تم التخلي عنهم. هناك غياب تام للدولة والعدالة والوظائف. لا توجد مراكز صحية أو مدارس أو أماكن للحصول على وثائق رسمية".

الأمن والحماية

أوضح عبد القاسم فومبا، المنسق الوطني في منظمة "ثينك بيس مالي" Think Peace Mali، وهي مؤسسة بحثية معنية ببناء السلام ومكافحة التطرف، أنه "في ظل غياب الدولة يميل الناس إلى وضع ثقتهم في الجماعات المسلحة".

من جهتها، أفادت منظمة ميرسي كور، وهي منظمة غير حكومية دولية، أن "عدم قدرة الحكومة على توفير الأمن بشكل فعال - وما يترتب على ذلك من انتشار ظاهرة إفلات مرتكبي العنف من العقاب – أدى إلى سعي الكثيرين في المناطق المتضررة من النزاع لالتماس العدالة والأمن من الجهات الفاعلة من غير الدول".

وقالت في تقرير صدر مؤخراً يرتكز على بحث ميداني أجرته بالتعاون مع منظمة ثينك بيس مالي أن "الشباب [المنخرطين] في الجماعات المناهضة للحكومة والمجموعات المتطرفة العنيفة على وجه الخصوص تحدثوا عن مظالم عميقة تستمد جذورها من شعورهم بإهمال الحكومة وسوء معاملتها لمجتمعاتهم، خاصة في غاو وتمبكتو".

وأضاف التقرير أن "الشباب الذين لم يمارسوا العنف كانوا يميلون بشكل أكبر نحو القول بأن مستوى الخدمات الحكومية في مجتمعاتهم كان مشابهاً أو أفضل من مستوى الخدمات لدى الآخرين، ما قلل من احتمال قيام مجتمعاتهم بتأسيس جماعات مسلحة أو دعمها".

وفي تحليل لانعدام الأمن في وسط مالي، أوضحت المجموعة الدولية للأزمات أنه في ظل غياب الدولة "تحاول بعض السلطات والنخب المحلية تحسين مستوى الأمن من خلال دعم إنشاء ميليشيات مجتمعية للدفاع عن النفس".

وينطوي مفهوم "الأمن" نفسه على أبعاد كثيرة بالنسبة للماليين الذين يعيشون في وسط وشمال البلاد، وفقاً للآراء التي جمعها معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام وتحالف المجتمع المدني من أجل السلام وحملة مكافحة انتشار الأسلحة الخفيفة.

وقال معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام في ورقة تستند إلى هذا الاستطلاع أن "الأمن يعني أشياءً مختلفة لأشخاص مختلفين".

وشدد المستجيبون على أن "الأمن يتعلق بالتنمية تماماً كما يتعلق بالتعرض للعنف".

وبالإضافة إلى العنف البدني، تضمنت العوامل المرتبطة بالأمن التي ذكرها المستجيبون "البطالة والفقر والحصول على الخدمات العامة".

العدالة

يمتد العجز في توفير خدمات الدولة إلى قطاع العدالة.

وقالت مريم سي، وهي مهندسة معمارية شابة تعمل مع منظمة "بلي جاميه سا" لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "نظام العدالة فاسد للغاية والقرارات متحيزة ومن يدفع أكثر يربح [القضية]".

وأوضحت أنه لوضع حد للعنف "لا بد من نبدأ بنظام العدالة. نحن بحاجة إلى نظام عدالة فعال ومنصف. ومن أجل تحقيق ذلك لا بد أن يكون لدينا إرادة سياسية وقادة قادرون على اتخاذ قرارات لصالح الشعب".

ووفقاً لمؤسسة أفروباروميتر، "واجه نظام العدالة في مالي تهديدات واضطرابات شديدة، لا سيما في الشمال ... ولا يزال الوصول إلى العدالة معرضاً للخطر. كما أن ثقة الناس في القضاء قليلة وتصورات الفساد مرتفعة".

وقالت المنظمة التي تجري استطلاعات للرأي حول الديمقراطية والحكم في جميع أنحاء أفريقيا أن "التأخيرات وتعقيدات النظام والتصورات بوجود تحيز تدفع الكثير من الماليين إلى الاعتماد على السلطات التقليدية والمحلية لإقامة العدالة بدلاً من اللجوء إلى المحاكم".

وأشار تقرير مؤسسة ميرسي كور إلى أن "الشباب يستشهدون بتجربة الظلم - بما في ذلك الانتهاكات والفساد – كمحفز للانضمام إلى الجماعات المناهضة للحكومة".

وتقول الدراسة الصادرة عن المجموعة الدولية للأزمات حول الوضع في وسط مالي، أن "الجماعات الراديكالية تعرف كيف تكسب الأرض بجعل نفسها مفيدة ومن خلال دعم بعض الجماعات ضد غيرها. كما أنها قادرة على الاستجابة للمطالب المحلية القوية بتحقيق العدالة والأمن وموقف أخلاقي في السياسة على نطاق أوسع".

المجتمع والهوية

يلعب "البحث عن النجاح الاجتماعي والاعتراف" دوراً رئيسياً في القرارات التي يتخذها الشباب في مالي للجوء إلى العنف، وفقاً لبحث نشرته منظمة إنتيربيس والمعهد المالي للبحوث من أجل السلام.

وقد تركت "أزمة السلطة" وانهيار النسيج الاجتماعي الذي يربط الشباب بالأسرة والمجتمع والمدرسة العديد من الشباب "دون توجيه".

وتوصل البحث الميداني إلى أن "أعمال العنف التي يقوم بها الشباب تعبر عن حاجتهم إلى إيجاد مكان في المجتمع والاعتراف بهم وتقديرهم".

وأضاف أن "الكثير من التحليلات تعتبر الشباب كيانات سلبية يتم ممارسة العنف عليها، أو كائنات ضعيفة سهلة التعبئة أو التلقين. غير أن الشباب فاعلون بارزون في ديناميات العنف وقادرون على تحديد خياراتهم الخاصة، حتى لو كانت في كثير من الأحيان محدودة أو يحددها السياق".

وقال فومبا من منظمة ثينك بيس مالي أن هذه الخيارات المهمة تتخذ أحياناً على مستوى جماعي، وليس على مستوى فردي.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هناك العديد من الجماعات المسلحة التي تدافع عن مصالح مجتمعاتها. لذا، فإن المجتمعات المحلية تتعاطف مع بعض الجماعات المسلحة، ولإظهار حسن النية تقدم أفراداً من أسرها للانضمام إليها للقتال من أجل مجتمعهم".

كما أشار البحث الذي قامت به ثينك بيس مالى وميرسي كور إلى أن الشباب "الذين انضموا الى الجماعات المسلحة الموالية للحكومة أفادوا أن ذلك فتح لهم الطريق لدخول الجيش، وهو ما يعد باستقرار اقتصادي ووضع اجتماعي أفضل في نهاية المطاف حتى لو لم يوفر الانضمام في البداية سوى مكاسب مالية ضئيلة".

آفاق المستقبل

أفادت مؤسسة ميرسي كور أن "الحلول لمنع العنف موجودة على مستوى المجتمع المحلي. إذا تمكنا من إدراك التأثير القوي للمجتمع ومعالجة عوامل الخطر على مستوى الجماعة، فمن المرجح أن نتمكن من تحويل الشباب بعيداً عن العنف".

وأضافت أنه "إذا كان بإمكان الحكم المحلي أن يصبح أكثر شمولاً وفعالية في تقديم الخدمات الحكومية، فإن الإحساس بالاستبعاد الذي أدى إلى دعم الجماعات المسلحة سوف يتغير".

أو كما تقول المجموعة الدولية للأزمات، التي حذرت من تداعيات استجابة مالي التي يغلب عليها الطابع العسكري للتحديات الأمنية فإن "تأثير منع نشوء الأزمات على احتواء المتطرفين سيكون أكبر من تأثير مكافحة التطرف العنيف على منع نشوء الأزمات".

وأضافت سي قائلة: "إنها طريق طويلة ... قد يستغرق الأمر للوصول إلى مالي التي نحلم بها 20 عاماً، ولكن علينا أن نبدأ في مكان ما، ونحن نرفض أن نفقد الروح المعنوية. ليس لدينا خيار آخر، أنها بلدنا".