جمهورية أفريقيا الوسطى تعود إلى المربع الأول

كريسبين ديمباسا- كيتي
مساهم منتظم في إيرين من بانغي

تسبب القتال الذي استمر عدة أيام في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى وانتهى الأسبوع الماضي في خسائر فادحة: عشرات القتلى ومئات الجرحى وآلاف النازحين، والأمل في التوصل إلى حل وشيك لأزمة سياسية ممتدة ومعقدة في البلاد يتلاشى بسرعة.

اندلع القتال الأخير في 26 سبتمبر عقب اكتشاف جثة سائق دراجة نارية أجرة مسلم بالقرب من المطار، خارج بانغي. وأدى ذلك إلى خروج سكان تلك المنطقة التي تسمى بي كيه 5 (PK5) وتقطنها أغلبية مسلمة إلى الشوارع حاملين أسلحتهم، وبعد ذلك اندلعت اشتباكات مع مليشيا مكافحة البالاكا، وهو تجمع فضفاض من وحدات الدفاع عن النفس. كما شارك أفراد من القوات المسلحة أيضاً في القتال.

وعندما خفت حدة القتال، كان هناك 61 قتيلاً و300 جريحاً، وفقاً للإحصاءات الرسمية. وقال الصليب الأحمر، الذي لم يتمكن من الوصول إلى بعض المناطق المتضررة في بانغي، أن العدد الحقيقي للضحايا ربما يكون أعلى من ذلك بكثير. كما فر نحو 40,000 شخص من منازلهم في العاصمة. وتعرضت كنيسة وعدة مساجد ومكاتب عدة منظمات غير حكومية للنهب أو التخريب بينما هرب نحو 600 سجين من السجن الرئيسي في المدينة.

وتم تنظيم مظاهرات أكثر سلمية ضد رئيسة الجمهورية المؤقتة كاثرين سامبا-بانزا، التي قطعت زيارتها إلى نيويورك، حيث كانت تحضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسارعت بالعودة إلى بلادها.

(تولت سامبا-بانزا منصبها في يناير 2014، بعد فترة وجيزة من استقالة ميشيل جوتوديا، الذي كان قد وصل إلى السلطة بفضل انقلاب عنيف في شهر مارس السابق على رأس ائتلاف من المتمردين الذين يشكل المسلمون غالبيتهم. ودفعت الهجمات التي شنتها تلك المجموعات على المدنيين بعد مغادرة العاصمة ميليشيا مكافحة البالاكا ذات الأغلبية المسيحية إلى السعي للانتقام، ووقع الكثير من العنف عبر الخطوط الدينية)

تبادل اللوم


وترى الحكومة أن رائحة التآمر تفوح من تلك الأحداث الأخيرة.

"بمجرد أن جئنا لنوضح للأمم المتحدة النتائج المشجعة للعملية الانتقالية التي توشك على نهايتها مع الانتخابات المقرر إجراؤها في نهاية عام 2015، وجه أعداء السلام مرة أخرى ضربة قاصمة للعملية، من خلال العنف والقتل والجرائم البشعة،" كما أفاد وزير الخارجية صمويل رانغبا.

من جانبها، ذهبت رئيسة الجمهورية إلى أبعد من ذلك، واصفة الاضطرابات في العاصمة بأنها "محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة".

وفي اليوم الأول من أعمال العنف، تحدث وزير الأمن دومينيك سعيد باغوينجي مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) وألقى باللوم على "الجماعات المسلحة التي لا توافق على منطق نزع السلاح وتريد تقسيم البلاد" وعلى "أطراف سياسية معينة تم استبعادها من الانتخابات القادمة". وخص حاشية الرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه، الذي أُطيح به في انقلاب عام 2013 والذي وصل هو نفسه إلى السلطة على رأس حركة تمرد.

وأضاف باغوينجي أن "كل هؤلاء الأشخاص لديهم مصالح مشتركة، وهي زعزعة استقرار الدولة، ومنع إجراء الانتخابات، وتأجيل العملية الانتقالية".

ولكن الحكومة المؤقتة تواجه أيضاً اتهامات بتحمل جزء من المسؤولية عن العنف، وأبرز وزير سابق فشلها في الوفاء بتعهداتها بنزع سلاح الجماعات المسلحة التي لا تعد ولا تحصى في جميع أنحاء البلاد.

في الوقت نفسه، وجه الحزب السياسي الذي يقوده بوزيزيه انتقادات لاذعة لبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والوحدة العسكرية الفرنسية التي تم نشرها في جمهورية أفريقيا الوسطى ووصفها بأنها "متواطئة وعاجزة"، على الرغم من حصول بعثة حفظ السلام على تفويض من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع يمنحها سلطات قوية للتدخل.

وقد كان النفور العام من هذه القوى الخارجية واضحاً في اللافتات التي تم التلويح بها خلال المظاهرات التي جرت في بانغي يوم الإثنين الماضي. وألقى بعض المتظاهرين الحجارة على سيارات الأمم المتحدة أثناء مرورها.

خطوة واحدة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء

وقد تفجرت أعمال العنف الأسبوع الماضي بينما كانت البلاد تبدو على وشك طي صفحة ثلاث سنوات من الصراع، وعودة السلام إلى العديد من المناطق، وتحقيق بعض التقدم نحو المصالحة، وعودة الكثير من النازحين إلى ديارهم، وبدء التحضير للانتخابات. لكن كل هذا أصبح مهدداً الآن.

وحذر وزير الخارجية رانغبا من أن "هذا الوضع يبرهن على أن عملية السلام والمصالحة ما زالت هشة وتتطلب دعماً مستمراً وأكثر قوة، إذا كان مقدراً للبلاد أن لا تقع مرة أخرى في دوامة العنف المعمم".

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، عبر شارل أرميل دوبان، السفير السابق لدى الأمم المتحدة والمرشح للرئاسة الآن، عن هذا الأمر بلهجة أكثر حدة: "لقد تبخر عامان من العمل المضني لتحقيق التماسك الاجتماعي والمصالحة الوطنية".

أما بالنسبة لجولتي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤهما في 18 أكتوبر و22 نوفمبر، فقد اعترفت سامبا-بانزا نفسها في نيويورك بأنهما الآن معرضتان للتأجيل. ولا يراهن إلا قليلون في هذا البلد على إجراء الانتخابات في الموعد المحدد.

سرد كاذب

ويحث الزعماء الدينيون المواطنين على عدم تصديق البيانات المفرطة في البساطة عن أزمة جمهورية أفريقيا الوسطى - التي تبثها وسائل الإعلام في كثير من الأحيان - ويؤطرونها على أنها حرب ضروس بين الطوائف الإسلامية والمسيحية المتناحرة.

وفي هذا الإطار، قال علي عثمان، منسق المنظمات الإسلامية في البلاد، خلال مظاهرة كبيرة يوم الأحد: "الكل يعلم أن كل ما عليك القيام به لتحفيز جميع سكان PK5 على الثورة هو أن تأخذ شخصاً وتقتله، وتفعل ما في وسعك لجعله يبدو وكأنه مسلم وتحضره إلى هنا (PK5)".

وأضاف أن هذه هي الأساليب الملتوية التي يلجأ إليها الأفراد الذين يقفون وراء العنف، واصفاً إياهم بأنهم "أعداء السلام وهذا البلد، والسياسيون الذين يملؤهم الحنين إلى السلطة، والذين فقدوا السلطة ويريدون العودة بالقوة للاستيلاء على عليها مرة أخرى".

وأطلق رئيس أساقفة بانغي ديودونيه نزابايليانغا، نظير عثمان في منصة السلام المشتركة بين الطوائف في جمهورية أفريقيا الوسطى، رسالة مشابهة في المجلة الكاثوليكية الأسبوعية لاكروا: "إن أزمتنا ليست أزمة دينية. يستغل الناس هذه المشاكل لتأجيج الجمر. إنهم دائماً على استعداد للتدخل ونشر الأسلحة في الشوارع. [الأسلحة موجودة] في جميع أنحاء بانغي، لأننا لم ننفذ عملية نزع سلاح فعالة".

انظر: ما هو الخطأ في جمهورية أفريقيا الوسطى

ماذا الآن؟


ويتفق الجميع تقريباً في جمهورية أفريقيا الوسطى على أن الأولوية الأكثر إلحاحاً هي نزع سلاح كافة الجماعات غير الحكومية. لكن السؤال هو: كيف ننجح في هذا؟ فقد كانت هناك عدة محاولات فاشلة في السنوات الأخيرة.

وفي السياق نفسه، قالت الرئيسة سامبا-بانزا فور عودتها من نيويورك أن هذا ينبغي أن يتم دون تمييز أو استخدام القوة ضد أولئك الذين لا يرغبون في تسليم أسلحتهم.

وقال دوبان، المرشح الرئاسي، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه "يتعين على رئيسة الدولة جمع كافة اللاعبين الرئيسيين في البلاد، بغض النظر عن اختلافاتنا، حتى نتمكن من التحدث وإيجاد السبل والوسائل لاستعادة الأمن على الفور في جمهورية أفريقيا الوسطى".

وأضاف أن "هذا يشمل نزع السلاح، الذي لا يمكن تأجيله والذي يجب أن يتم من خلال المجتمع الدولي ممثلاً في [الأمم المتحدة والبعثات الفرنسية] وقوات الدفاع الخاصة بنا".

وأكد أن انتخابات منظمة تنظيماً جيداً وتحظى بمشاركة لائقة "يمكن أن توفر لبلدنا فرصة للعودة إلى الحياة الطبيعية، واستعادة مؤسسات مستقرة وذات مصداقية".


cd-k/am/ag-ais/dvh