المحادثات الليبية تحقق بعض التقدم ولكن دون التوصل إلى اتفاق

عُقدت جلسات الحوار السياسي الذي بدأ قبل عام تقريباً وتيسره الأمم المتحدة بهدف إنهاء الصراع على السلطة السياسية - الذي يعتبر السبب الرئيسي للحرب الأهلية في ليبيا - في عدة مواقع داخل وخارج البلاد منذ بدايتها في سبتمبر الماضي. وفي الأسبوع الماضي، كان الدور على قصر الأمم في جنيف مرة أخرى.

حضر المحادثات أعضاء من البرلمانين المتنافسين - مجلس النواب المعترف به دولياً ومقره في مدينة طبرق في شرق البلاد، والمؤتمر الوطني العام الذي يتخذ من العاصمة طرابلس مقراً له - فضلاً عن شخصيات من المجتمع المدني وقادة الخمسة أحزاب السياسية الرئيسية في ليبيا. وكان ملحوظاً تغيب أولئك الذين من دونهم سيكون أي اتفاق سلام محكوماً عليه بالفشل – وهم قادة الفصائل المسلحة التي تؤجج خليطاً من الصراعات في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من أن الوسطاء يأملون في انضمامهم خلال الأسابيع المقبلة.

ومنذ البداية، عانى الحوار الذي يشرف عليه مبعوث الأمم المتحدة برناردينو ليون من مسألة تحديد الممثلين الحقيقيين في بلد تمتلك فيه الميليشيات الآن سلطة أكبر من المسؤولين الحكوميين أو الممثلين المنتخبين. ومع استمرار طاحونة الحرب الأهلية، حدثت انقسامات في المعسكرين الكبيرين اللذين يضمان تحالفات فضفاضة من الفصائل السياسية والمسلحة التي ظهرت بعد اندلاع القتال في الصيف الماضي، مما جعل التوصل إلى حل للأزمة أكثر صعوبة. وفي جنيف، اعترف مندوبو كل من مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام الأسبوع الماضي بأنهم يواجهون تحديات كبيرة في إقناع العناصر المتشددة في كل معسكر بفوائد صفقة الوحدة الوطنية، وقد أعلنت بعض هذه العناصر أنها ستقاوم مثل هذا السيناريو بالقوة.

وتجدر الإشارة إلى أن المطروح على طاولة المفاوضات الآن هو مسودة الاتفاق الخامسة التي أعدها ليون، ويتصور هذا الاتفاق قيام حكومة وفاق وطني يظل بموجبها مجلس النواب هو الهيئة التشريعية الرئيسية، في حين يشارك أعضاء المؤتمر الوطني العام في مجلس الدولة، المصمم أساساً ككيان استشاري. وقد وقعت على الاتفاق مجموعة من الفصائل الليبية الشهر الماضي، لكن المؤتمر الوطني العام رفضها بسبب مخاوف بشأن البنية التحتية المقترحة لحكومة الوحدة الوطنية ودور اللواء المثير للجدل خليفة حفتر، الذي أعلن حرباً من جانب واحد على الإسلاميين في شهر مايو من العام الماضي، قبل تعيينه قائداً أعلى للقوات المسلحة من قبل مجلس النواب في شهر فبراير. وليس هناك دور واضح للواء حفتر في الاتفاق المقترح، لكن المؤتمر الوطني العام يشعر بالقلق من أن غموض البنود المتعلقة بالقوات المسلحة قد يسمح له بالاحتفاظ بمنصبه.

وتعتبر مسألة ما يتعين القيام به حيال حفتر، الذي يحظى بتأييد في شرق ليبيا ولكن موقفه يعتبر خطاً أحمر من قبل العديد من الأطراف الأخرى - بما في ذلك عدة أعضاء في مجلس النواب الذين يخشون طموحاته السياسية الواضحة - واحدة من الألغاز الرئيسية التي تواجه المفاوضين.

وسيتم تناول هذه المسألة وغيرها من القضايا في الأسابيع المقبلة عندما يناقش المشاركون - بعد أن قرر المؤتمر الوطني العام الانضمام إلى الحوار - خمسة مرفقات للاتفاق بشأن المسائل الرئيسية، بما في ذلك تعيين رئيس الوزراء ونوابه والوزراء وإدخال تعديلات على الإعلان الدستوري، وكيفية إدارة المؤسسات المالية في ليبيا.

ويأمل ليون في التوصل إلى اتفاق قبل نهاية أغسطس.

لكن المخاطر كبيرة، حيث لقي الآلاف مصرعهم، ونزح أكثر من 400,000 آخرين وفر كثيرون إلى المنفى منذ العام الماضي، مما جعل ليبيا تبدو كظل واه لما كانت عليه في السابق. وقد تحولت الآمال التي وُلدت بعد الإطاحة بالرئيس معمر القذافي في عام 2011 إلى استقطاب مرير أدى إلى تقسيم المناطق والمجتمعات المحلية وحتى العائلات.

وعلى الرغم من امتلاكها لأكبر احتياطي نفطي في قارة أفريقيا، تجد ليبيا نفسها أيضاً أمام أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل. فقد أجبر انخفاض انتاج النفط جنباً إلى جنب مع انخفاض أسعار الطاقة العالمية البنك المركزي على السحب من احتياطياته ويلوح في الأفق احتمال إفلاس البلاد.

وقد استفاد من هذه الفوضى مسلحو ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية العازمون على توسيع وجودهم في ليبيا، ومهربو البشر الذين يتربحون من الهجرة المتفشية، والانفصاليون الذين يريدون إقامة دولة خاصة بهم في شرق البلاد.

وقد كان للقتال أثر كبير على المدنيين، وخاصة في أجزاء من شرق وجنوب البلاد التي تضررت بشدة من انقطاع الخدمات الأساسية والاتصالات. وعادة ما تنفد الإمدادات الحيوية من المستشفيات في مدينة بنغازي بشرق ليبيا، وهي ثاني أكبر المدن الليبية والتي تتركز فيها عمليات حفتر العسكرية. ونظراً لإغلاق العديد من المدارس، تشير تقديرات منظمة إنقاذ الطفولة إلى أن 75 بالمائة من الأطفال في المدينة لا يحصلون على أي تعليم. وقد أدى نقص الوقود إلى تفاقم الوضع وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية.

أما في غرب ليبيا، فقد تحسن الوضع الإنساني بسبب سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية، يعود الزخم الرئيسي فيها إلى تزايد الاجهاد الناجم عن الحرب داخل المجتمعات المحلية. وهناك أمل في أن تصبح هذه الهدنات المحلية بمثابة قاعدة لإطار مصالحة أوسع، إذا وعندما يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية.

مدعاة للتفاؤل

وعلى الرغم من إصرار ليون المتكرر على أن تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يزال هو أفضل وسيلة للتصدي للتحديات التي لا تعد ولا تحصى في ليبيا، لا تزال هناك شكوك كبيرة حول ما يمكن أن تحققه مثل هذه الصفقة.

ويرى الليبيون المنتقدون لعملية الحوار أن المشاركين فيه ليس لديهم تأثير حقيقي كبير على الديناميات على أرض الواقع، حيث يمتلك المفسدون من جميع الجهات القدرة على إفشال أي محاولة لتشكيل حكومة وحدة وطنية.

ويصر آخرون على أن أفضل السبل للمضي قدماً ليست حكومة وفاق وطني، ولكن انتخابات جديدة فور انتهاء تفويض مجلس النواب في غضون شهرين، مما يثير استياء الدبلوماسيين الذين يقولون أنه سيكون من المستحيل اجراء انتخابات في ظل الظروف الراهنة. وفي جنيف، قال ليون أن انتهاء ولاية برلمان طبرق في أكتوبر دون التوصل إلى اتفاق سيكون "في غاية الخطورة"، لأن الوضع عندئذ سيصبح أكثر تقلباً.

وعلى الرغم من الخلافات، كانت هناك أسباب للتفاؤل في بعض الأحيان. وقد حذر البعض من أن نهاية مهلة أغسطس قد تكون مبكرة أكثر مما ينبغي واعترفوا بأنه سيكون من الصعب إقناع الميليشيات على الأرض بالالتزام بها.

لكن الآخرين كانوا أكثر تفاؤلاً بشأن احتمال التوصل إلى اتفاق. والأهم من ذلك أن ممثلي مختلف الفصائل السياسية كانوا يتحدثون علناً، وكان الجو في جنيف ودياً أكثر بكثير مما كان عليه قبل بضعة أشهر.

وحيث أن الوقت ليس في صالح ليبيا، فالأمل معقود على أن تتعلم جميع الأطراف كيفية تقديم تنازلات.

mf/jd-ag-ais/dvh