مقرر حقوق الإنسان ينتقد معاملة العراق للنازحين

لويز ريدفرز

Freelance journalist and regular IRIN contributor

وجه شالوكا بياني، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً انتقادات شديدة للسلطات العراقية بسبب فشلها في تقديم الدعم والحماية الكافية لما يقرب من ثلاثة ملايين شخص نزحوا داخل حدودها هرباً من ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، مستشهداً على ذلك بأمثلة من تقييد الحركة والاحتجاز بدون محاكمة عادلة واتباع نهج "مخصص" لتقديم المساعدات الإنسانية. 

وقال بياني في بيان نُشر يوم الثلاثاء، في ختام زيارة إلى العراق استمرت أسبوعاً، أن عدداً من القوانين والمعايير الدولية تُنتهك، ودعا الحكومة الى "تكثيف جهودها وتكريس المزيد من الموارد والتخطيط والاهتمام" لتلبية احتياجات النازحين.

وأكد بياني أن "وصول النازحين إلى بر الأمان هو حق أساسي ومصدر قلق بالغ الأهمية يجب التصدي له على وجه السرعة لتجنب المزيد من الوفيات والعنف".

"لقد تلقيت تقارير تبعث على القلق عن منع النازحين من دخول بعض المواقع الآمنة على أساس هويتهم أو مكان نشأتهم، وهذا من المحتمل أن يعرضهم لخطر كبير،" كما قال، مضيفاً: "في العديد من المواقع، واجه النازحون داخلياً قيوداً لحرية حركتهم، مما يتعارض مع المعايير الدولية".

في العديد من المواقع، واجه النازحون داخلياً قيوداً على حرية حركتهم، مما يتعارض مع المعايير الدولية

وفي حين أن عدداً من المنظمات الإنسانية المحلية والدولية تشارك في جهود الاستجابة، وفقاً للمبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي، يقع واجب ومسؤولية تقديم المساعدة الإنسانية للنازحين داخلياً على عاتق السلطات الوطنية.

وتجدر الإشارة إلى أن أحد الذرائع الشائعة لتقييد حركة النازحين داخلياً في العراق هو الخوف من اختراق المتشددين للحواجز الأمنية وتشكيل خلايا نائمة.

وعلى الرغم من اعترافه بهذه "المخاوف الأمنية المشروعة"، قال بياني: "إن الغالبية العظمى من النازحين هم ضحايا أبرياء للصراع ويجب احترامهم ومعاملتهم على أساس إنساني".

كما شدد على أنه "لا بد من تقديم المساعدات الإنسانية لجميع المحتاجين على قدم المساواة، بغض النظر عن هويتهم أو المناطق التي يتواجدون بها أو مكان نشأتهم، وذلك وفقاً للمبادئ والممارسات الإنسانية".

نقاط التفتيش

وتأتي تعليقات بياني أثناء فرار عشرات الآلاف من العراقيين من مدينة الرمادي، التي سقطت في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وقد أعلن المجلس النرويجي للاجئين (NRC) يوم الثلاثاء أنه وزع طرود المساعدات على أكثر من 1,000 أسرة - ما يقرب من 6,000 شخص - محتجزين عند نقطة تفتيش جنوبي بغداد.

وتم احتجاز أعداد كبيرة عند جسر بزيبز، الذي يربط بين محافظتي الأنبار وبغداد، وفقاً لمراسلنا، مما يذكرنا بمشاهد التدفق السابق من الرمادي في شهر أبريل الماضي.

وقد انتشرت تقارير عن احتجاز أشخاص عند نقاط التفتيش ورفض دخولهم إلى بعض المحافظات في مختلف أنحاء البلاد منذ شهر يناير من العام الماضي، عندما دخل تنظيم الدولة الإسلامية محافظة الأنبار لأول مرة.

ولكن نظراً للتصاعد الأخير في حركة النازحين، بسبب الهجمات التي شنتها قوات الأمن العراقية على الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، وصل الوضع الآن إلى مستوى حرج. وترد تقارير منتظمة عن منع الدخول إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة العراقية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في اربيل على حد سواء.

وغالباً ما يشير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهو هيئة تنسيق المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، في تحديثاته عن الأزمة إلى إغلاق نقاط التفتيش في وجه النازحين، وكان أخر مثال على ذلك إلى الجنوب من السليمانية، وفي محافظة كركوك، التي تعتبر معبراً رئيسياً للأسر الفارة من القتال في محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي حين تم الحد من بعض الاختناقات بسبب تدخل الأمم المتحدة على المستويين المحلي والحكومي، فإن أولئك الذين يمرون عبر نقاط التفتيش يُطلب منهم على نحو متزايد إثبات أن شخصاً ما على الجانب الآخر سيكفلهم.

ووصف بياني هذا النهج بأنه "مثير للقلق بشكل عميق" لأن العديد من النازحين لن يكونوا قادرين على الامتثال، وعلاوة على ذلك، لم يعد الكثيرون منهم يستطيعون الوصول إلى الوثائق الخاصة بهم نظراً للظروف التي لاذوا بالفرار فيها، كما أوضح.

وقال: "يجب أن تكون أي قيود على الحركة مؤقتة ومبررة ومنصوص عليها في القانون وغير تمييزية، وفي حالات الخطر، يجب إزالة كافة العوائق التي تحول دون وصول النازحين داخلياً إلى مكان آمن على الفور".

الوثائق المفقودة

وتعتبر الوثائق - أو عدم وجودها - هي العقبة الرئيسية التي تواجه النازحين الداخلياً الذين يكافحون للحصول على كل من الممر الآمن والمساعدات، وفقاً لغرونيا أوهارا، نائبة ممثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العراق، الأمر الذي يؤدي إلى خلق مشاكل متعلقة بالحماية بالنسبة للنازحين.

وأضافت أن "العراق لديه طبقات معقدة جداً من التسجيل وأنواع عديدة مختلفة من الوثائق المدنية التي تدور حول مفهوم المحافظة التي ينحدر منها الشخص ومحافظة الإقامة".

وأوضحت أن هذه الأوراق - التي ترتبط بفوائد مثل نظام التوزيع العام (PDS) للأغذية - تحتاج إلى معالجة إذا كان شخص ما يتحرك بهدف الاستقرار في مكان جديد، مقارنة بالزيارة لغرض العمل أو الترفيه. مع ذلك، فقد اعترفت بأن النازحين الفارين لا يتخذون بالضرورة قرارات تتعلق بإعادة التوطين على المدى الطويل.

هذا مخالف للمبادئ الإنسانية ولا ينبغي أن يحدث

وأفادت أوهارا أيضاً أن القدرات المحلية تمثل مشكلة، لأن "بعض المحافظات تقول ببساطة أنها لا تملك الموارد اللازمة لاسقبال المزيد من النازحين".

فقد أعلن مجلس محافظة بابل في 5 مايو أنه لن يتم السماح بدخول المزيد من النازحين إلى المحافظة "بسبب نقص الموارد اللازمة لاستضافتهم". كما قامت العديد من المحافظات الأخرى بإغلاق بعض نقاط الدخول إليها خلال الأشهر الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الجميع يقبلون المخاوف الأمنية وتعرض البلاد لضغوط تفوق طاقتها، فإن هناك حالة من القلق المتزايد بين عمال الإغاثة حول كيفية تطبيق متطلبات الكفالة والقيود الأخرى المفروضة على الدخول على أسس طائفية وعرقية.

وفي الجنوب، تحد هذه القيود من حركة النازحين السنّة في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية - مثل الأسر القادمة من الأنبار التي تحاول الوصول إلى أماكن مثل بغداد وكربلاء والبصرة. في الوقت نفسه، أصبحت السلطات الكردية أكثر صرامة مع النازحين العرب من اليزيديين والمسيحيين والمنتمين إلى العرقية الكردية.

"يجب أن يكون المواطنون العراقيون قادرين على الذهاب إلى أي مكان يريدونه داخل بلدهم، وعلى استئجار أو شراء منزل، والحصول على وظيفة الخ، ولكن الواقع هو أن هذه الحقوق يمكن حظرها بكثير من الطرق، عن طريق الترهيب أو أي وسيلة أخرى،" كما أوضح أخصائي حماية في منظمة غير حكومية دولية، لم يرغب في الكشف عن اسمه بسبب "حساسيات الحكومة".

وأضاف أنه "من منظور الحماية، هذا مخالف للمبادئ الإنسانية ولا ينبغي أن يحدث لأنه حرمان من الحصول على الخدمات والمساعدات التي يحتاج إليها الناس".

من جانبه، قال فابيو فورجيوني، رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في العراق في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "عدم القدرة على التحرك يرجع إلى التوترات الطائفية المنتشرة على نطاق واسع، وخصوصاً في المناطق المحيطة بمحافظتي بغداد وصلاح الدين، وهذا يؤثر على قدرة الناس على الحصول على الخدمات والدعم".

وأفاد أن قلة الحركة ترجع جزئياً إلى الخوف والتصورات أكثر من الحواجز الرسمية. لكنه أضاف قائلاً: "نحن مضطرون لتكرار الكثير من خدماتنا وبذل المزيد من جهود التوعية للتأكد من أننا نستطيع الوصول إلى جميع النازحين، حتى داخل مدينة واحدة أو حي واحد. وهذا له تأثير علينا من حيث الميزانية لأننا يجب أن ننفق موارد أكثر مما كنا نفعل عادة لتكرار ونقل الخدمات".

لقد عاملونا كما لو كنا غرباء ومجرمين

وبناءً على شعورها بالقلق إزاء انتهاكات حقوق النازحين داخلياً، أطلقت مؤسسة مسارات، وهي منظمة مقرها بغداد وتدافع عن حقوق الأقليات، الشهر الماضي حملة لحث البرلمان على سن قانون جديد يمنح المزيد من الحماية للسكان النازحين.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال رئيس مؤسسة مسارات، سعد سلوم، أنه في حين يتمتع النازحون داخلياً "بحقوق دستورية ودولية" فإن هذه الحقوق ليست مكفولة في العراق ولابد من سن المزيد من التشريعات.

وأضاف أن "سياسات التمييز ضد النازحين تهدد حياتهم،" مشيراً إلى الأقليات على وجه الخصوص، الذين يكافحون من أجل الحصول على وظائف.

ومنذ بداية الخروج من الأنبار في شهر يناير من العام الماضي، يشعر النازحون داخلياً من طائفة السنّة بالتهديد في مدينة بغداد ذات الأغلبية الشيعية. وفي الأسابيع الأخيرة، بعد وصول وافدين جدد من الرمادي، كانت هناك زيادة طفيفة في حوادث العنف.

بلال الفهداوي البالغ من العمر 27 عاماً هو شاب سني فر إلى العاصمة من الرمادي في شهر أبريل، ثم غادر المدينة بسبب صدور تهديدات بالقتل ضد عمه تمت كتابتها بالطلاء على جدار بالقرب من المكان الذي كانوا يقيمون فيه.

وقال هذا الأب لطفل واحد: "لقد تحرشت بنا قوات الأمن وعاملتنا كما لو كنا غرباء ومجرمين. هناك حملة كبيرة ضدنا".

وأضاف أن "الكثير من الناس يفضلون العودة إلى ديارهم في الأنبار والعيش تحت حكم تنظيم الدولة الإسلامية عن مواجهة تهديدات الميليشيات هنا،" في إشارة إلى المجموعات الشيعية التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة الحكومية الرسمية.

"نزح عمي من الأنبار أيضاً وانتقل إلى حي مختلط تسيطر عليه الميليشيات، ولكن ذات يوم، كتبت الميليشيات على جدار منزله بالطلاء 'غادر المنطقة وإلا ستموت قريباً'،" كما أشار.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال عامل الإغاثة العراقي أبو خالد*، الذي يدعم النازحين من الأنبار من خلال منظمة غير حكومية محلية: "هؤلاء الناس يواجهون ظروفاً مريرة، ويتعرضون للمطاردة والمضايقة من قبل المليشيات، وخطر الاعتقال المستمر والاتهامات الباطلة ضدهم. ويجري التمييز ضدهم على أسس طائفية، ولا أحد يستجيب لهم لأنهم من طائفة السنّة".

كما شكا من عدم تلقي منظمته لأي دعم خارجي من المنظمات الإنسانية الدولية.

ومع استمرار القتال في محافظة الأنبار، والتخطيط لشن هجوم عسكري لتحرير الموصل، قال بياني أنه من المرجح أن تستمر أعداد النازحين وما يرتبط بها من ضغوط على الحكومة في الارتفاع.

وأضاف أن "احتمال حدوث موجة نزوح جديدة واسعة النطاق حقيقي جداً ويتطلب مستوى تأهب كان غائباً في الماضي".

ووصف النقص المستمر في الأموال المتاحة للاستجابة، الذي يهدد برامج الاستجابة لحالة الطوارئ، بأنه "عار على كل من حكومة العراق والمجتمع الدولي".

* ليس اسمه الحقيقي

oj/lr/am-ais/dvh