آتشيه في الذكرى العاشرة، نظرة معمقة على جهود الاستجابة للكارثة

بعد مرور عقد من الزمان على وقوع كارثة التسونامي في المحيط الهندي التي دمرت آتشيه، تلك القمة المعزولة من جزيرة سومطرة الإندونيسية صبيحة 24 ديسمبر 2004، تلقي شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) نظرة فاحصة على جهود الاستجابة غير المسبوقة، وأثرها على المجال الإنساني ومعاناة السكان المحليين حتى الآن.

وفي هذا الصدد، قال يان إيغلاند، الذي كان يشغل منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في ذلك الوقت أن "الطريقة التي استجاب بها المجتمع الدولي لكارثة تسونامي رفعت سقف المعايير فيما يتعلق بما يمكن أن يقوم به العاملون في المجال الإنساني".

فعقب يومين من وقوع زلزال بلغت قوته 9.1 درجة على مقياس ريختر على بعد نحو 240 كيلومتراً قبالة السواحل الإندونيسية الذي أحدث التسونامي، عقد إيجلاند مؤتمراً صحفياً في جنيف. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "كنت أنوي انتقاد الفشل في تقديم مساهمات في تلك السنة. كانت سنة حافلة بالكثير من الكوارث، وفقيرة جداً من حيث التمويل"، مشيراً إلى الفيضانات التي ضربت بنجلاديش، والأزمة الدائرة في دارفور، حيث واجهت الاستجابة الإنسانية في ذلك العام، عجزاً يقدر بنحو 140 مليون دولار.

هذا هو الجزء الأول من سلسلة من خمسة أجزاء تلقي نظرة على تسونامي المحيط الهندي. 


وقد نُقل عن إيغلاند قوله: "إن أسباب بُخلنا إلى هذا الحد تقع خارج إرادتي"، مما أثار سيلاً من الانتقادات له من قبل الحكومات المانحة. ولكن إيغلاند قال أن هذا التصريح قد أُخرج عن سياقه، حيث أوضح:" تصريح 'البخل' الشهير الذي أدليت به كان مخططاً له قبل كارثة التسونامي. كنت آمل في أن يصبح مصدر إلهام يساهم في جمع التبرعات للعديد من الأزمات الجارية حول العالم، كون الوقت كان يصادف نهاية العام، وحلول بعض الأعياد الكبرى مثل عيد الميلاد ... انتهى الأمر إلى أثر مفيد ومذهل مع تبرعات توسنامي". ووفقاً لتقرير الكوارث العالمية لعام 2005، "كانت التغطية الإعلامية... لكارثة التسونامي التي هيمنت على عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم حتى شهر ينايرت أطول بكثير من أي كارثة أخرى في التاريخ الحديث".

مساعدات التسونامي

وقالت الحكومة الإندونيسية أن التسونامي تسبب في حدوث أضرار وخسائر تقدر بنحو 4.45 مليار دولار في بلادهم وحدها (كما أحدث أضراراً بالغة أيضاً في سريلانكا، وتايلند وجزر المالديف). وخلال الأعوام الثلاثة الأولى للكارثة، تعهد المجتمع الدولي بقرابة 8 مليارات دولار لإعادة إعمار آتشيه و6.4 مليار دولار ليتم صرفها عبر ما يقرب من 500 من منظمات المعونة التي شاركت في العملية. وأوضح جوي سينغال، الذي عمل مع الصليب الأحمر البريطاني في جهود الاستجابة: "الاستجابة لكارثة التسونامي، كونها اضطرت إلى طلب ذلك العدد الكبير من الموظفين، كانت أول مهمة دولية للكثير من العاملين في المجال الإنساني". وأضاف أنها "جزء من الذاكرة الشخصية والمؤسسية لهذه الصناعة".

وكانت الخسائر البشرية مذهلة، إذ تأكد مقتل 167,000 شخص من سكان آتشيه، إضافة إلى عشرات الآلاف من المفقودين، أي واحد من بين كل أربعة مواطنين في الإقليم قد اختفى.

وقال مايكل باك، الذي كان يعمل في ذلك الوقت في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في جاكرتا، وكان واحداً من مجموعة محدودة جداً من الأجانب التي سُمح لهم بالدخول إلى آتشيه في مطلع الألفية الجديدة: "عندما وصلت، كانت الجثث مكدسة على جانب الطرق مثل ألواح الخشب...ظلت رائحة الهواء تشبه رائحة الجثث لمدة أسابيع".

وسارع الباقون على قيد الحياة في مساعدة الجيران بحثاً عن ذويهم وتجمع الناس في المساجد والمباني الجامعية التي ظلت قائمة عقب التسونامي. وقال حسن هيرمانتو، الذي عمل في المركز الشعبي للتصدي للأزمات، وهي منظمة تطوعية: "في أحد المساجد، استخدمنا قطعة خشب متفحمة لرسم خريطة على الحائط...عندما خرجت المجموعات، قلنا لهم أن يقوموا بإحصاء السكان وكتابة أسماءهم".

والجدير بالذكر أن آتشيه كانت مسرحاً لصراع استمر لما يقرب من ثلاثين عاماً بين حركة آتشيه الحرة والقوات المسلحة الإندونيسية. وعقب إنهاء العمل بقانون الطوارئ العسكرية القاسية، سمحت السلطات في جاكرتا بفتح الإقليم أمام الوكالات الدولية في غضون أيام من وقوع الكارثة.

وفي الأشهر والأسابيع اللاحقة، تدفقت المساعدات في أشكال متنوعة. وقالت رينا ميوتيا، التي كانت طالبة في باندا آتشيه، عاصمة الإقليم، في ذلك الوقت: "كان علماء الساينتولوجي أو العلمولوجيا هنا يقدمون جلسات مساج في مخيمات النازحين داخلياً، والسياح الذين جاءوا من بالي للمساعدة... كانوا جميعاً ودودين حقاً، ولم يكن كثير من أهالي آتشيه قد تفاعلوا مع الأجانب من قبل، وبالتالي فإن التمييز بينهم وبين وكالة كبيرة ذات خطط وتعهدات ودراسات استقصائية لم يكن أمراً سهلاً".

تنسيق الفوضى

وبحلول مارس 2005، كان من الواضح أن حجم العمليات في آتشيه يتطلب تنسيقاً خاصاً. ومن ثم قام رئيس إندونيسيا بتعيين وزير سابق يتمتع بالكاريزما والكفاءة لإدارة وكالة إعادة تأهيل وإعمار آتشيه ونياس (التي تعرف اختصاراً في اللغة الإندونيسية بـ BRR). لكن كونتورو مانجكوسوبروتو، الذي تولى إدارة الوكالة، لم يتفق مع رؤية الرئيس


وأوضحت ليليان فان، الباحثة في فريق السياسات الإنسانية بمعهد التنمية الخارجية في المملكة المتحدة، أن كونتورو كان يرى أن إعادة إعمار آتشيه يتطلب قدراً من المرونة لم يكن مريحاً لجاكرتا في البداية. وأشارت ليليان فان إلى أن هذا "التفويض الكامل"، جنباً إلى جنب مع حماس الجهات المانحة قد أتاح للوكالة "ليس فقط توفير الإغاثة الطارئة إلى آتشيه، بل دعم الإصلاح السياسي والتنمية على المدى الطويل في إندونيسيا كذلك". وأضافت: "في الوقت الذي وقعت فيه كارثة التسونامي، كانت توصم إندونيسيا بأنها إحدى الدول الأكثر فساداً في العالم".

وشهدت عملية إعادة الإعمار مجموعة من التعقيدات، ذلك أن حجم الاستجابة قد سلط الضوء على تدابير مكافحة الفساد وسط مخاوف من أن وكالات المعونة، التي يتمتع الكثير منها بتمويلات هائلة، تقدم تقارير غير أمينة عن الاحتياجات الحقيقية بغية الاستمرار في جمع التبرعات.

من جانبها، نفذت الحكومة الإندونيسية، التي قادت جهود الإغاثة، أكثر من 5,000 مشروع لإعادة الإعمار وفي الوقت ذاته شاركت في التنسيق لتنفيذ 12,500 من المشروعات الأخرى التي شاركت فيها أكثر من 60 جهة مانحة ثنائية والوكالات المتعددة الأطراف، فضلاً عن قرابة 700 من المنظمات غير الحكومية. ووفقاً لمؤسسة آسيا، عانت جميع قطاعات الاستجابة تقريباً من مشكلات في التنسيق.

مع ذلك، أتت مثابرة كونتورو ثمارها، فقد أشار تحليل صدر في عام 2008 عن مؤسسة بروكينجز، ومقرها واشنطن، أنه توزيع أموال المعونة في آتشيه، على الوكالات والمشاريع كان يتم بسرعة أكبر وفعالية أكثر عن مثيلاتها في الكثير من الكوارث الطبيعية الأخرى. و"إعادة البناء بشكل أفضل" أصبحت العبارة الأكثر شهرة المرتبطة بجهود تعافي السكان عقب الكوارث، في إشارة إلى الرؤية المحلية والدولية عن أن هناك إمكانيات هائلة لتحسين آتشيه.

جهود مبتكرة للاستجابة

وبالإضافة إلى تشجيع الابتكار، أجبرت الاستجابة لكارثة التسونامي العاملين في المجال الإنساني على التأمل، ذلك أن الكم الهائل من التمويل، والضغط من أجل تنفيذ التدخلات بما يتوافق مع المعونة الإنسانية وضع العاملين في المجال الإنساني أمام تحديات لم يسبق لها مثيل في هذا المجال.

وفي بعض الحالات، تطلبت التحديات اللوجستية استحداث تدابير جديدة، وقد سمح ارتفاع مستوى التمويل بتنفيذ ذلك: فعلى سبيل المثال استأجرت منظمة أوكسفام طائرات شحن لأول مرة لإيصال المعونة. وفي مثال آخر، تم صرف أكثر من مليون دولار في الشهر من خلال بعض نقاط التوزيع نقداً لعشرات الآلاف من ضحايا الكارثة.

وقالت مويرا ريديك، التي كانت تقوم بتنسيق جهود الاستجابة الطارئة في الصليب الأحمر البريطاني: "لم تكن هناك تمويلات بهذا الحجم من قبل". وقد أطلقت لجنة الطوارئ الخاصة بالتصدي للكوارث في المملكة المتحدة، التي تجمع تمويلات لـ 13 وكالة بما في ذلك الصليب الأحمر البريطاني، نداء لصالح كارثة التسونامي في 29 ديسمبر، واستطاعت جمع مبلغ 392 مليون جنيه إسترليني وهو ما يعد مبلغاً قياسياً في تاريخ اللجنة.

وتعليقاً على ذلك، أوضحت أنه "كانت هناك مجموعة جديدة كلياً من الضغوط نتيجة لحجم التمويل- لم تكن هناك قدرة كافية على استيعابه"، مشيرة إلى أنها "لم تكن تمويلات من المانحين بالطريقة المعتادة، أي تمويلات يتم التفاوض بشأنها في إطار مؤسسي. هناك دائماً بالطبع واجب أخلاقي يتمثل في ضرورة إنفاق أي أموال على أفضل نحو ممكن، ولكن هذه الأموال الطائلة التي تبرع بها الجمهور وكان يجب علينا إنفاقها قبل حلول موعد نهائي مصطنع".

وقالت ريديك أن الموظفين قد رؤوا فيما بينهم أنه ربما ينبغي على الوكالات أن تعود إلى الجمهور وتسأل عما إذا كان يمكن تحويل بعض المال إلى دارفور. بيد أن الجواب من قيادة الوكالة جاء بالرفض. وأضافت: "الموعد النهائي المصطنع قادنا إلى أبعد من ذلك، إلى ما يعرف بإطالة أمد المهمة وصولاً إلى الانتعاش. وفجأة أصبحت المنظمات المتخصصة في إنقاذ الأرواح تقوم ببناء المنازل، لأنه لا توجد أي وسيلة أخرى لإنفاق المال ضمن هذا النطاق".

ويرى البعض أن الكثير من الممارسات المعروفة اليوم في المجال الإنساني، قد استحدثت أو تم التوسع فيها لتصل إلى هذا المستوى، خلال جهود الاستجابة لكارثة التسونامي. وعن هذا، قال سينغال: "الكثير من الأسئلة التي كنا نجتهد فيها على المستوى المفاهيمي في آتشيه أصبحت الآن سياسات وبروتوكولات واضحة"، وضرب مثال على ذلك بما يعرف اليوم بالتحويلات النقدية.

وأوضح سينغال أن "التحويلات النقدية في عمليات الاستجابة لحالات الطوارئ كانت جديدة نسبياً، لاسيما على هذا النطاق، أثناء جهود الاستجابة لكارثة التسونامي". وأضاف: "أصبح لدينا اليوم مؤسسة شراكة التعلم في مجال النقد وقطاع كامل مخصص لفهم كيفية عمل برامج التحويلات النقدية والطريقة التي يمكن وينبغي أن يتم اتباعها"، مشيراً إلى برنامج "شراكة التعلم في مجال النقد"، الاتحاد الذي "انبثق من الرغبة في استخلاص الدروس المستفادة من الاستجابة الطارئة لكارثة التسونامي في المحيط الهندي في عام 2005" بقيادة منظمة أوكسفام، والصليب الأحمر البريطاني، وصندوق إنقاذ الطفولة، والمجلس النرويجي للاجئين ومنظمة العمل من أجل مكافحة الجوع.

هزات اجتماعية

ولم يقتصر الدمار الذي خلفه التسونامي على الهياكل المادية في آتشيه فقط، بل طال الهياكل السياسية أيضاً، فقد لقي أكثر من 3,000 من موظفي الخدمة المدنية مصرعهم ولم يعثر أبداً على أكثر من 2,000 شخص. وعن هذا الدمار، يتذكر مايكل باك قائلاً: "في إحدى القرى التي تقع بالقرب من لامبونج، وصلنا في وقت متأخر وكان اجتماع القرية قد بدأ بالفعل، كان جميع الحاضرين من المراهقين. همست لأحد الزملاء سائلاً أين ذهب جميع البالغين. فأوضحت لي أنهم توفوا جميعاً، والأطفال هم القادة الآن".

ويشعر البعض بأن الوكالات الإنسانية قد غادرت فجأة، تاركة آتشيه من دون الدعم الذي تحتاج إليه بشكل ملح الآن وهي تبحر في خضم بحر السياسية الجديدة في مرحلة ما بعد الصراع. وقد خلص التحليل الذي أصدره مؤسسة بروكينجز في عام 2008، إلى أن "مسألة الانتقال من مرحلة إعادة الإعمار إلى مرحلة التنمية يحتاج إلى مزيد من الدراسة".

كما أن هذا الانتقال محفوف بالمخاطر، فقد كافحت مؤسسات السياسة الإقليمية لتحقيق الاستقرار على الرغم من أن الدولة تعيش في حالة سلام. كما أن مؤشرات التنمية البشرية في آتشيه متدنية، بل وفي بعض الحالات متراجعة.

وفي تقرير عام 2014، أشار معهد تحليل سياسات الصراع في جاكارتا، إلى أن السنوات الأخيرة "لم تجلب عمليات تحسن ملموس كثيرة في حياة سكان آتشيه العاديين، إذ لا يزال الفقر مزمناً والفساد متفشياً والابتزاز الذي يمارسه قادة حركة آتشيه الحرة السابقين في الأعمال التجارية والمشروعات العامة المحلية منتشراً".

ويرى سيف المهدي، الذي يدير المركز الدولي لدراسات آتشيه والمحيط الهندي، معهد أبحاث في باندا آتشيه، أن مرحلة الطوارئ قد أحدثت تغيرات واضحة في آتشيه بسرعة، ولكن الخراب المادي استحوذ على معظم الطاقة (والتمويل) المخصصة لجهود التعافي ومن ثم كان تطوير نظام الحكم والإدارة بطيئاً.

وقال أنه "نتيجة لقانون الأحكام العرفية، والعلاقة بين القوات المسلحة الإندونيسية وحركة آتشيه الحرة، فإن هناك حالة من عدم الثقة بينما تميزت السلطة في مرحلة ما بعد الكوارث وما بعد الصراع في آتشيه بالأداء"، وأشار إلى مشادات حول إذا كان يمكن رفع علم حركة آتشيه الحرة على المباني الحكومية، وظهور مفاجئ لشرطة الشريعة في عدد من المناسبات في السنوات الأخيرة.

ووفقاً لمهدي عادة ما تكون "القدرة على الحكم في أعقاب الصراعات والكوارث ضعيفة، ومن ثم فإن أحد الحلول السياسية هي سن مجموعة من العقوبات أو القوانين الأكثر شدة وصرامة لإرغام الجميع على الالتزام بالنظام".

وتعبيراً عن امتعاضه من الوضع الحالي، قال: "من غير المنطقي أن لا تتمكن الحكومة من إظهار قدرتها حتى على إنفاذ القوانين الحالية".

kk/cb-ais/dvh