مخاوف من تداعيات إنسانية على خلفية هجوم مزمع للجيش الكونغولي

تثير خطط القوات المسلحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لشن هجوم جديد على واحدة من أقدم حركات التمرد في البلاد، قلق السكان المدنيين وتطرح تساؤلات حول الحكمة من هذه العملية المزمع القيام بها في أوائل عام 2015.

والجدير بالذكر أنه لم يمتثل حتى الآن سوى بضع مئات فقط من أفراد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا للمهلة النهائية التي تهدف إلى نزع سلاحهم بحلول 2 يناير، والمشاركة في برنامج التسريح وإعادة الإدماج.

وفي هذا الصدد، صرح لامبرت مندي، المتحدث باسم حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قائلاً: "بعد انقضاء المهلة، لن يكون هناك مجال للمزيد من المفاوضات. سوف تشن قواتنا المسلحة [القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية] وشركاؤنا [بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مونوسكو] هجوماً عسكرياً لنزع سلاح قوات الديمقراطية لتحرير رواندا بالقوة".

وأكد متحدث عسكري باسم بعثة مونوسكو، المقدم فيليكس بروسبر باسيه أن قوة الأمم المتحدة "ستشارك في عمليات ضد متمردي القوات الديمقراطية لتحرير رواندا مع القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية عندما يحل الموعد المحدد في 2 يناير 2015. ويجري التخطيط والاستعداد لتنفيذ التفويض الممنوح لنا من مجلس الأمن".

"إننا نكرر نداءاتنا للقوات الديمقراطية لتحرير رواندا للاستسلام لبعثة مونوسكو، والقوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية والشرطة الوطنية الكونغولية، والانخراط في عملية نزع السلاح، والتسريح والإعادة إلى الوطن، وإعادة الإدماج وإعادة التوطين] بغية تجنب نزع سلاحهم بالقوة وتجنب وقوع خسائر لا داعي لها في الأروح".

وتجدر الإشارة إلى أن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، التي تشير التقارير إلى أنها تضم قرابة 1,400 مقاتل، قد شُكلت بواسطة قيادات ميليشيا إنتراهاموي الهوتو التي فرّت إلى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد ارتكاب معظم أعمال القتل في الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. وتضم في صفوفها الآن الكثير من مواطني جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقد حذر جاسون ستيرنز، مدير مجموعة أبحاث الكونغو في جامعة نيويورك من أن "أي عمل عسكري يجب أن يأخذ ما يلي في الاعتبار".

"عندما شنت الأمم المتحدة والجيش الكونغولي هجوماً ضد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا في عام 2009، تسببت في نزوح نحو مليون شخص ومقتل آلاف الأشخاص".

"ومن ثم لا ينبغي الإقدام على أي عمل عسكري إلا بعد استنفاد الخيارات السياسية، كما ينبغي أن يكون العمل العسكري متناسبا مع حجم التهديد".

من جانب آخر، يشارك عمال الإغاثة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ستيرنز هذه المخاوف.

وتأكيداً لذلك، قالت فرانسيس تشارلز، مديرة قسم المناصرة في منظمة وولد فيجن، بجمهورية الكونغو الديمقراطية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أي عملية عسكرية قد تخلِّف تداعيات إنسانية. من أكثر التبعات التي نخشاها في شرق الكونغو هي زيادة أعداد النازحين في المناطق المثقلة بالفعل باحتياجات السكان النازحين على نطاق واسع".

وتشير التقارير إلى أن عدد النازحين حالياً في مقاطعتي شمال وجنوب كيفو قد وصل إلى حوالي 1.4 مليون شخص.

المخاطر المحدقة بالسكان المدنيين

وأضافت تشارلز أن "هذا الهجوم المزمع القيام به ينطوي على درجة عالية من المخاطر، لاسيما على السكان المدنيين. ويجب على قوات مونوسكو والقوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية أن تتخذ التدابير اللازمة لضمان أن يخفف التخطيط للعمليات وتنفيذها من الأذى الذي قد يلحق بالمدنيين. ويتعين بذل كل جهد ممكن للحد من انتهاكات حقوق الإنسان المتصلة بمثل تلك العمليات ورصدها".

وقال فلوران ميهاول، رئيس المكتب الفرعي لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في جنوب كيفو، أن عمال الإغاثة في تلك المقاطعة "مقتنعون بأنه سيكون للعمليات العسكرية المخطط لها ضد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا عواقب إنسانية تتعلق بحماية المدنيين وعمليات التهجير القسري والاحتياجات الإنسانية التي تترتب عليهما...".

وأضاف أن "إحدى القضايا الرئيسية في جنوب كيفو قد تكون صعوبة وصول المساعدات الإنسانية بسبب القيود المادية والأمنية. وفيما يتعلق بالأخيرة، من المتوقع أن يعيق هجوم من هذا القبيل أي نوع من المفاوضات مع الجماعات المسلحة بشأن إيصال المساعدات. وإضافة إلى صعوبة الوصول، فإن ضعف الوجود الإنساني في مناطق العمليات العسكرية المحتملة سوف يجعل من الصعب توسيع نطاق العمليات الإنسانية الكبيرة بسرعة إذا لزم الأمر".

وحذرت نظيرته في شمال كيفو المجاورة، أناريتا ماركانتونيو من خطر "حدوث زيادة في الهجمات وعمليات النهب والأعمال الانتقامية من جانب القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، فضلاً عن احتمال وقوع المدنيين ضحية للأعمال العدائية".

وتفيد التقارير الواردة بأن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) والمنظمات الإنسانية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يعملون مع بعثة مونوسكو لتطوير خطة طوارئ لحماية المدنيين في حال وقوع هجوم عسكري ضد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا.

وقال مندي، المتحدث باسم الحكومة: "شعبنا على دراية بالوضع. في الوقت الذي نخطط فيه لشن هذا الهجوم، نقوم ببث إعلانات [عبر الراديو] لحث السكان على الابتعاد عن الأماكن التي تتواجد فيها القوات الديمقراطية لتحرير رواندا".

بالنسبة لتشارلز "رغم أن الحاجة إلى توفير حماية أفضل للسكان واضحة، إلا أن النهج العسكري بمفرده ليس هو الحل". وأوضحت قائلة: "نحتاج إلى التركيز بشكل أكبر على نهج أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً للسلام والاستقرار على المدى الطويل، ذلك أن المنطقة في حاجة ماسة إليهما".

ورداً على سؤال عما إذا كانت الغلبة ستكون للقوات الموحدة لجمهورية الكونغو الديمقراطية ومونوسكو ضد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، قال تييري فيركولون، مدير مشروع أفريقيا الوسطى في مجموعة الأزمات الدولية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أعتقد أن المسألة ليست هي 'أن تفشل أو تنجح؟' لكن 'هل تم استيفاء الشروط السياسية والعسكرية لهذه العملية وما هو نوع العمليات التي يجب شنها ضد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا؟"

وأضاف: "أقول هذا لأنه يبدو من وجهة نظر مجلس الأمن أنه ينبغي تكرار نفس نوع العملية [التي حدثت في نوفمبر 2013] ضد حركة 23 مارس التي تعرف بـ M23. وهذا سيكون خطأ فادحاً".

وقال فيركولون: "من وجهة النظر العسكرية، تمثل القوات الديمقراطية لتحرير رواندا تمثل مشكلة مختلفة عن حركة 23 مارس ويبدو أن التفكير الرئيسي يمضي في اتجاه تطبيق الاستراتيجية نفسها. بيد أن هجوماً عسكرياً واحداً لن يكون كافياً لدحر القوات الديمقراطية لتحرير رواندا لأن هذه المجموعة تنتشر من شمال إلى جنوب كيفو وتتألف من وحدات صغيرة من المقاتلين الذين يمكن أن ينسحبوا بسهولة إلى الأحراش".

"وبالتالي فإن التشكيل التكتيكي لها يختلف تماماً عن حركة 23 مارس. وإضافة إلى ذلك، فإن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا متغلغلة داخل المجتمعات المحلية، ومن ثم يمكن أن يشارك مثل هؤلاء الأفراد في القتال، وقد تقوم القوات الديمقراطية لتحرير رواندا بشن عمليات انتقام وحشية ضد المدنيين على غرار ما قام به تحالف القوى الديمقراطية.

وحذر فيركولون قائلاً: "على أولئك الذين يخططون للقيام بعملية عسكرية ضد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا أن يسألوا أنفسهم إذا كانت مطاردة تلك القوات في الأحراش ستضع حدا لهذا التهديد. وحتى إذا تكللت هذه العملية بالنجاح، فهل ستقضي على قوات تحرير رواندا؟ بالتأكيد لا، إذا كانت هذه عملية من مرحلة واحدة".

وعلى الصعيد السياسي، يرى فيركولون أنه "لا يوجد توافق قوي في الآراء حتى الآن حول هذه العملية، إذ لا تزال تنزانيا تعارضها وهي التي تقدم الجزء الأكبر من "قوة التدخل".

وإذا كانت تنزانيا لا تريد القيام بمثل هذه العملية، فإن جنوب أفريقيا لن ترغب في أن تمضي بمفردها وتتحمل المسؤولية كاملة. ويعلم الجميع أن الكلمة الفصل في نهاية المطاف عادة ما تكون للدول المساهمة بقوات في بعثة حفظ السلام، أياً ما كان رأي مجلس الأمن الدولي. ولذلك، فإن البيئة السياسية بشكل عام تعج بالمشكلات، على عكس العملية التي تم شنها ضد حركة 23 مارس".

بناء التحالفات

وعلى الرغم من قرب حلول الموعد النهائي، فإن هناك تقارير تشير بأن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا تعكف على إعادة تجميع قواتها، وتجنيد المزيد من الأفراد، وحشد الدعم السياسي وبناء التحالفات العسكرية مع المجموعات الكونغولية المسلحة، وبذلك تستمر في تشكيل تهديدا للأمن الإقليمي، وذلك وفقاً لتقرير مشروع "إناف" Enough Project الذي نشر في 18 نوفمبر.

في السياق ذاته، تشير الأدلة الواردة من خبراء الأمم المتحدة والنتائج التي توصل إليها البحث الميداني الذي أجراه مشروع إناف لمدة ستة أشهر في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى أن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا تركز جهودها على إعادة تنظيم نفسها في ثلاثة مجالات رئيسية هي: زيادة الدخل لشراء الذخيرة والأسلحة، وحشد الدعم السياسي في محاولة لكسب المزيد من الشرعية، والاستعداد لتفادي الهزيمة العسكرية من خلال بناء التحالفات العسكرية والتجنيد.

كما أشار التقرير إلى أن هذه الميليشيا -المسؤولة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وغيرها من الانتهاكات الخطيرة والتي تخضع لعقوبات من قبل الأمم المتحدة- تواصل الحصول على الإيرادات بالأساس عبر تجارة الذهب عن طريق أوغندا وشمال كيفو، وعبر إنتاج وتجارة الفحم النباتي بصورة غير مشروعة من منتزه فيرونجا الوطني، وهي تجارة تصل قيمتها إلى 32 مليون دولار في السنة.

وأوضح التقرير أن "المجموعة تستخدم جزءاً من هذه العائدات لشراء الأسلحة والذخيرة من ضباط الجيش الكونغولي [جمهورية الكونغو الديمقراطية]، الذين تواصل التعاون وتبادل المعلومات الاستخبارية معهم". لكن مندي، المتحدث باسم حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية نفى هذه الادعاءات.

التكتيكات


وأشار التقرير إلى أن الاستراتيجية الحالية للقوات الديمقراطية لتحرير رواندا تتسق مع النمط الذي تنتهجه منذ فترة طويلة عند مواجهة الضغوط العسكرية.

وأشار التقرير إلى أنه "في هذا النمط، تَعِد المجموعة بالتخلي عن أسلحتها وتؤكد تطلعاتها السياسية للاعتراف بها كجماعة رواندية معارضة. ثم ما تلبث أن تستغل أي مهلة لإعادة تجميع صفوفها عبر بناء التحالفات العسكرية وزيادة النشاط الاقتصادي والتجنيد".

ولعل من قبيل المفارقة حقاً أن جمهورية الكونغو الديمقراطية والقوات الديمقراطية لتحرير رواندا قد تعاونتا مع بعضهما البعض، في بعض الأحيان خلال السنوات الأخيرة، ضد أعداء مشتركين.

so/am/cb-kab/dvh