هل يجد الفلسطينيون صعوبة في إثبات الانتهاكات؟

خلال حديثه في 5 أغسطس، بعد اجتماع المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في لاهاي، كان وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي واضحاً بشكل لا لبس فيه عندما قال أن "كل ما حدث في الـ28 يوماً الأخيرة هو دليل واضح على جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل، والتي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية"، في إشارة إلى الاعتداء الإسرائيلي المستمر على غزة. وأضاف قائلاً: "ليست هناك صعوبة بالنسبة لنا في إظهار أو بناء القضية. إن الأدلة موجودة ... وإسرائيل تنتهك القانون الدولي بشكل واضح".

وكانت تعليقاته مطابقة لتلك التي أدلت بها الشخصيات العالمية. فقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بعد قصف مدرسة تابعة للأمم المتحدة، الهجمات بأنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني"، في حين قالت المفوضة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي أن هناك "احتمالاً قوياً" بارتكاب جرائم حرب.

وذكر أخر تقرير أصدرته الأمم المتحدة أن عملية "الجرف الصامد" التي شنتها إسرائيل ضد حماس ومسلحين آخرين في غزة قد أدت إلى مقتل أكثر من 1,800 فلسطيني، 72 بالمائة منهم من المدنيين، بينما بلغ عدد القتلى في الجانب الإسرائيلي 67 شخصاً، من بينهم 64 جندياً، واثنين من المدنيين، ومواطناً أجنبياً واحداً يعمل في إسرائيل.

مع ذلك، وبالرغم من أن الاتهامات بارتكاب إسرائيل انتهاكات كانت مدوية، إلا أن إثباتها سوف يكون أكثر صعوبة بكثير. ويقول الخبراء أن القيود السياسية والقانونية والعملية ستعوق جهود الفلسطينيين للجوء إلى محاكم دولية أو إسرائيلية لإثبات إدعاءاتهم.

شكوك حول المحكمة الجنائية الدولية

في نوفمبر 2012، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة مراقب غير عضو، مما يجعل فلسطين مؤهلة للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولكن حتى الآن، لم يصادق القادة الفلسطينيون على معاهدة المحكمة، وبالتالي لا يمكنهم رفع دعوى ضد إسرائيل.

وفي حين يصر المالكي على أن فلسطين ستصبح عضواً في المحكمة الجنائية الدولية في الأشهر المقبلة، فإن هناك أسباباً عديدة قد تعوق تحقيق ذلك. السبب الأول هو أن القوى الدولية - لاسيما الولايات المتحدة، ولكن أيضاً دول الشرق الأوسط - تمارس ضغوطاً على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لإثنائه عن الانضمام بحجة أن هذا سيقوض مفاوضات السلام. ولهذا السبب، قد يرغب في الاستمرار في التمسك بهذا التهديد لكسب نفوذ خلال المفاوضات.

وقال ستيوارت كيسي-ماسلين، رئيس قسم الأبحاث في أكاديمية جنيف للقانون الدولي وحقوق الإنسان، أن الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية "هو أكبر سلاح سياسي يمتلكونه [السلطة الفلسطينية] في ترسانتهم في الوقت الراهن، وأنا أفترض أن إسرائيل والولايات المتحدة وجهتا لهم تحذيرات جادة للغاية بعدم القيام بذلك، وإلا لكانوا قد انضموا. لقد انضموا إلى المعاهدات الأخرى ذات الصلة، سواء كانت متعلقة بحقوق الإنسان أو [القانون الدولي الإنساني] ... وحقيقة أنهم لم يقدموا على ذلك ليست راجعة إلى مشكلة قانونية. إنه قرار سياسي من القيادة الفلسطينية".

والسبب الثاني في عدم ترجيح الإقدام على مثل هذه الخطوة هو أن الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية ستكون له تداعيات خطيرة على المقاتلين الفلسطينيين في غزة، لأن المحكمة الجنائية الدولية يجب أن تنظر إلى الصراع ككل، وإسرائيل - التي ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية أيضاً - قد اتهمت حماس باستخدام المدنيين كدروع بشرية وإطلاق الصواريخ بشكل عشوائي على السكان المدنيين الإسرائيليين. إذا انضمت فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، يمكن أن تواجه حماس وجماعات مسلحة أخرى محاكمات دولية.

ولهذا السبب، تواجه السلطة الفلسطينية صعوبة في إقناع المجموعات العسكرية بدعم القرار. وقال كيسي-ماسلين أن تكتيك حماس المتمثل في إطلاق الصواريخ على إسرائيل من دون استهداف أهداف عسكرية محددة، على الرغم من أنها تتسبب في أضرار طفيفة، وغالباً ما يعترضها نظام الدفاع الصاروخي المعروف باسم "القبة الحديدية"، يضعها في "موقف صعب جداً" من الناحية القانونية.

وما لم تنضم فلسطين رسمياً إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن الخيارات الدولية الأخرى تبدو محدودة. وفي أواخر يوليو، قدم محام فرنسي شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية نيابة عن كبار المسؤولين الفلسطينيين، متهماً إسرائيل بارتكاب جرائم حرب تشمل "شن هجمات ضد المدنيين" و "إلحاق خسائر فادحة بالأرواح البشرية". كانت هذه تجربة مماثلة لمحاولة إجراء تحقيق من قبل المحكمة الجنائية الدولية في 2009، بعد عملية الرصاص المصبوب الإسرائيلية، وهي الصراع الذي دام ثلاثة أسابيع في عامي 2008 و2009 وأسفر عن مقتل ما يقرب من 1,400 فلسطيني. وفي ذلك الوقت، رفض المدعي العام الدعوى لأن فلسطين ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، ومن المرجح أن تواجه أي شكوى جديدة باستجابة مماثلة.

وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال بول هيرشسون المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أنه ليس على دراية بأي شكوى جديدة، لكن الجيش الإسرائيلي "يعمل بنسبة مئة بالمائة في حدود ما يمليه القانون الدولي الإنساني". وأضاف هيرشسون أنه إذا وصلت شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية "فمن المرجح أن لا تحقق نتيجة تذكر".

وتجدر الإشارة إلى أن هناك مساراً دولياً بديلاً إلى العدالة يمكن للفلسطينيين اللجوء إليه، وهو أن يطالب مجلس الأمن الدولي بإجراء تحقيق. ولكن الولايات المتحدة - باعتبارها عضواً دائماً في المجلس وحليف إسرائيل الوثيق - من المرجح أن تمارس حق النقض لمنع اتخاذ مثل هذه الخطوة.

المحاكم المحلية توفر بصيصاً من الأمل

وفي حين يناقش السياسيون الفلسطينيون جدوى السعي للمساءلة الدولية عن ما يعتبرونه إفلات إسرائيل من العقاب، تعمل جماعات حقوق الإنسان المحلية داخل المنظومة الإسرائيلية لتحقيق نفس الغاية، إلا أنها أيضاً غالباً ما تواجه تحديات هائلة.

ينبغي عليك بناء قضية جنائية، وهذا يعني جمع الأدلة 

وحتى قبل أن ترسل إسرائيل قواتها البرية إلى غزة بهدف معلن هو تحييد أنفاق حماس، قام ائتلاف من المنظمات غير الحكومية المحلية بالكتابة بالفعل إلى السلطات المدنية والعسكرية الإسرائيلية، محذراً من أن تحذيرات الإخلاء التي تطلقها إسرائيل ليست كافية لحماية المدنيين.

وأوضحت سوسن زاهر، وهي محامية في المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة)، خلال حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، أن منظمتها تعمل في إطار النظام القانوني الإسرائيلي وقالت: "على الرغم من أننا نعرف أن هناك قيوداً وأننا لا نحصل على استجابات فعالة لخطاباتنا، وعلى الرغم من حقيقة أنه في معظم القضايا، لن تلبي هذه الوسيلة طموحاتنا ... فإننا ما زلنا نفعل ذلك لأنها بالنسبة لنا الأداة الوحيدة المتاحة في الوقت الحالي".

وقد فشلت إلى حد كبير محاولات الحصول على تعويضات عن الحروب السابقة، بفضل تشريع صدر في عام 2012 يمنع منح تعويض للمدنيين بأثر رجعي إذا لحقت بهم أضرار خلال "أعمال قتالية" غير معرفة بدقة، وهي تسمية تعتقد زاهر وآخرون أنها تجعل من المستحيل تقريباً بالنسبة للمدنيين الفلسطينيين طلب تعويض مدني.

وأضافت زاهر قائلة: "لا يهم إذا كنت تتحدث عن أضرار لحقت بالممتلكات أو إصابة بجروح أو فقدان حياة، بموجب القانون الإسرائيلي لن يكون من حقك الحصول على تعويض حتى لو لم تشارك في العمل العسكري".

والجدير بالذكر أن الجنود الإسرائيليين كأفراد نادراً ما يواجهون اتهامات جنائية بارتكاب انتهاكات أثناء القتال، لأن الشكاوى يجب أن تُقدم أولاً إلى جهاز المدعي العام العسكري، ومن ثم يحدد الجيش نفسه مسار التحقيقات.

والأسوأ من ذلك أن محاولة الطعن من خلال النظام القانوني الإسرائيلي يمكن أن تتسبب في عواقب سلبية غير مقصودة. وفي هذا الصدد، يشير ايتان دياموند، المدير التنفيذي لمركز الدفاع عن حرية الحركة (مسلك) ، وهو إحدى المنظمات غير الحكومية المشاركة في حملة واسعة لكتابة الرسائل - إلى أن التماساً تم تقديمه إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في عام 2008 للطعن على التخفيضات الكبيرة في إمدادات الكهرباء إلى قطاع غزة جاء بنتائج عكسية، إذ قررت المحكمة أن سيطرة إسرائيل على غزة لا تشكل احتلالاً، مما يحد من التزاماتها تجاه سكان غزة، ويسمح لبعض المسؤولين بالادعاء الآن أن إسرائيل لا تحتاج إلى تزويد غزة بأي طاقة كهربائية على الإطلاق.

توثيق الصراع

وسوف تعتمد أي قرارات مستقبلية، سواء كانت دولية أو محلية، على وجود توثيق أفضل. وقال كيسي-ماسلن أن مفتاح أي محاولة قانونية هو جمع أدلة موثوق بها في الأيام التي تعقب وقف القتال.

وأضاف أنك لا تستطيع ببساطة أن تستنتج أنه لمجرد أن "بعض المدنيين لقوا مصرعهم، [أن] جرائم حرب قد ارتكبت ... بل ينبغي عليك بناء قضية جنائية، وهذا يعني جمع الأدلة".

وبينما يستمر وقف إطلاق النار المؤقت حالياً، تقول ياعيل شتاين، مديرة الأبحاث في منظمة بتسيلم، وهي منظمة غير حكومية تركز على حقوق الإنسان في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة أن منظمتها تسعى لتقييم الوضع. وأضافت قائلة: "نأمل أن يتمكن موظفونا الميدانيون في غزة الآن من مغادرة منازلهم والبدء في البحث عن شهود وتقييم الضرر".

وقالت زاهر أن مركز عدالة والشركاء في قطاع غزة يعكفون أيضاً على توثيق الانتهاكات، لاستخدامها في القضايا المعروضة على المحاكم الداخلية أو الخارجية في المستقبل، أو في تحقيقات مستقلة مثل تحقيق غولدستون المثير للجدل الذي أمرت بإجرائه الأمم المتحدة في عام 2009 بعد عملية الرصاص المصبوب. وقد وافق مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بالفعل على قرار بفتح تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية المزعومة خلال الصراع الحالي.

as/jd/cb-ais/dvh