إسرائيل/غزة: كيف ستنتهي المأساة؟

لا تزال أحدث جولات العنف المتبادل بين إسرائيل وحركة حماس في غزة مستمرة منذ أسبوعين، حيث لقي أكثر من 600 فلسطيني و29 إسرائيلياً – جميعهم، ما عدا اثنين، من الجنود النظاميين - مصرعهم. وانهار اتفاق وقف إطلاق النار الذي اقترحته مصر الأسبوع الماضي بعد أن اعترضت عليه حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة احتجاجاً على عدم التشاور معها قبل الإعلان عنه. ومنذ ذلك الحين، وسعت إسرائيل نطاق عملياتها بسرعة وشنت غزواً برياً أدى إلى فرار أكثر من 100,000 شخص من ديارهم.

وتجري الآن محاولات جديدة للتفاوض على تسوية للأزمة - ولكن ما هي النقاط الرئيسية في النزاع؟ وهل يمكن أن يكون هناك أي أمل في تحقيق سلام طويل المدى بين الجانبين؟

ماذا تريد حماس؟

ذكرت حركة حماس أن هدفها هو تخفيف القيود المفروضة على دخول البضائع وحرية التنقل من والى قطاع غزة المكتظ بالسكان. وقال الزعيم السياسي للحركة خالد مشعل في مقابلة أجريت معه مؤخراً أن حماس ستقبل وقف إطلاق النار فقط إذا اشتمل الاتفاق على التزامات طويلة الأجل لتحسين "حقوق الشعب الفلسطيني".

ومن بين هذه الأهداف، رفع الحصار المفروض على القطاع من قبل إسرائيل ومصر في الوقت الحالي، والذي يفرض قيوداً صارمة على استيراد السلع الحيوية، بما في ذلك الوقود والغذاء ومواد البناء.

من جانبه، يرى سلمان شيخ، مدير معهد بروكينجز في قطر، أن حماس تحاول استغلال هذا الصراع لتحقيق الأهداف المتوسطة الأجل، مضيفاً "أنهم لا يريدون مجرد هدنة مؤقتة - ولهذا السبب لم تنجح الجهود المصرية الأولية [لوقف إطلاق النار]. إنهم يريدون اتفاقاً من شأنه أن يسمح بفتح الحدود والإفراج عن المعتقلين الذين تحتجزهم إسرائيل".

وبشكل عملي أكثر، تتطلع حماس أيضاً - باعتبارها القوة العسكرية الأكثر ضعفاً - إلى النجاة من الهجوم الإسرائيلي من دون أن يصيبها بالشلل، وسوف تعتبر ذلك نوعاً من الانتصار.

وأفاد فراس أبي علي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد بحوث أي اتش إس، أن حركات التمرد والمقاومة "غالباً ما تعرف النجاح على أنه الصمود لفترة أطول من الجانب الآخر. وهذا هو الأسلوب النمطي لإظهار أن السلطة التقليدية غير قادرة على توفير الأمن للشعب".

ماذا تريد إسرائيل؟

وعندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدء الغزو البري مساء يوم 17 يوليو، شدد على أن الغرض هو تدمير القدرة العسكرية لحماس، بما في ذلك شبكة الأنفاق الكائنة تحت الأرض. وأضاف أن هدفه هو "استعادة الهدوء والأمان للإسرائيليين لفترة طويلة قادمة، مع إلحاق ضرر كبير بالبنية التحتية لحركة حماس وغيرها من الجماعات الإرهابية في قطاع غزة".

وأشار أبي علي إلى أنه وفقاً للإحصاءات الإسرائيلية، تم إطلاق 87 صاروخاً على إسرائيل في 20 يوليو - انخفاضاً من المتوسط اليومي البالغ حوالي 140 صاروخاً في الأسبوعين السابقين. وأضاف أنه على الرغم من أن هذا يمثل تحسناً، إلا أن هذا العدد لا يزال "على الأرجح مرتفعاً أكثر مما ينبغي بالنسبة للإسرائيليين - وربما يكونون بحاجة إلى خفض [هذا العدد] بشكل كبير في تقييمهم".

مع ذلك، فقد تجنب نتنياهو الحديث عن الهدف الأكبر، وهو تدمير حماس إلى الأبد. وقال دانيال ليفي، رئيس برنامج شمال أفريقيا والشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمستشار السابق للحكومة الإسرائيلية، أنه يعتقد أن إسرائيل تعلمت من حرب 2006 مع حزب الله، الحزب السياسي اللبناني المدجج بالسلاح، حيث ثبت أن الوعود بتدمير هذه المجموعة كانت غير واقعية. وأضاف: "إنه لم يتحدث عن التخلص من حماس بالكامل، بل تحدث فقط عن [الهجوم على] القدرات الصاروخية ومواقع إطلاق الصواريخ والأنفاق الخاصة بهم".

واتفق أبي علي مع هذا التقييم، قائلاً أن نتنياهو كان حريصاً على تقديم الهجمات كشيء ضروري كل بضع سنوات. وقد وصف العديد من السياسيين اليمينيين الإسرائيليين الهجمات بأنها "قص العشب".

"إن السرد الذي يحاول الإسرائيليون تقديمه هو أن هذا النوع من الصراع المحدود ضد غزة وغيرها من المناطق التي يمكن أن تثبت الجماعات المتشددة أقدامها بها هو شيء يضطرون للانخراط فيه بشكل منتظم من أجل الحد من قدرات هذه الجماعات، كما قال أبي علي، مضيفاً أن الإسرائيليين "ليس لديهم حل دائم، وبالتالي يصبح الصراع العسكري المنتظم إحدى حقائق الحياة".

من الذي يتفاوض؟

وتتبع جميع دول الاتحاد الأوروبي سياسة رفض التواصل مع حماس، مما يجعل من المستحيل تقريباً بالنسبة لهم الالتقاء مباشرة مع القيادة السياسية للحركة - بما في ذلك زعيمها مشعل الذي يتخذ من قطر مقراً له. ولكن النرويج، وهي ليست جزءاً من الاتحاد الأوروبي، لا تلتزم بتلك السياسة ويقوم وزير خارجيتها بورغ برنده برحلات مكوكية بين إسرائيل ومصر وقطر في محاولة للتوصل إلى اتفاق.

كما قام أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون بزيارة إلى الدوحة، في حين عقد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية أيضاً اجتماعات مع مشعل.

من الناحية الاقتصادية، لا تستطيع إسرائيل أن تواصل عملية عسكرية لعدة أشهر - من حيث الاستمرار في استدعاء هذا العدد من جنود الاحتياط، والتكلفة الفعلية للعملية العسكرية والتكلفة الناتجة عن شل النشاط الاقتصادي في جنوب إسرائيل

وتشارك الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة وزير الخارجية جون كيري، في المفاوضات، على الرغم من أنها أيضاً ترفض عقد لقاءات مباشرة مع حماس. وفي 21 يوليو، قال كيري أنه يعمل من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار، فضلاً عن "النقاش حول القضايا الأساسية".

وأفاد شيخ من معهد بروكينغز أنه يشعر بالقلق من أن الوسطاء المتعددين لم "يتعاونوا معاً" حتى الآن. وأضاف أن "هذا ما يحاول بان كي مون القيام به، أي وضع الغراء للربط بين هذه المسائل".

وتتناقض الطبيعة الفوضوية للمفاوضات مع ما حدث في أخر مرة قصفت إسرائيل فيها غزة، في نوفمبر 2012. ففي ذلك الوقت، كانت الحكومة المصرية بقيادة الإخوان المسلمين تدعم حركة حماس بقوة - وزار العديد من كبار القادة القطاع، وفي الوقت نفسه، تفاوضوا مع إسرائيل نيابة عن حماس. وقد بدأت الجهود الدبلوماسية فوراً واستمرت أعمال العنف ثمانية أيام فقط قبل أن يوافق كل من المصريين والإسرائيليين على وقف إطلاق النار ويقدموا وعوداً بتخفيف القيود المفروضة على غزة بشكل كبير.

ولكن منذ ذلك الحين، أدت الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين بدعم من الجيش إلى وصول عبد الفتاح السيسي، وهو قائد عسكري مصري سابق معاد لحماس، إلى السلطة، وعادت القيود المفروضة على القطاع إلى مستويات مماثلة لتلك التي كانت سائدة قبل عام 2012.

وأوضح ليفي أن افتقار حماس إلى حليف قوي أدى إلى الفوضى التي شابت محاولات وقف إطلاق النار في الأسبوع الماضي، حيث لم يتم التشاور مع الحركة من قبل مصر وإسرائيل قبل عرض الصفقة. وقال أيضاً: "إذا كنا سنتوصل إلى وقف إطلاق نار ناجح، فإن الفرق سيكون أن حماس يجب أن تصبح جزءاً من وقف اتفاق إطلاق النار، بدلاً من فرض وقف إطلاق النار عليها".

كيف يمكن أن تبدو صفقة وقف إطلاق النار؟

وهناك عدد من الطرق التي يمكن اتباعها لوقف الأزمة، بدءاً من وقف إطلاق النار على المدى القصير ووصولاً إلى هدنة أكثر اكتمالاً. وكان الإجماع العام للمحللين الذين تحدثت إليهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) هو أن كلا الجانبين ليسا على استعداد في الوقت الحالي للتوصل إلى اتفاق طويل الأجل، وأن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي وقف أعمال العنف من دون معالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع.

وفي هذا الشأن أكد يزيد صايغ، كبير الباحثين في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن هذا من شأنه أن يجعل اشتعال الموقف بشكل مماثل في المستقبل أمراً لا مفر منه، وأنه "ما لم يتغير الوضع في غزة بحيث يسمح للناس أن يعيشوا حياتهم الخاصة، فإن السياسة في القطاع لن تتغير".

وأضاف أن فشل مصر وإسرائيل في الالتزام ببنود اتفاق نوفمبر 2012 - الذي تعهدتا فيه بتخفيف الحصار على غزة مقابل قيام حماس بمنع شن أي هجمات صاروخية من غزة - قد جعل حماس أقل استعداداً للتفاوض.

"[إنهم] يشعرون بأنهم قبلوا وقف إطلاق النار في نوفمبر 2012، الذي كلفهم الكثير سياسياً لأنهم اضطروا إلى منع إطلاق الصواريخ من غزة، دون أن يتمكنوا من تحسين ظروف قطاع غزة ورفع الحصار بالدرجة التي وافقت عليها مصر وإسرائيل،" كما أوضح، مضيفاً أنه على هذا النحو، لن تدخل حماس في اتفاق من دون ضمانات.

وفي السياق نفسه، ذكر الشيخ أن المفاوضات الرئيسية يجب أن تركز على آلية فتح الحدود مع غزة وفي نفس الوقت "ضمان الأمن على الجانب الإسرائيلي".

إلى متى سيستمر الصراع؟

ويتفق المحللون على أن كلا الطرفين ليسا على استعداد لإطالة أمد الصراع ولا يسعيان إلى ذلك. لقد استدعت إسرائيل ما يقرب من 50,000 جندي احتياطي، في حين يتزايد الضغط الدولي عليها بسبب ارتفاع عدد الضحايا المدنيين في غزة.

وقال أبي علي من أي اتش إس: "من الناحية الاقتصادية، لا تستطيع إسرائيل أن تواصل عملية عسكرية لعدة أشهر - من حيث الاستمرار في استدعاء هذا العدد من جنود الاحتياط، والتكلفة الفعلية للعملية العسكرية والتكلفة الناتجة عن شل النشاط الاقتصادي في جنوب إسرائيل. لا يستطيع الإسرائيليون تحمل حرب طويلة، ولقد سعوا على مر التاريخ إلى شن حروب سريعة وذات تأثير قوي، بدلاً من خوض المعارك الطويلة".

ويعكس النشاط الدبلوماسي المكثف في الأيام الأخيرة زيادة في الضغوط الدولية للتوصل إلى اتفاق، ولكن الطبيعة المتعثرة للمفاوضات توحي بأن الحرب قد تستمر لفترة أطول. وأشار ليفي إلى أنه في حين كانت استراتيجية نتنياهو تهدف بشكل واضح إلى الاشتباك لفترة وجيزة نسبياً، فإن مقتل 27 جندياً إسرائيلياً على الأقل في الأيام القليلة الماضية من المرجح أن يفرض عليه ضغطاً متزايداً للتوسع في العمليات العسكرية.

وقد احتلت إسرائيل غزة لمدة 38 عاماً حتى عام 2005، عندما سحبت قواتها ولكنها فرضت حصاراً على القطاع في وقت لاحق، بعد انتخاب حماس في عام 2006. وأكد ليفي أن "كل يوم يمر من دون وقف إطلاق النار، يجلب [المزيد من خطر التصعيد]. إننا لا نزال بعيدين عن سيناريو الاحتلال، ولكن إذا استمر الوضع لعدة أيام أخرى، يمكن أن نتحدث عن ذلك".

وحذر شيخ من أن الطبيعة المتوترة للمفاوضات تعني أن الأيام القادمة ستكون حاسمة، مضيفاً أن "هذا وقت حاسم والأمور ستصل إلى مرحلة حرجة. يمكن أن نشهد إعلان وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، أو يمكن أن يحدث انهيار كامل [للمفاوضات]. وبالنظر إلى ما حدث في الأيام الأخيرة - مقتل المدنيين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين - يكمن الخطر في أن يتخذ الصراع دينامية خاصة به".

jd/ha/cb-ais/dvh