القرى العراقية التي أغرقتها الميليشيات تواجه مخاطر تفشي الأمراض

تسببت الفيضانات الناجمة عن الإغلاق المتعمد لأحد السدود الكبيرة على نهر الفرات في تدمير قرى ومزارع عبر منطقة تمتد إلى 200 كيلو متر مربع غرب بغداد، مما أدى إلى تشريد عشرات الآلاف من الأشخاص وتركهم عرضة لمخاطر الإصابة بالأمراض التي تنتقل عبر المياه مثل الكوليرا.

وتهرع المنظمات الإنسانية الآن- المنهكة بالفعل لأقصى حد في محاولة للاستجابة لقرابة 434,000 نازح بسبب القتال في محافظة الأنبار المضطربة - لإيصال الأغذية ومستلزمات المأوى والنظافة العامة إلى نحو 40,000 أسرة متضررة من الفيضانات التي حدثت في منطقة أبو غريب والمناطق المحيطة بها في شهر أبريل.

من ناحية أخرى، بدأت المياه الآن -التي وصلت في ذروة الفيضانات على بعد بضعة كيلومترات من مطار بغداد الدولي- في الانحسار ببطء من منطقة أبو غريب، ومن ثم بدأت بعض الأسر في العودة إلى ديارها. ولكن يعتقد أن سد النعيمية، في مدينة الفلوجة في محافظة الأنبار، لا يزال تحت سيطرة المليشيات التابعة للدولة الإسلامية في العراق والشام، ويُخشى من أنها يمكن أن تحدث المزيد من الفيضانات في أي وقت.

وتعليقاً على الوضع في تلك المنطقة، قالت إليانا نبعة، المتحدثة باسم بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي): " لا تسيطر الحكومة بشكل كامل على المنطقة أو السد... لذا ليس هناك أي سبب يدعو إلى الاسترخاء لأن [الفيضانات] قد تحدث مرة أخرى".

وعلى الرغم من هذه المخاطر، فقد بدأت بعض الأسر، التي لجأت إلى العيش في أراض مرتفعة وفي المحافظات المجاورة، العودة إلى المناطق التي ضربتها الفيضانات بغية تقييم الأضرار واستعادة ما تبقى من منازلها ومزارعها.

ومن غير الواضح بعد عدد الأشخاص الذين لا يزالون بلا مأوى نتيجة للطرق المقطوعة بسبب المياه والوضع الأمني المتدهور في منطقة أبو غريب، التي تحد من إمكانية إيصال المساعدات الإنسانية، ولكن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد الأسر التي نزحت قسراً في ذروة الفيضانات وصلت ما بين12,000 إلى 20,000 أسرة.

وقد قال عثمان عادل، رئيس بلدية أبو غريب، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "هذه فوضى عارمة ومأساة حقيقية. كل شيء مدمر ولا شيء يعمل ولدينا العديد من المشكلات".

الماء كسلاح في الحرب

هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها الماء كسلاح للحرب في العراق. ففي فترة التسعينيات، استنزف الرئيس العراقي صدام حسين بشكل متعمد منطقة الأهوار الجنوبية في بلاد ما بين النهرين- التي يشار إليها في الانجيل بجنة عدن والغنية بالحياة النباتية والإيكولوجيا- لمعاقبة الناس الذين يعيشون هناك بسبب تمردهم ضد الحكومة.

وفي هذا الصدد، قال ستيفن فيكين، وهو محلل مستقل في الشأن العراقي، أن صدام حسين قد استخدام المياه أيضاً في صراعاته مع إيران. ولكن الفيضانات التي حدثت في شهر أبريل هي الأولى من نوعها التي تقف ورائها مجموعة عراقية مسلحة-وربما تقع هناك المزيد من الفيضانات في الفترة المقبلة.

وقال أحمد على، رئيس فريق العراق في معهد دراسات الحرب في واشنطن: "هناك سيناريو مرجح جداً هو أن تقوم الدولة الإسلامية في العراق والشام بإحداث المزيد من الفيضانات".
وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد قامت الحكومة بعمل فتحات للسماح بتصريف بعض المياه بعيداً عن المنطقة، ولكن الدولة الإسلامية في العراق والشام هي من يتحكم في الوضع هنا، وأصبح السد رصيداً استراتيجياً بالنسبة لهم فيما يتعلق باستخدام ذلك كوسيلة للحد من تنقل قوات الأمن العراقية".

وعلى الرغم من أنها المرة الأولى من نوعها في العراق، إلا أن ميليشيات أخرى قد استخدمت الحيلة ذاتها في المنطقة، بما في ذلك المتمردون السوريون في حلب. وحول هذه النقطة قال فيكين: "إنه وضع مقلق للغاية، وضع يؤكد مدى ضعف الكثير من المناطق لهذا النوع من التكتيك".

وقال نيكولاي ملادينوف، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للعراق، عقب زيارة قام بها في وقت سابق من هذا الشهر إلى منطقة أبو غريب المتضررة من الفيضانات: "يجب أن يفهم أولئك الذين يسيطرون الآن على السد في الفلوجة عواقب أفعالهم على حياة عشرات آلاف من العراقيين".

والجدير بالذكر أن القتال الدائر حالياً في محافظة الأنبار قد وضع قوات الأمن العراقية في مواجهة جبهة معقدة من الميليشيات السنيّة، التي تدعي التهميش وسوء المعاملة من جانب الحكومة التي يقودها الشيعة، فضلاً عن الميليشيات الإسلامية التابعة للدولة الإسلامية في العراق والشام، التي كانت تتبع في السابق تنظيم القاعدة.

وقد عقدت محادثات مختلفة في مسعى لإيجاد حل سياسي ولكن لا يبدو حتى الآن أنها أحرزت تقدم كبيراً. ويأتي هذا في ظل استمرار قوات الأمن العراقية في شن عمليات قصف جوي على مدينتي الرمادي والفلوجة.


وأضاف بقوله: "لقد حدثت الفيضانات بشكل مفاجئ في غضون يوم. كان الناس خائفين جداً واضطروا إلى ترك منازلهم بسبب تدفق المياه والشعور بعدم الأمان"، موضحاً أن الفيضانات قد ألحقت أضراراً بنحو 49 قرية وأكثر من 10,000 منزل.

وأوضح أن خمسة أشخاص قد توفوا، بعضهم بسبب لدغات الثعابين التي تعيش في الماء. وناشد المجتمع الدولي لتقديم المساعدة قائلاً: " يستغرق إعادة بناء كل هذا سوف وقتاً طويلاً، هناك الكثير من الأضرار ونحن بحاجة إلى المساعدة".

وتشير التقارير إلى أن المسلحين التابعين للدولة الإسلامية في العراق والشام قد أغلقوا سد النعيمية، الذي يقع على بعد حوالي 5 كيلومترات جنوب مدينة الفلوجة، في مطلع شهر أبريل، بعد السيطرة على أجزاء من محافظة الأنبار في شهر يناير في أعقاب انسحاب قوات الأمن العراقية من المدينة. وكانت القوات الحكومية قد انسحبت بسبب تهديدات من الجماعات القبلية السنية، في أعقاب الإغلاق القسري لمخيم احتجاج سني مناهض للحكومة في الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار.
وقال محللون لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الهدف الأساسي للدولة الإسلامية في العراق والشام هو قطع إمدادات المياه عن جنوب البلاد، لأن غالبية السكان هم من الشيعة ومتعاطفون مع الحكومة. ولكن إغلاق السد أدى إلى ارتفاع مستوى المياه في قناة الري في أبو غريب، مما تسبب في فيضانات واسعة النطاق في المنطقة ذات الأغلبية السنيّة.

ووصف شهود عيان لعاملين في مجال الإغاثة كيف تدفقت موجة من الفيضانات تتحرك بسرعة 5 كيلومترات في الساعة صوب المنازل وعبر الحقول، فغمرت المدارس وسحبت المواشي بعيداً وأجبرت الأسر على الفرار باستخدام عوامات مصنوعة من قطع الأثاث.

وفي 6 مايو، تم إنشاء فتحه في المصب من سد النعيمية للسماح بتصريف المياه، ولكن ذلك ترك عشرات القرى من دون مياه على الإطلاق، وهم يعتمدون الآن على إمدادات المياه بواسطة الشاحنات.

وقالت إليانا نبعة، المتحدثة باسم يونامي: "القضية ليست التمكن من فتح بوابة واحدة وبعد ذلك سيكون كل شيء على ما يرام...إذ لا يزال لدينا فيضانات وهناك توقعات بأنه يكون لذلك أثر سلبي طويل الأجل على المنطقة وعلى الزراعة حتى بعدما تنحسر الفيضانات. كما حدثت الفيضانات في وقت الحصاد مما أدى إلى تدمير الكثير من المحاصيل".

مخاطر تفشي الأمراض

ووصف محمد البهبهاني، وهو مسؤول إعلامي في برنامج الأغذية العالمي في العاصمة بغداد، الذي قام بزيارة منطقة أبو غريب في وقت سابق من هذا الشهر، مشهد المباني المتضررة والمحاصيل المدمرة قائلاً:
"معظم هؤلاء الناس هم من المزارعين، الذين يقتاتون من أراضيهم، يأكلون مما يزرعون، ويبيعون ما زاد عن حاجتهم للحصول على بعض النقود. لكن الفيضانات دمرت سبل كسب العيش وتركتهم دون طعام".

وقال رئيس بلدية أبوغريب: "[النازحون] يعانون بسبب عدم توفر مياه الشرب كما أنهم يصابون بالأمراض. لقد ظهر على بعضهم طفح جلدي وأصيب آخرون بالإسهال".

وقال البهبهاني أن هناك قلقاً متزايداً من خطر تفشي الأمراض نظراً لكم المياه الراكدة، والتلوث العام وحرارة الصيف. مع ذلك، وحتى الآن، لم يحدث أي تفش كبير لمثل تلك الأمراض.

ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أصبح عدد من الأسر المتضررة من الفيضانات ضمن النازحين داخلياً، وذلك بعد أن فروا من العنف في محافظة الأنبار.

وقالت ناتاليا بروكوبتشوك، مسؤولة العلاقات الخارجية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: "لقد كانوا ضعفاء للغاية بالفعل والآن تشردوا مرة أخرى". وأضافت أن العديد من النازحين كانوا يخيمون في حظائر الدواجن والمزارع ولذلك تضاعفت معاناتهم ونسبة تعرضهم للمخاطر عندما حدثت الفيضانات.

وأوضحت بالقول: "ترد إلينا تقارير عن أشخاص يعانون من الأمراض التي تنتقل عبر المياه، لاسيما أولئك الذين نزحوا من محافظة الأنبار... فهؤلاء لا يملكون المال للحصول على الخدمات الصحية والوضع الصحي لا يبدو جيداً".

وفي السياق ذاته، قال زاك توماس، مساعد مسؤول المشاريع في المنظمة الدولية للهجرة لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "بدأت المياه بالانحسار ولكن لا تزال هناك الكثير من المستنقعات... لقد أبلغتنا المجالس المحلية بأن مياه الصرف تختلط بالمياه الزراعية والمياه الراكدة وهذا يصيب الناس بالأمراض".

تدمير المحاصيل

وأضاف قائلاً: "لقد دمرت محاصيل الطماطم والبطاطس والبامية بأكملها وهؤلاء الذين لم يفقدوا مواشيهم يجبرون الآن على بيعها لأنهم يحتاجون إلى مبالغ نقدية لشراء المواد الغذائية ولعدم وجود مكان للاحتفاظ بها".

وفي إطار استجابة منسقة، تقوم فرق من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسف بتقديم مراتب وجراكن ومواقد للطهي ومواد غذائية ومستلزمات النظافة واللوازم الطبية.

كما تقوم منظمة اليونيسف بإرسال شاحنات المياه النظيفة إلى القرى وتنظيم حملات للنهوض بالنظافة العامة، فيما تقوم المنظمة الدولية للهجرة بتوفير اللوازم غير الغذائية. وبدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مؤخراً بتقديم معونات نقدية للأسر الأكثر ضعفاً. مع ذلك، لم يواكب حجم المعونات عدد الأشخاص المتضررين.

وتأتي هذه الفيضانات والنزوح في الوقت الذي يئن العراق تحت وطأة ارتفاع أعمال العنف الطائفية التي تثير مخاوف حول احتمال انزلاق البلاد في أتون الحرب الأهلية مرة أخرى.

إضافة إلى ذلك، يحد تصاعد أعمال العنف وانعدام الأمن من قدرة العاملين في المجال الإنساني على إيصال المساعدات، في حين يهدد تدني مستوى التمويل القدرة على الاستجابة.

والجدير بالذكر أن الأمم المتحدة قد أطلقت في شهر مارس نداءً عاجلاً لجمع 103 ملايين دولار لتوفير المواد الغذائية والمأوى والمستلزمات الطبية والمياه وإمدادات الصرف الصحي، من أجل دعم النازحين داخلياً من محافظة الأنبار، ولكن حتى الآن لم يتم جمع سوى 10 بالمائة من المبلغ المطلوب. من جانبها، حذرت العديد من الفرق القطرية من أنه إذا لم يتم توفير المزيد من التمويل، فسوف تضطر إلى تقليص الخدمات.

lr/ha/cb-kab/dvh