الأزمة السورية تدفع اللبنانيين إلى براثن الفقر

أظهرت نتائج تقرير صدر مؤخراً عن البنك الدولي أن الأزمة السورية تتسبب في وقوع آلاف اللبنانيين في براثن الفقر.

وذكر التقرير الذي صدر عن البنك الدولي الأسبوع الماضي في العاصمة اللبنانية بيروت أن نحو 170,000 لبناني قد يلتحقون بصفوف الفقراء من جرّاء الصراع الدائر في الجوار. ويأتي هذا في الوقت الذي قد ترتفع فيه نسبة البطالة بنحو 10 بالمائة بنهاية عام 2014.

وقد تسبب تدفق عدد هائل من اللاجئين في حدوث وفرة في الأيدي العاملة الرخيصة- الأمر الذي يؤدي بدوره إلى إضعاف وضع العمال الذين ينحدرون من مجتمعات فقيرة بالفعل، ودفع الخدمات التعليمية والصحية إلى حافة الانهيار، وقاد إلى ارتفاع صاروخي في أسعار الإيجارات.

ويأتي العدد الصادر في خريف 2013 من تقارير الرصد الاقتصادي للبنان تحت عنوان "وطأة الصراع السوري" عقب صدور تقييم من قبل البنك الدولي حول الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للنزاع السوري على لبنان، في الشهر الماضي.

وقد شهد لبنان، الدولة التي لا يزيد عدد سكانها كثيراً عن 4 ملايين نسمة، تدفق أكثر من 800,000 لاجئ سوري خلال العامين الماضيين، في ظل تحول الانتفاضة التي اندلعت ضد الرئيس السوري بشار الأسد إلى حرب أهلية عنيفة على نحو متنامي. وأصبح الكثير من اللبنانيين، الفقراء أصلاً، يعانون من تدهور سريع في وضعهم المالي.

وفي هذا الصدد، قال أحمد، البالغ من العمر 30 عاماً من مدينة بلعبك في سهل البقاع، أنه اعتاد أن يكسب ما بين 1,500 إلى 2,000 دولار في الشهر من عمله في وظيفتين- بما في ذلك توصيل الناس عبر الحدود السورية. ومنذ اندلاع الانتفاضة، تحملت البقاع وطأة تدفق اللاجئين، حيث تم تسجيل أكثر من 200,000 لاجئ سوري في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تلك المنطقة النامية.

وأضاف أحمد أنه فقد الوظيفتين اللتين كان يعمل فيهما بشكل منتظم وأصبح الآن يحصل على أقل من 500 دولار في الشهر عبر أعمال متقطعة، وهو مبلغ لا يكاد يكفي لإطعام طفليه. وعلى الرغم من أنه خفض أجره اليومي بشكل حاد إلى 35 دولاراً فقط في اليوم، إلا أن اللاجئين لا زالوا يعرضون العمل بأجرة أقل.

 نوعية الخدمات العامة قد تراجعت بالنسبة للبنانيين العاديين

 وأوضح أحمد أن بعضهم لا يتقاضى سوى 20 أو 15 دولاراً فقط، وهذا مبلغ لا يمكنه العيش به مشيراً إلى أن اللاجئين غالباً ما يحصلون على دعم من الأمم المتحدة لا يحصل عليه السكان المحليين. وأضاف: أن "تكلفة البنزين فقط، الذي تستهلكه قيادة السيارة في يوم واحد يصل إلى 20 دولار تقريباً".

وهذه مشكلة شائعة لا تقتصر على أحمد فقط. فقد أدى تدفق اللاجئين، بشكل عام، إلى زيادة العمالة المتوفرة بنسبة تتراوح ما بين 35 إلى 50 بالمائة، وفقاً لتقرير البنك الدولي. وفي ظل الركود الاقتصادي، يقود هذا الوضع أصحاب العمل إلى طلب المزيد من العمل مقابل أجر أقل- الأمر الذي يتسبب في الكثير من الأحيان في التخلي عن العمال المحليين لصالح استخدام اللاجئين الذين يقبلون بأجور أقل.

تأثيرات سلبية

وبمناسبة إطلاق التقرير، قال إريك لو بورني، كبير الاقتصاديين المتخصصين في الشأن اللبناني في البنك الدولي: "لقد تحول أثر الأزمة بشكل كبير، من الأثر الإنساني المحض إلى المجال الاجتماعي والعام. وهناك أثر [اقتصادي] سلبي كبير... فبعد كل عام من الصراع، نجد أن معدل النمو قد تراجع بنسبة 2.9 بالمائة عما [لو لم يكن هناك صراع]."

وأضاف أنه لو لم تحدث تلك الأزمة، لارتفع معدل نمو الاقتصاد اللبناني في عام 2013 بنسبة 4.4 بالمائة، بدلاً من نسبة الـ 1.5 بالمائة الهزيلة.

ويوقع التأثير غير المباشر للأزمة آلاف اللبنانين في براثن الفقر، ويفاقم وضع الفقراء أصلاً. فقبيل اندلاع النزاع، قدّر البنك الدولي أن قرابة 29 بالمائة من الشعب اللبناني- أو أقل من مليون شخص بقليل - يُصنفون في عداد الفقراء، وحدد هؤلاء بأنهم الأشخاص الذين يعيشون على أقل من 4 دولارات في اليوم. ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد بنهاية عام 2014، بنحو 170,000 شخص إضافي، بحسب تقرير البنك الدولي.

وعلى صعيد آخر وفيما يتعلق بمجال تقديم الخدمات الرئيسية، أدى التدفق الهائل للاجئين السوريين إلى عجز أنظمة الخدمات عن مواكبة الطلب المتنامي عليها. فقد كانت الدولة تعاني بالفعل من نقص حاد في الكهرباء، حيث وصل متوسط توفير الكهرباء في فترة ما قبل الأزمة إلى 18 ساعة في اليوم. ومن المتوقع أن تنخفض هذه القدرة بنهاية عام 2014، إلى 16 ساعة في اليوم نظراً لزيادة الطلب من قبل اللاجئين، بحسب ما ذكره لو بورني.

بالمثل، تواجه خدمات التعليم والصحة ضغوطاً هائلة تفوق طاقتها الاستيعابية. وعلى الرغم من التقديرات التي تشير إلى أن  نحو 81 بالمائة من الأطفال السوريين غير مسجلين في المدارس، إلا أن هؤلاء الذين تم تسجيلهم يتسببون في تفاقم حالة نقص المقاعد الدراسية الموجودة مسبقاً.

وفي هذا الشأن، قال لو بورني أن "نوعية ]الخدمات العامة[ قد تراجعت بالنسبة للبنانيين العاديين".

توقعات متشائمة

ويتوقع البنك الدولي أن تستمر الأزمة السورية خلال عام 2014، وأن يصل عدد اللاجئين السوريين في لبنان إلى ما لا يقل عن 1.6 مليون لاجئ بنهاية ذلك العام، وهو ما يعادل 37 بالمائة من سكان لبنان قبيل الأزمة.

من ناحية أخرى، أكد أحمد أنه لا يُحمّل اللاجئين مسؤولية ما آل إليه حاله حيث قال: "لا يمكن إلقاء اللوم عليهم، إنها طبيعة بشرية ]أن يرغب المرء في الفرار من الحرب[". وأضاف أن "الحكومة هي المسؤولة. إذا نظرنا إلى أي دولة منظمة، سنجد أن حكومتها تدعم شعبها. أما هنا فلا يفعلون شيئاً".

مع ذلك، فإن حجم الأزمة (في ظل استضافة لبنان للاجئين سوريين أكثر من أي دولة أخرى) يعني أنه ليس بمقدور الحكومة اللبنانية أن تفعل الكثير بمفردها.

من جانبها، أوضحت ريا الحسن، وزيرة المالية السابقة والعضو البارز الآن في "تيار المستقبل" المعارض، بمناسبة إطلاق التقرير أن التقرير لم يقدم للحكومة اللبنانية سوى خيارين في مجال تطوير السياسات وهما إعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية الرئيسية والحصول على التمويل الخارجي.

وقالت أن "الخيارين غير قابلين للتطبيق في هذه الفترة" مؤكدة أن الدولة تُدار من دون حكومة رسمية منذ شهر مارس، ما يجعل الجهات المانحة تتردد في تقديم التمويل: "لا أعتقد أن التمويل الخارجي قادم في وقت قريب".

وإجمالاً، تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنه لكي يعود لبنان إلى وضع ما قبل الأزمة، فإنه سيحتاج إلى نحو 2.5 مليار دولار، جلّها عبر تمويل خارجي.

وقد دعت الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية لجمع 1.2 مليار دولار و450 مليون دولار على التوالي من لمواجهة أزمة اللاجئين خلال عام 2013. وحتى الآن، لم تتلق الأمم المتحدة وشركاؤها سوى 44 بالمائة من النداء الخاص الذي أطلقته بشأن لبنان، في حين لم تحصل الحكومة اللبنانية على أي من التمويل المنشود، وذلك وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

jd/ha/cb-kab/dvh