ما الذي يدفع اللاجئين للعودة إلى سوريا؟

مع غروب شمس كل يوم، تحتشد مجموعات من اللاجئين على الطريق الدائري الذي يحيط بمخيم الزعتري للاجئين السوريين في شمال الأردن.

يسعى هؤلاء لإيجاد مكان في إحدى الحافلات الثلاث التي تتجه إلى سوريا يومياً، حيث يتم إدخال الحقائب عبر النوافذ ويكادون يلقون بالأطفال على رؤوس ركاب الحافلة.

مشهد يتكرر كثيراً: صياح وصراع على الركوب وتواجد كثيف لقوات مكافحة الشغب الأردنية، المتأهبة للتدخل بالهراوات حال خروج الأمور عن دائرة السيطرة.

لقد ارتفع عدد اللاجئين السوريين الذين يغادرون الأردن عائدين إلى وطنهم في الشهرين الأخيرين، ما يسبب قلقاً في أوساط وكالات المعونة.

ومنذ بداية أبريل، لاحظت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين زيادة في عدد العائدين طوعاً إلى جنوب سوريا، وذلك بحسب أندرو هاربر ممثل المفوضية في الأردن. وفي هذا الصدد، قال هاربر: "بالرغم من أن العدد لا يزال محدوداً نسبياً، إذ يتراوح ما بين 250 إلى 300 حالة يومياً، إلا أن العدد ربما يزداد أكثر إذا ما تحسن الوضع الأمني وتوفرت المساعدات في جنوب درعا".

إلى ذلك، يقول اللاجئون أن كثيراً من العائدين هم من أهالي مناطق محافظة درعا الجنوبية التي "حررها" الجيش السوري الحر فيما قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في شهر أبريل إن هذا العدد يشكل 80 بالمائة من نسبة العائدين. ويواصل اللاجئون عودتهم رغم استعادة القوات الحكومية السورية أراض في الأسابيع الأخيرة.

ووفقاً للحكومة الأردنية، وصل عدد اللاجئين السوريين الذين عادوا إلى وطنهم بشكل طوعي إلى 60,000 شخص منذ افتتاح المخيم في صيف العام الماضي. وتشير إحصائيات الحكومة إلى أن الأردن يأوي أكثر من نصف مليون لاجيء سوري.

وحول هذا الأمر، قال أنمار الحمود، المنسق العام لشؤون اللاجئين السوريين في الأردن أن "العائدين هم من كافة الفئات: أسر وأطفال، رجال ونساء".

وأفاد أحد العاملين في وكالات المعونة، شريطة عدم الكشف عن هويته، إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بأن التركيبة الديموغرافية للعائدين قد تغيرت منذ شهر أبريل، فقد كانت معظمها من الرجال لكنها باتت تشمل الأسر والأطفال.

من ناحية أخرى، انخفض عدد السوريين الذين يعبرون الحدود السورية إلى الأردن. ففي الأسبوع الأخير من شهر مايو، عبر 3,500 سوري الحدود قادمين إلى الأردن، مقارنة بالأعداد السابقة التي كانت تتراوح ما بين 1,500 إلى 3,000 سوري في اليوم الواحد.

أسباب العودة

ووفقاً لمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هناك أسباب متنوعة للعودة، بما في ذلك تحسن الأوضاع الأمنية في بعض القرى الحدودية، وحماية الممتلكات أو تفقد المزارع، والتئام الأسرة مع باقي أفرادها في سوريا، أو السفر بغرض اصطحاب أفراد الأسرة الضعاف والعودة بهم إلى الأردن. وترى المفوضية أن معظم العائدين قد عادوا إلى الأردن لاحقاً.

وقالت إحدى اللاجئات من مخيم الزعتري لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إنها عادت إلى سوريا مؤقتاً للحصول على الأدوية غير المتوفرة في المخيم. وذكرت امرأة متقدمة في السن في المخيم أيضاً أنها جاءت إلى الأردن بغرض مساعدة ابنها، الذي لم يكن ليسمح له بالعبور بمفرده وأنها تنوي العودة إلى سوريا بعد أسبوع.

وأشار هاربر إلى أن كثير من اللاجئين يعاودون السفر بين الأردن وسوريا أملاً في "مضاعفة" حجم المساعدات التي يحصلون عليها، وهو ما أكّده لاجئون في المخيم. وللحيلولة دون تكرار هذا الأمر، تأمل مفوضية الأمم المتحدة للاجئين في إدخال نظام بيومتري لتحديد الهوية.

ويمكن أن يكون تحسن اللوجستيات أحد أسباب تلك الزيادة في أعداد العائدين أيضاً. فالحكومة الأردنية تسهل طلبات العائدين من خلال لجان تتكون من اللاجئين أنفسهم، كما أنها وفرت مزيداً من الحافلات لنقل الراغبين في العودة إلى الحدود. وتعليقاً على هذا قال الحمود: "جعل هذا الأمر أكثر سهولة".

ظروف معيشية قاسية

ورغم ما سبق ذكره إلا أن البعض يعودون بصفة دائمة، بعد أن اكتشفوا أن تجربة اللجوء أشق مما كانوا يتصورون: ذلك أنهم لا يمتلكون ما يكفي لدفع إيجار سكن في المدن والبلدات الأردنية ولا يستطيعون التأقلم مع الحياة القاسية في المخيمات الصحراوية.

 

عندما اندلعت الثورة، هتفنا "الموت ولا الذُل، ولكن عندما جئنا إلى المخيم هنا، أدركنا أننا تركنا الموت لنحيا في ذُل

وتأكيداً لهذا قال أبومالك* الذي قضى ثلاث أشهر سعى فيها لجمع بعض المال في محافظة إربد شمال الأردن: "الحياة خارج مخيم الزعتري باهظة التكلفة والحياة داخله لا تُطاق".

ويأوي المخيم نحو 120,000 شخص يعيشون في خيام وكرافانات في وسط الصحراء في ظروف- رغم أنها في تحسن- إلا أنها لا تزال صعبة للغاية. وتتكرر أعمال الشغب في المخيم بصفة شبه يومية بسبب ما يعتبرونه ظلماً في توزيع المؤن وإحباطاً عاماً إزاء عدم كافية المساعدة.

وفي السياق ذاته، قالت أم ماجد لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، بعد يومين من التسجيل للعودة إلى سوريا مع بناتها، وعقب قضاء 6 أشهر في مخيم الزعتري: "هذه الأيام نضطر لشراء كل شيء: المياه والمناديل الصحية والطعام ]الإضافي[ والملابس. ويستحيل القيام بكل هذا إذ جئت من دون مال".

وعلى الرغم من أن برنامج الأغذية العالمي يقدم لكل لاجئ قسيمة طعام، وتقوم وكالات المعونة بإيصال 3.5 مليون لتر مياه بالشاحنات إلى المخيم يومياً، إلا أن لدى الكثير من اللاجئين قناعة- خاطئة - بأن الماء غير نظيف. ويفاقم من هذه المشكلة الطقس الحار والظروف غير الصحية في بعض أجزاء المخيم.

وعن تلك الأوضاع قال باسل حوراني، أحد الناشطين في المخيم: "إن الوضع بائس. في الغالب لا توجد مياه في المراحيض، ما دفع بعض الأسر لبناء مراحيض بالقرب من خيمها. وهو ما أدى إلى انتشار الحشرات والأمراض في المخيم".

وعلى الرغم من قيام وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية بتوجيه نداءات لجمع مليارات الدولارات للمساعدة في تحسين الظروف المعيشية في المخيم، إلا أن التمويل الإنساني للأزمة السورية ظلّ على الدوام لا يتناسب مع الاحتياجات.

"الموت ولا الذُل"

وقال خالد* لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، عقب اشتباكه هو وبعض الشباب مع قوات الأمن خارج بوابات المخيم: "عندما اندلعت الثورة، هتفنا "الموت ولا الذُل، ولكن عندما جئنا إلى المخيم هنا، أدركنا أننا تركنا الموت لنحيا في ذُل". وأضاف: "نريد أن نعود ونقف إلى جانب شعبنا. نريد أن نفعل شيئا إزاء المجازر والقتل والاغتصاب بدلاً من أن نعلق في الصحراء ونشعر بالعجز"

وبحسب تقديرات موسى العبداللات، وهو محامي يمثل جماعات جهادية في الأردن، المتهمة بـ"الإرهاب"، فإن آلاف السوريون قد عادوا منذ بدء الصراع للالتحاق بالجيش السوري الحر أو جبهة النصرة التي تعتبرها الولايات المتحدة منظمة "إرهابية"، للقتال ضد قوات الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال عبداللات في مقابلة تليفونية: "وجد هؤلاء الشباب المخيمات في الأردن عبارة عن جحيم. عندما تعلق في مخيم كهذا، وتفكر في المجازر التي ترتكب بحق أهلك، ماذا ستفعل؟"

وأضاف أن الأعداد ازدادت خلال الأسابيع الثلاث الماضية وأن متوسط عدد الرجال الذين يعودون إلى سوريا للالتحاق بصفوف المقاتلين يتراوح ما بين 30 إلى 40 شخصاً.

على الجانب الآخر من الحدود

ويعزي بعض اللاجئين العودة إلى تحسن الظروف في جنوب سوريا حيث تم إعادة فتح الطريق الرئيسي الذي يربط ما بين الجنوب والعاصمة دمشق.

وقال المقيمون والناشطون في سوريا أن معظم الناس يعودون إلى الجزء الشرقي من محافظة درعا وقرية إزرع، وهي مناطق تخضع لسيطرة الجيش السوري الحر.

 

وقال مروان، وهو عضو في إحدى لجان اللاجئين في مخيم الزعتري، إنه يتم إيصال المواد الغذائية وغيرها من الاحتياجات إلى المحافظة.

وتفيد مصادر إغاثية أن عدداً متنامياً من الدول تدفع باتجاه إيصال المعونات عبر الحدود الأردنية. كما تسعى المعارضة أيضاً إلى إيصال الإمدادات الأساسية إلى المناطق الجنوبية.

مع ذلك، فإن عودة عشرات اللاجئين تشكل ضغطاً على الوضع الإنساني الهش بالفعل.

وقال أحد المقيمين من قرية تسيل في ريف درعا، يطلق على نفسه أبو تيم*: "لدينا ما يكفي من الماء ولكن نعاني نقصاً حاداً في الخبز والدقيق". وأضاف أنه "في بعض الأحيان، تقيم ثلاث أسر في شقة واحدة. وهذا يجعل الحياة صعبة جداً لأن الناس بالكاد يستطيعون تدبير ما يكفي لإعالة أنفسهم، ناهيك عن من يستضيفونهم".

وتفيد مصادر في المدينة بأن درعا تنقسم الآن إلى جزئين، أحدهما يخضع لسيطرة قوات النظام وآخر لسيطرة المقاتلين المتمردين. وقال نشطاء أن العائدين يتجهون إلى المناطق الريفية حيث القتال أقل كثافة، ولكن الاشتباكات والقصف والهجمات بالقنابل ما زالت متكررة.  

وقال رامي الحسين، أحد النشطاء الذين عادوا إلى مدينة درعا الشهر الماضي: "بالطبع لا أشعر بالأمان، ولكن المكان هنا أفضل من المكوث في الزعتري، حيث الطقس الحار والغبار الذي يسبب أمراض الرئة. الوضع مزرٍ حقاً، والبقاء في الأردن يزداد صعوبة لأن الأسعار آخذة في الارتفاع".  

وفي شهر أبريل، قالت ميليسا فليمينج، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن المنظمة "قلقه جداً من أن اللاجئين يعودون إلى مناطق تعاني نقص الأغذية وشح الوقود وانقطاع الكهرباء ومحدودية الخدمات. كما أن الحالة الأمنية متقلبة في ظل وجود تقارير عن إطلاق قذائف المدفعية والهاون على القرى حيثما يحاول اللاجئون استعادة منازلهم وحياتهم".

والقتال ليس عنصر الخطر الوحيد الذي يتهدد حياة العائدين. فقد غادر الحسن سوريا في شهر ديسمبر الماضي لأن نشاطه أثار حفيظة قوات الأمن. وعلى الرغم من أنه لا يزال مطلوباً، إلا أنه أقل قلقاً الآن لأنه يختبئ في منطقة يسيطر عليها الجيش السوري الحر حيث لا تستطيع قوات الأمن الوصول إليه.  

وعلى الرغم من تحسن الوضع الأمني في بعض المناطق، إلا أن حوراني أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن اللاجئين غالباً ما يعودون إلى قرى وبلدات أصابها "دمار شديد". وأضاف: "إنهم يمكثون في المزارع أو المدارس أو مع الأصدقاء أو الأقارب أو في منازل أولئك [الذين غادروا وذهبوا] إلى الأردن".  

وقالت أم ماجد، التي أصاب صاروخ منزلها في درعا، أنها قانعة بأن تستظل تحت شجرة أو تختبئ في فناء مدرسة: "فعلى الأقل لدينا مياه، وآمل أن يظل طفلي آمناً من الإسهال والأمراض التي تسببها الحرارة والغبار [في مخيم اللاجئين]".

*ليس اسماً حقيقياً

aa/gk/ha/cb-kab/dvh

"