ضباب الحرب يطغى على محادثات السلام حول سوريا

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

خمس سنوات من الصراع هي أكثر من ما ينبغي. الرعب أمام أعين الجميع ... لقد رأيتم ما يكفي من المؤتمرات، اثنان منها انعقدا بالفعل. لا يجب أن يفشل هذا المؤتمر".

كلمات رائعة من مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا جاءت في رسالة مصورة بالفيديو إلى الشعب السوري مساء الخميس، قبل يوم واحد من لقاءه في جنيف مع العديد من الأطراف الرئيسية على أمل إحداث بعض التقدم نحو السلام.

ولكن توجد مشكلة بسيطة: حتى قبل إرسال هذه الرسالة إلى وسائل الإعلام، أعلن جورج صبرة، رئيس المجلس الوطني السوري، وهي مظلة لجماعات المعارضة، أنه وعدة شخصيات أخرى لن يحضروا المؤتمر.

قال صبرة في حديث مع شبكة تلفزيون العربية الحدث: "قطعاً لا. لن نتوجه إلى جنيف ولن يكون وفد الهيئة العليا للمفاوضات غداً موجوداً في جنيف".

قد يكون اعتراض صبرة مرتبطاً بمطالب سابقة لوقف قصف المناطق المدنية ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة. كما تحتج جماعة معارضة أخرى على استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الكردي السوري من المحادثات.

إذاً، هل ستمضي المحادثات قدماً أم لا؟ هل موقف صبرة حقيقي، أم أن هذا مجرد مظهر آخر من مظاهر سياسة حافة الهاوية في أسبوع مليء بتلك المظاهر؟

لم يتعجل دي ميستورا، الذي أجل المحادثات بالفعل مرة من قبل، من يوم الإثنين الماضي، في تأجيلها مرة أخرى.

وقال مكتبه في رد بالبريد الالكتروني على أسئلة شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "ليس لدينا تعليق على إعلان جورج صبرة. أما بالنسبة للمحادثات، فإن المبعوث الخاص يعتزم إجراء المحادثات في الموعد المقرر لها على أمل أن يكون كلا الطرفين هنا".

ماذا إذا مضت المحادثات قدماً؟

وفي اليوم الأول من محادثات السلام المقررة حول سوريا، لم تكن هناك أي مراسم رسمية. لا تتوقعوا حفل افتتاح أو التقاط الصورة التذكارية المعتادة، لأن دي ميستورا تجنب رسمياً تقسيم المدعوين إلى وفود تابعة للنظام والمعارضة - بل إنه لم ينشر قائمة علنية بأسماء المدعوين.

بدلاً من ذلك، عكر المياه بضم ممثلين عن المجتمع المدني والجماعات النسائية ومختلف الأطراف المعنية. وهذا يعطي جميع المشاركين فرصة للمغادرة تعبيراً عن الغضب والاستياء دون هدم المستنقع بأكمله.

وقد عبر عن ذلك تقريباً خلال مؤتمر صحفي في وقت سابق هذا الأسبوع عندما قال: "ستكون هناك الكثير من المواقف، ونحن نعلم ذلك، العديد من المغادرات الرافضة والدخول من الجديد لأن قنبلة ما قد سقطت أو شخصاً ما قد شن هجوماً".

هل أصابتك الحيرة؟ من المرجح أن يكون هذا هو المقصود. يعتقد الخبير في الشؤون السورية آرون لوند من مؤسسة كارنيغي البحثية أن دي ميستورا تعمد خلق أكبر قدر ممكن من الغموض حتى لا تنهار المحادثات بسبب تفاصيل صغيرة، مثل من الذي سوف يحضر بالضبط.

وكما قال لوند لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "يتعمد [دي ميستورا] جعل الأمر أكثر إرباكاً لكي يجعله أقل تعقيداً".

إذاً من الذين قد يأتون؟


بفضل هذه الاستراتيجية، وخصوصاً بعد مناورة صبرة في اللحظات الأخيرة، لا أحد يعرف من سيكون في جنيف لمناقشة مستقبل سوريا، للمرة الثالثة رسمياً منذ بدء الحرب في عام 2011.

وصبرة هو أحد اللاعبين الرئيسيين في ائتلاف جماعات المعارضة السورية التي تدعمها المملكة العربية السعودية. وفي شكله الحالي، يُعرف باسم الهيئة العليا للمفاوضات، وكبير المفاوضين هو محمد علوش الذي ينتمي إلى الجماعة الإسلامية المتشددة جيش الإسلام.

وقيل أيضاً أن جماعة إسلامية متمردة رئيسية أخرى، هي أحرار الشام، لم تتخذ قراراً بعد بشأن حضور المحادثات. ولكن الرئيس السوري بشار الأسد وحليفته روسيا يصنفان كل من جيش الإسلام وأحرار الشام كجماعتين إرهابيتين.

ويشكل الأكراد نقطة خلاف أخرى. فقد هددت تركيا بالمقاطعة إذا سُمح لحزب الاتحاد الديمقراطي - الذي ترى أنه فرع من حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تحظره - بالإنضمام إلى المحادثات. وحتى لو لم يحضر حزب الاتحاد الديمقراطي محادثات جنيف بشكل رسمي، فمن المتوقع حضور ممثلين عن القوى الديمقراطية السورية، وهو ائتلاف من المقاتلين الذين يسيطر عليهم الحزب والذين يسيطرون على جزء كبير من شمال سوريا.

أما جانب النظام، فهو أكثر وضوحاً بقليل. سفير سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري هو المفاوض الرئيسي. وكان الجعفري قد وصف المعارضين بأنهم "خونة" في حادثة لا تُنسى خلال مؤتمر في جنيف الثاني، وتحدث بغضب لأكثر من الوقت المخصص له في البيانات الافتتاحية. وإذا كان النظام عازماً على إبرام اتفاق، فإن الجعفري سيكون خياراً غير مناسب.

ولكن هذا أيضاً منطقي تماماً؛ فكلا الطرفين، إذا أمكن تسمية المعارضة المفتتة طرفاً، لم يظهرا رغبة حقيقية في التفاوض. باختصار، هم قادمون لأن الممولين الذين يدعمونهم أمروهم بذلك.

وفي هذا الشأن، قال جوشوا لانديس الخبير في الشؤون السورية ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الأسد لن يذهب لأنه يريد التفاوض، ولا لأنه يعتقد أن المعارضة يمكن أن تحقق [الوحدة]، بل سيذهب لأن روسيا، الراعي الرئيسي له، أمرته بذلك".

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للمعارضة. ففي الواقع، شكا مسؤولون في المعارضة من أن الولايات المتحدة تضغط عليهم للحضور من دون شروط مسبقة.

وأضاف لانديس أن "هذين الجانبين هناك، ليس للجلوس والتحدث وجهاً لوجه مع خصومهم ... إنهما هناك لأنهما يحاولان إرضاء القوى التي ترعاهما. من بعض النواحي، الأمر يتعلق بحديث الرعاة مع بعضهم البعض، وهذا هو المسار الذي سيمضي عليه الحوار".

هل يمكن أن يتحدثا مع بعضهما البعض بالفعل؟

لن تكون هناك أي محادثات وجهاً لوجه في هذه المرحلة. هذه محادثات غير مباشرة، وستقوم الأمم المتحدة بجهود مكوكية لنقل الرسائل بين الطرفين.

فشلت الجولتان الماضيتان في تحقيق أي تغيير ملحوظ على أرض الواقع، وقد أوضح دي ميستورا أنه يريد أن يجرب مساراً مختلفاً.

في الماضي، كان النقاش يتوقف على مطلب رئيسي من المعارضة والولايات المتحدة: الأسد يجب أن يرحل. ولكن مع دخول روسيا على الخط الآن، وتحقيق النظام لمكاسب على الأرض، يبدو أن موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري آخذ في التطور.

وقد يثير هذا غضب المعارضة، ولكن دي مستورا أوضح أن أي خطوات أولى يجب أن تهدف إلى وقف إطلاق النار، وليس إلى أي خطط كبيرة لبدء عملية انتقال سياسي.

انتظروا، ماذا عن ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية؟

هناك عقبة واضحة في هذه الخطة - لن يأتي ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية أو الجماعة المتمردة القوية المعروفة باسم جبهة النصرة إلى جنيف. والجدير بالذكر أن الأمم المتحدة تصنفهما كجماعتين إرهابيتين. وفي غيابهما، من الصعب أن نتصور أية تدابير لوقف اطلاق النار على نطاق واسع.

ولكن قد يكون هناك مجال للتوصل إلى صفقات جزئية أصغر على المستوى المحلي في جميع أنحاء البلاد. وقد حدث هذا بالفعل في 30 بلدة أو نحو ذلك، بحسب بعض التقارير. وقد فشل بعضها منذ ذلك الحين، ولكن البعض الآخر مستمر. والجدير بالذكر، أن حالات الهدنة التي استمرت هي تلك التي أشرفت عليها إيران أو روسيا نيابة عن النظام.

وقال لانديس: "لا أعتقد أنك سترى صفقات [كبرى] في جنيف، لكنني أعتقد أنك ستراها على أرض الواقع. لقد حقق النظام مكاسب؛ والمعارضة لا تجد الدعم القوي لتحقيق الانتقال السريع للسلطة الذي كانت تتمتع به من قبل في المجتمع الدولي. وإذا لم تسمع المعارضة عبارة الأسد يجب أن يرحل، قد تكون أكثر استعداداً للقبول بهذه الصفقات".

خطوات صغيرة


إذا عُقدت أي محادثات، وتمت ترجمتها إلى أي نوع من التقدم، سواء على المستوى الدبلوماسي أو على الأرض، فإن دي ميستورا قد يشعر بأن شيئاً ما قد تحقق على الأقل.

وقد أعلن الدبلوماسي الإيطالي-السويدي المخضرم أنه يتوقع أن تستمر هذه المرحلة من المحادثات لبضعة أسابيع، مع امتداد عملية أكبر لنحو ستة أشهر.

وإذا تم تحقيق تقدم، فإنه سيكون بطيئاً للغاية. أما الآن، فإن المحادثات هي مجرد لعبة دبلوماسية.

"العملية برمتها مدفوعة أساساً من قبل الولايات المتحدة وروسيا، وحتى [هاتان الدولتان] ليستا متفقتين. إنهم جميعاً يدركون أن لا شيء من ما يحدث الآن سيحدد كيفية انتهاء المحادثات أو الحرب، لكنهم يحاولون الاستفادة من كل فرصة يمكن الحصول عليها،" كما أوضح لوند.

وهذا قد يعني كسب نقاط في مجال العلاقات العامة، وفرصة للالتقاء بمختلف المجموعات في محادثات القنوات الخلفية، أو في حالة المتمردين - أن يقولوا ما تريده المملكة العربية السعودية في مقابل مدهم بأسلحة أكثر وأفضل.

نظراً لعدم ترجيح حضور جماعة المعارضة الرئيسية، وعقد المحادثات في غرف منفصلة حتى إذا حضروا، فإن هذه لن تكون محادثات سلام حقيقية على الإطلاق. وفي الوقت الذي تستعد فيه جنيف لأحدث المناورات السياسية وعقد الصفقات من وراء الكواليس، يقترب عدد ضحايا الحرب المستمرة منذ حوالي خمس سنوات من 300,000 قتيل.

as/ag-ais/dvh"