ترحيب حار باللاجئين في آتشيه وسط بحر من البؤس

لا تستطيع نور يانه حبس دموعها عندما تتذكر مشهد وصول مئات اللاجئين، الذين يعانون من الهزال، إلى موطنها الأصلي في إقليم آتشيه بعد أن أنقذهم صيادو السمك المحليون متحدين بذلك قرار الحكومة بأن يتركوهم يهيمون في عرض البحر على غير هدى.

والوافدون الجدد هم من البنغال الذين هربوا من الفقر ومن الروهينجا الذين فروا من الاضطهاد في ميانمار. وبعد دفع الأموال إلى مهربي البشر من أجل نقلهم إلى ماليزيا، تبين أن الكثير من المُهربين يحتجزون المهاجرين كرهائن في مخيمات على طول الحدود بين تايلاند وماليزيا إلى أن تقوم أسرهم بدفع آلاف الدولارات.

وفي أوائل شهر مايو، شنت تايلاند حملة أمنية لمطاردة عصابات الاتجار في البشر واكتشفت مقابر بالقرب من السجون الموجودة في الغابة. لكن الحملة الأمنية خلقت أزمة في البحر حيث رفض المهربون الرسو على الشاطئ أو، في كثير من الحالات، هجروا القوارب، تاركين ضحاياهم يهيمون في البحر مع قليل من الطعام والماء. وهكذا، وجد آلاف اللاجئين أنفسهم في مراكز الطوارئ الإقليمية حيث رفضت دول مثل إندونيسيا وماليزيا وتايلاند قبولهم.

وأخيراً وافقت ماليزيا وإندونيسيا في 20 مايو على السماح للقوارب بالرسو على الشاطئ – ولكن لم يتم ذلك إلا بعد أن اختار صيادو آتشيه تجاهل سياسة حكومتهم وإنقاذ ما يقرب من 2,000 شخص.

ولم يستطع الكثيرون من أهالي آتشيه تجاهل محنة لاجئي القوارب، لأنهم سبق وأن ذاقوا هم أنفسهم مرارة اللجوء خلال سنوات الصراع الوحشي بين المتمردين الانفصاليين والجيش الإندونيسي، الذي لم يتوقف إلا عندما اجتاح المنطقة رعب جديد هو تسونامي 2004.

وقالت يانه: نحن أبناء آتشيه عانينا الكثير، ولهذا السبب فإننا نفهم محنة الروهينجا جيداً...لقد اختفى زوجي خلال الصراع، ولم نره مرة أخرى".

وقالت يانه أنها تقوم بإرسال بقايا الطعام من مطعمها إلى مخيم مجاور في كوالا لانجسا، وهو ميناء يعيش فيه حالياً 425 مهاجراً من بنجلاديش و231 لاجئاً من الروهينجا.

وأضافت: "إنني أشعر بأنهم جزء من عائلتنا، جزء من مجتمع آتشيه، لأنهم عانوا مثلما عانينا...لذا من الأفضل أن يبقوا هنا بشكل دائم".

وهذا الأمل يراود العديد من اللاجئين.

وقالت ريهاما، وهي سيدة من الروهينجا تبلغ من العمر 19 عاماً، لم تكشف سوى عن اسمها الأول: "هذا هو المكان الأكثر أماناً بالنسبة لنا".

وكانت ريهاما قد غادرت منزلها في مونغداو في غرب ميانمار بالقرب من الحدود مع بنجلاديش برفقة شقيقتها وابنتيها، على أمل أن تلتحق بزوجها في ماليزيا.

وفي مخيم آخر يسمى بايون يضم 340 لاجئاً من الروهينجا و92 لاجئاً من بنجلادش، قالت ريهاما: "الآن أود أن ينضم إلينا هنا في إندونيسيا".

ترحيب غير عادي

والترحيب الذي لمسه لاجئو القوارب في آتشيه لا مثيل له في أي مكان آخر في المنطقة.
وفي 14 مايو، اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش حكومات ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا بممارسة لعبة "البنج بونج" بالبشر في ظل رفض تلك الحكومات السماح للقوارب بالرسو بل وفي بعض الحالات دفعهم مرة أخرى إلى المياه الدولية. وبعد ضغوط دولية مكثفة، وافقت إندونيسيا وماليزيا أخيراً على توفير المأوى للاجئين -شريطة أن يتم توطينهم في أماكن أخرى في غضون عام واحد.

ولم يجد اللاجئون أي تعاطف في بلدانهم الأصلية.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن رئيسة وزراء بنجلاديش الشيخة حسينة وصفها للاجئين بأنهم "يعانون من أمراض عقلية" لتعريض حياتهم للخطر و"تشويه صورة البلاد" عن طريق الركوب في تلك القوارب.

وفي ميانمار ذات الأغلبية البوذية، يعيش نحو مليون من الروهينجا المسلمين تحت وطأة الفصل العنصري الفعلي في ظل تقييد حركتهم بشدة ومحدودية الوصول والحصول على الرعاية الصحية والتعليم. ولا يزال قرابة 140,000 شخص يعيشون في مخيمات بائسة ولا يستطيعون العودة إلى قراهم بعد أن أحرق الغوغاء من عرقية الراخين البوذيين منازلهم خلال أعمال العنف التي اندلعت في عام 2012، التي قُتل فيها أكثر من 200 شخص، معظمهم من الروهينجا.

ولكن في آتشيه، تم استقبال اللاجئين بحفل في يوم 29 مايو نظمه رافلي، المغني الشعبي المحلي الذي يستخدم مثل الكثير من الإندونيسيين اسمه الأول فقط. وقد تم تنظيم هذا الحدث لجمع التبرعات للاجئين، وكان هناك أيضاً حفل يطلق عليه Pemulia Jamee، وهو عبارة عن حفل تقليدي يُعقد في اتشيه لتكريم الضيوف، افتتح بالقرع على أكثر من 50 طبلاً من الطبول التقليدية.

ورافلي عضو أيضاً في مجلس الشيوخ، ويقول أنه سوف يستخدم نفوذه لمناصرة الروهينجا في العاصمة جاكرتا.

"وتعليقاً على هذا، قال رافلي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "أود حقاً أن يبقوا بشكل دائم في آتشيه ... لقد ضغطت على حاكم اتشيه في هذا الشأن وسوف أطرح القضية على رئيس مجلس الشيوخ".


مستقبل غامض

وبمجرد تحديد هويات اللاجئين البنغال من قبل موظفي السفارة - الذين زاروا المخيمات بالفعل – من المحتمل أن يتم ترحيلهم إلى وطنهم، أما اللاجئون الروهينجا فيبقى وضعهم غير مؤكد.

وجميع الروهينجا تقريباً في ميانمار هم عديمو الجنسية وذلك عقب عقود من التمييز الممنهج، بما في ذلك قانون 1982 الذي جرّد أكثرهم من جنسيتهم. وترفض الحكومة وكثير من الناس في ميانمار قبول مصطلح الروهينجا، بل يستخدمون بدلاً من ذلك كلمة "البنغال"، وهو مصطلح يشير إلى أنهم من المهاجرين من بنجلاديش على الرغم من أن العديد من الأسر قد عاشت في ميانمار لأجيال عدة.

وأطلقت حكومة ميانمار برنامج التحقق، الذي يهدف إلى منح الجنسية للروهينجا الذين يمكن أن يقدموا أدلة تؤهلهم لذلك. ولكن البرنامج لم يحرز نجاحاً يُذكر حتى الآن، ويواجه معارضة من داخل مجتمع الروهينجا وخارجه.

والجدير بالذكر أن القوميين الراخين البوذيين يعارضون هذا البرنامج لأنهم يعتبرون الروهينجا متطفلين من بنجلاديش، في حين يرفض العديد من الروهينجا المشاركة فيه لأنه يتطلب منهم أن يدرجوا هوياتهم تحت اسم "البنغال". بالإضافة إلى ذلك، فقد العديد من الروهينجا وثائق الهوية على مر السنين، إما لأنهم سلموها إلى السلطات أو لأنها دمرت خلال أعمال العنف عام 2012.

وهكذا، من المرجح أن يجد الروهينجا في إقليم آتشيه صعوبة في إثبات أنهم مؤهلون للحصول على الجنسية في ميانمار، وقد تستغرق عملية إعادة توطينهم في بلد ثالث سنوات عدة. في الوقت ذاته، لا يمكن أن يعيشوا في المخيمات بشكل دائم.

في مخيم بايون، تتقاسم ريهاما غرفة ضيقة تصل مساحتها قرابة 30 متراً مربعاً مع العشرات من النساء والأطفال. أما الرجال فيسكنون في خيام ضخمة تقع على بعد بضعة أمتار، بالكاد تحميهم من الرياح والأمطار. مع ذلك، تظل المخيمات المؤقتة أفضل حالاً من الرحلات المرعبة في البحر.

في السياق ذاته، قال محمد ادريس، وهو صياد يبلغ من العمر 25 عاماً من مونغداو، أنه احتجز لمدة ستة أشهر في سفينة مكتظة وتعرض للضرب بشكل منتظم من قبل تجار البشر الذين طالبوا والديه بفدية لا يستطيعون دفعها.

وعن هذا قال: "لم أكن أعرف أن الأمر سيكون هكذا. لو كنت أعلم، لمكثت في ميانمار ...نحن سعداء هنا، لأن أهل آتشيه يعاملوننا كأخوة لهم، لكننا ما زلنا قلقين على أسرنا في ميانمار".


csg/jf/ag-kab/dvh"