ما الذي يبطئ التعافي من إعصار هايان؟

بعد مرور عام واحد على أحد أكثر الأعاصير تدميراً في العالم الذي ضرب وسط الفلبين في نوفمبر الماضي، لا يزال الآلاف من الأشخاص غير قادرين على استئناف حياتهم، مع تعثر جهود إعادة التأهيل نتيجة للانقسامات السياسية والبيروقراطية، وفقاً للمسؤولين والناجين.

ففي قرية باسبر التي تعد بؤرة العاصفة من حيث عدد الوفيات، نصبت الصلبان الخشبية البيضاء في مقبرة جماعية لنحو 3,000 ضحية، وهو ما يقرب من نصف العدد الرسمي الكلي للقتلى (6,300)؛ وما زال الآلاف غيرهم في عداد المفقودين.

وبينما لم يتم تحديد هوية أصحاب الجثث حتى الآن، قام الناجون ممن لهم أقارب مفقودين بوضع صلبان كتب عليها أسماء موتاهم بشكل عشوائي، في طقوس محزنة تعبر عن القبول بالواقع.

وقالت إزميرالدا إغناسيو البالغة من العمر 68 عاماً بينما كانت تقوم هي وابنة أختها، لينيت دي لا كروز، بتفحّص الصلبان: "لم يتم إجراء اختبار الحمض النووي وكل ما قاموا به هو مجرد إحضار جثثهم إلى هنا. ولكن على الأقل لديهم الآن مسكن دائم. وهذا يعطينا شعوراً بالارتياح لعلمنا أنه كلما أردنا زيارتهم فهناك مكان يمكننا الذهاب إليه.

فقبل عام تقريباً، دعت عائلات الضحايا للتحقق من الحمض النووي، بينما ناشد المسؤولون إعطاءهم مزيداً من الوقت.

وقالت إغناسيو عن جهود إعادة التأهيل الحكومية وسعي عائلتها لاستلام جثث أقاربها: "لقد كانت عملية بطيئة جداً، ومن الصعب جداً العودة إلى سير الحياة الطبيعية عندما لا تتمكن من توفير مراسم الدفن المناسبة التي يستحقها موتاك".

وأضافت قائلة: "لقد ذهبنا إلى مبنى البلدية، ولكن لم يتمكن أحد من إخبارنا أين يمكننا الحصول على هذه الوثائق. يبدو أن لا أحد يعرف ما الذي يجب القيام به".

وقالت أن الأسرة قد استسلمت للأمر الواقع وأنها قد لا تجد جثث الضحايا على الإطلاق. ولكن هذا أيضاً يطرح مشكلة. فمن دون جثة، لا يمكن إصدار شهادات وفاة، وهي وثيقة ضرورية للمطالبة بالاستحقاقات القانونية، بما في ذلك التأمين، وغيرها من المطالبات.

مساعدات متضائلة

وفي الجانب الآخر من المدينة، تجمع ليتا با أطفالها الخمسة داخل خيمة لتناول وجبة سريعة من السردين والأرز، وهي آخر وجبة من الحصص الغذائية التي تلقتها الأسرة هذا الشهر. فقد بدأت المساعدات في النفاد، وحتى لو أرادت العمل، فإنها لن تستطيع ذلك.

وتعيش أسرة با مثلها مثل المئات من الأسر التي لا تزال تعيش في الخيام في قرية بايباي الساحلية. وقد حصلت على وعود بإعادة الإسكان ضمن برنامج الحكومة "إعادة البناء بشكل أفضل"، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن.

وقالت با: "السؤال الكبير الذي لا يستطيع أحد أن يعطينا جواباً له هو: متى؟"

فوفقاً للأرقام الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تم تمويل جهود الإغاثة الطارئة العامة للإعصار بنسبة 60 بالمائة بحلول نهاية أكتوبر، مع وجود عجز بقيمة 92 مليون دولار في قطاع المأوى الطارئ و50 مليون دولار في قطاع "الأمن الغذائي".

وقد سارعت وكالات الإغاثة في إعطاء هذا المجتمع الذي يعتمد على صيد الأسماك القوارب حتى يتمكن أفراده من استئناف سبل معيشتهم، ولكن الخليج المحلي في تاكلوبان لا يزال يعج بأطنان من الحطام المتناثر الذي دمر مناطق الصيد الغنية بالأسماك. ولا يستطيع الرجال الصيد بعيداً في البحر المفتوح بقواربهم الصغيرة، التي يقبع كثير منها على الشاطئ ويدعوها الصيادون مازحين "مراكب الشمس" حيث تجف تحت أشعة الشمس.

والجدير بالذكر أن إعصار هايان قد ضرب الفلبين في 8 نوفمبر من العام الماضي، حيث بلغت سرعة رياحه المدمرة في ذروتها 300 كيلومتراً في الساعة. وقد خلّف آلاف القتلى وشرد ما يقرب من مليون شخص، وذلك وفقاً للبيانات الحكومية. وقد اجتاحت العاصفة جزر الفلبين الوسطى قادمة من المحيط الهادي، وشقت طريقها مخلّفة رقعة من الدمار في 171 منطقة بلدية (من أصل حوالي 1,500 بلدية في البلاد)، وضربت اليابسة أربع مرات.

وكانت أكثر المناطق تضرراً منطقة تاكلوبان ومحيطها في مقاطعة ليتي، وهي مدينة ساحلية بلغ عدد سكانها 250,000 شخص قبل وقوع الكارثة. وقد تضرر نحو 90 بالمائة من المقاطعة عندما ابتلعت موجات ضخمة القرى واقتلعت الرياح القوية المنازل ورمتها بعيداً.

أكثر من 25,000 شخص لا زالوا في الخيام والبيوت المؤقتة

وبعد سنة واحدة على العاصفة، تقول إحصاءات الحكومة والأمم المتحدة إنه لا زال ما لا يقل عن 25,000 شخص يعيشون في خيام وبيوت مؤقتة. ويقول المراقبون أنه في حين كانت الاستجابة سريعة لحالة الطوارئ، إلا أن البيروقراطية والتسييس تسببا في إبطاء عملية إعادة الإعمار وإعادة التأهيل.

من جهته، قال رئيس بلدية تاكلوبان ألفريد روموالديز في حديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لم يتم استكمال بناء سوى حوالي 100 منزل دائم من أصل 14,500 وعدنا بها. فالحكومة يمكنها أن تعمل فقط من خلال الموارد المتوفرة لديها، ويجب أن نفهم أن هذه جهود إعادة تأهيل وتعافي هائلة".

وأضاف أن "الأمر الآن يتعلق بالمأوى في المقام الأول. وهذه المسألة تبقى المشكلة الرئيسية هنا،" موضحاً أن بلدة جديدة للمتضررين يجري بناؤها في موقع أبعد عن الشاطئ في مدينته، ولكن ذلك يواجه بعض المقاومة من الناجين خوفاً من عدم وجود فرص عمل بعيداً عن المدينة.

وأوضح قائلاً: "اننا نتكيف مع الوضع الجديد هنا وعلى الناس أن يفهموا أن الوضع فريد من نوعه. نحن نقوم بإعادة توطين الناس لأننا نريد إنقاذ حياتهم. الناس يعارضون التغيير، ولكن هذا هو توجهنا".

واتهم روموالديز علناً حكومة الرئيس بنينو أكينو بإهمال مدينته على حساب السياسة. فرئيس البلدية ورئيس الدولة يتحدرّان من عائلات سياسية متنافسة.

وأضاف روموالديز: "يكمن عنق الزجاجة في الموارد، ومحاولة إقناع هذه الوكالات [الحكومة] ببدء تنفيذ المشاريع المحددة".

وقال أن المنظمات غير الحكومية الدولية هي التي ساعدت الناس بشكل أكبر. فحتى الأول من أغسطس، تم الإبلاغ عن تنفيذ ما يقرب من 1,300 مشروع من مشاريع القطاع الخاص/المنظمات غير الحكومية إلى مكتب مساعد رئيس الجمهورية لشؤون التأهيل والتعافي (OPARR).

وقد وقّع الرئيس أكينو، في أواخر شهر أكتوبر، خطة إعادة التأهيل والتعافي الرئيسية التي تبلغ قيمتها 3.73 مليار دولار وتحتوي على 8,000 صفحة ضمن ثمانية مجلدات والتي تم عرضها عليه في أوائل أغسطس، وجاء هذا التوقيع قبل ما يقرب من أسبوع واحد على الذكرى السنوية الأولى للكارثة.

وتدعو الخطة، إلى جانب أمور عديدة، إلى بناء ما يقرب من 200,000 منزل قادر على مقاومة العواصف التي تبلغ سرعتها ما يصل إلى 250 كيلومتر في الساعة، وإعادة تأهيل أنظمة الري المدمرة والطرق والجسور والمطارات والموانئ.

وقال متحدث باسم مكتب مساعد رئيس الجمهورية لشؤون التأهيل والتعافي في أواخر شهر أكتوبر أنه قد تم بناء حوالي واحد بالمائة من تلك المنازل فقط، بالرغم من إصدار الحكومة لمبلغ 1.15 مليار دولار بشكل مبدئي من أموال إعادة الإعمار.

وعند العودة إلى منزل مؤقت في بالو، على مشارف تاكلوبان يسيطر على المكان اليأس الخانق حاله كحال الرطوبة. فالخيام والسقوف تسرب المياه، وكثيراً ما يلجأ الرجال العاطلون عن العمل إلى شرب الكحوليات لتمرير الوقت، مما يؤدى إلى حالة من الفوضى والشجار.

وقالت إيما زوريتا، وهي أم لستة أبناء تبلغ 52 عاماً: "الحياة هنا صعبة جداً. هناك مشكلة في نظام الصرف الصحي، لذا فهو يفيض باستمرار. ونحن قلقون من أن يسبب لنا هذا المكان الأمراض". وكانت إيما تعمل معلمة لتدريب الصوت ولكنها الآن توجهت للعمل في البستنة لكسب بعض الدخل.

"عليك أن تفعل ما بوسعك للبقاء على قيد الحياة. لا يمكنك انتظار المساعدات طوال الوقت".

aag/pt/cb-aha/dvh