النساء: ضحايا للصراع أم عوامل للتغيير؟

تعتبر المرأة أكبر ضحايا الكوارث الطبيعية والصراعات، مع ذلك فإنها أيضاً الأوسع حيلة وبالتالي يتعين على وكالات الإغاثة بذل المزيد من الجهد لتطوير النساء كعوامل للتغيير والتنمية.

هذه هي الرسالة المستخلصة من معرض ومؤتمر دبي الدولي للإغاثة والتطوير (ديهاد) هذا العام الذي جمع المئات من ممثلي وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والوكالات المانحة والمنظمات الإقليمية وجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في الفترة من 25 إلى 27 مارس لمناقشة موضوع المرأة والإغاثة.

وقد تم تسليط الضوء أيضاً على أهمية إعطاء المرأة قوة صنع القرار الحقيقية وأدوار القيادة، فضلاً عن الحاجة إلى دعم سياسات المساواة بين الجنسين بالتمويل الكافي الذي يتيح التنفيذ الفعلي بدلاً من مجرد التزامات على الورق.

وقالت ارثارين كازين، المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، في كلمتها أمام الوفود أن "النساء غالباً ما يتحملن تبعات [الأزمات] - سواء كانت جسدية أو نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية".

وانتشار استخدام الاغتصاب كسلاح في الحرب هو أحد الأدلة على أنه غالباً ما يتم استهداف النساء في الصراعات.

وفي حالات الكوارث الطبيعية أيضاً تكون النساء والأطفال عرضة للوفاة 14 مرة أكثر من الرجال، وفقاً لبحث أكاديمي. وذكرت منظمة أوكسفام أن تسونامي المحيط الذي ضرب آسيا في عام 2004 أسفر عن مقتل عدد من النساء يساوي أربعة أضعاف الضحايا من الرجال.

وغالباً ما يرتبط هذا بضعف النساء الكامن في العديد من المجتمعات والنزعات النسائية لرعاية الأطفال والمسنين.

"لقد حان الوقت لكسر الصمت الذي يضر المرأة المنسية في الأماكن المنسية،" كما قالت كازين، مضيفة أنه "يمكننا أن نفعل ذلك من خلال الاستماع إلى أصوات النساء بنشاط، والاعتراف بالتحديات التي يواجهنها، والاهتمام بقدراتهن فضلاً عن احتياجاتهن".

وتجدر الإشارة إلى أن الاحتياجات الخاصة بالمرأة في الأزمات تتراوح بين الحماية من الاعتداء الجنسي والدعم للعب أدوار جديدة باعتبارها ربة أسرة.

"المرأة لها احتياجات مختلفة وفريدة من نوعها، وأحياناً وجهة نظر مختلفة بشكل ملحوظ بشأن كيفية التوجه نحو تلبية تلك الاحتياجات،" كما أفادت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التنمية والتعاون الدولي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وأضافت الشيخة لبنى التي كانت أول امرأة تشغل منصب وزيرة في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، أنه بدلاً من رؤية النساء فقط كضحايا أو مستفيدات من الإغاثة، "نحن بحاجة إلى أن ننظر أبعد من ذلك ونراهن كعوامل للتغيير، وكوسطاء للسلام وكموصلات للمساعدات".

من جانبها، حذرت ماريا تيريزا غاريدو، مستشارة النساء والحرب في اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، أيضاً من القولبة النمطية البسيطة للقضايا الجنسانية.

وأضافت أن "المرأة تقترن بالسلام، والحنان... بينما يقترن الرجال بالحرب والعدوانية والعنف... ولكن هذه الصورة ليست إلا صورة جزئية ... تحد هذه المفاهيم الخاطئة حقاً من الطريقة التي نعبر بها عن أنفسنا للرجال والنساء، وطريقة نظرتنا إليهم، وطريقة عملنا معهم. المرأة ليست ضحية فقط... بل هي أيضاً من عوامل إعادة إعمار والمضي قدماً وإيجاد حل لأوضاعها".

من جهتها، ترى كلير ميلاميد، رئيسة برنامج النمو والفقر وعدم المساواة في معهد التنمية الخارجية، أن النساء في كثير من الأحيان يتبعن استراتيجيات بقاء أفضل من الرجال. وفي مداخلة على مدونة في شهر يناير الماضي، وصفت الحجة القائلة بأن "النساء هن دائماً الضحايا الأكثر عجزاً وضعفاً أثناء الكوارث" بأنها أسطورة.

المساواة بين الجنسين ليست مجرد حق من حقوق الإنسان

وهناك العديد من الأسباب للتغاضي عن احتياجات وأصوات النساء في كثير من الأحيان، إذ تعتبر بعض منظمات الإغاثة نفسها "مشغولة للغاية" في حالة الطوارئ إلى درجة تمنعها من تلبية الاحتياجات المحددة للمرأة. ويرى البعض أن مسألة المساواة بين الجنسين من قضايا التنمية الطويلة الأمد، بينما يقول البعض الآخر أن المنظمات المختصة بشؤون المرأة لديها بالفعل الولاية اللازمة للتعامل مع قضايا المساواة بين الجنسين. وأشارت كازين أيضاً إلى أن الرجال يتولون قيادة جزء كبير من العمل في مجال المساعدات الإنسانية.

ولكن المشاركين قالوا أن المساواة بين الجنسين ليست مجرد مسألة إنصاف، بل تتعلق بزيادة فرص النساء والفتيات في البقاء على قيد الحياة خلال لحظات الأزمة. وعلى هذا النحو، ترى كازين أن "المساواة بين الجنسين مسؤولية الجميع".

كما ركز العديد من المشاركين على دور النساء في التصدي لانعدام الأمن الغذائي، مشيرين إلى مكانتهن الهامة كأهم مقدمي الرعاية، وفي كثير من سيناريوهات الصراع، كربات أسر.

وأوضحت منى شيا، نائبة منسق الهدف الاستراتيجي لبناء القدرة على الصمود في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)
"المرأة هي مفتاح الأمن الغذائي لأن تأثيرها على سبل معيشة الأسرة ضخم".

وفي السياق نفسه، أشارت الأميرة هيا بنت الحسين سفيرة الأمم المتحدة للسلام إلى أن 6 من أصل كل 10 مزارعين في آسيا من النساء، مع ذلك فإن "سياسات الإغاثة قد أهملت النساء كمنتجات للغذاء منذ فترة طويلة".

وضربت شيا مثلاً بالمشروع الذي تدعمه منظمة الأغذية والزراعة في تشاد، حيث تم منح النساء الموارد اللازمة لتحسين المحصول الزراعي، مؤكدة أن "المساواة بين الجنسين ليست قضية قائمة بذاتها، بل هي جزء لا يتجزأ من أعمال التنمية ... إنها أداة للتنمية الزراعية والأمن الغذائي والتغذوي في أوقات السلام وكذلك في حالات الكوارث".

التعميم

ومن حسن الحظ أن السياسات التي تستهدف المساواة بين الجنسين تصبح على نحو متزايد جزءاً من البرمجة اليومية، وهذه نقطة شددت عليها كريستالينا جورجيفا، المفوضة الأوروبية للتعاون الدولي والإغاثة الإنسانية والاستجابة للأزمات.


لا يزال الطريق أمامنا طويلاً لضمان أن الاستجابات الإنسانية تعكس تماماً قدرات وموارد واحتياجات المرأة

وقالت: "في أوروبا، يسير التزامنا تجاه النساء والتزامنا بتقديم المساعدة معاً... نحن نأخذ قضية فهم احتياجات النساء على محمل الجد".

وقد تبنى المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية (ECHO)، وهو ذراع المساعدات الإنسانية التابع للمفوضية الأوروبية، مؤخراً سياسة جديدة ترتكز إلى ثلاثة أركان بشأن المساواة بين الجنسين في التدخلات الإنسانية، وهي تتضمن تعميم الوعي بمراعاة المنظور الجنساني في جميع البرامج، والإجراءات التي تستهدف النساء وبناء القدرات.

ومن الناحية العملية، يشمل ذلك كل شيء من التخطيط لكيفية تثبيت الإضاءة في مخيمات اللاجئين إلى التحويلات النقدية التي تستهدف النساء على وجه التحديد، فضلاً عن سبل بناء القدرات بين الشركاء حول قضايا المساواة بين الجنسين، وبين النساء حتى يتمكن من مساعدة أنفسهن على نحو أفضل.

وقد قامت المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، على سبيل المثال، بتدريب النساء في المناطق الريفية بحيث يمكنهن بعد ذلك إنشاء آليات محلية للحد من مخاطر الكوارث مصممة خصيصاً لمجتمعاتهن.

كما تفرض وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة شرطاً بأن تأخذ جميع التدخلات الإنمائية والإنسانية التابعة لها - من مرحلة الصياغة إلى التقييم والرصد - المساواة بين الجنسين بعين الاعتبار.

وتتخذ جهات أخرى خطوات أيضاً لتعميم برامج المساواة بين الجنسين. ويعتبر مؤشر المساواة بين الجنسين الذي استخدمته اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات (IASC) بشكل تجريبي لأول مرة في عام 2009، هو الأداة التي توضح على مقياس ما إذا كان المشروع الإنساني مصمماً بشكل جيد بما فيه الكفاية لضمان استفادة كلا الجنسين منه بنفس القدر.

الوفاء بالوعود

وأكدت جورجيفا على أهمية "القيادة عن طريق القدوة"، وقالت: "نحن بحاجة إلى أن نرى المزيد والمزيد من النساء في الميدان... لا نريد فقط تقديم الوعود، ولكن أيضاً الوفاء بها".

وشدد المتحدثون على أهمية وجود موظفات على جميع المستويات في المنظمات، من القيادة إلى العدادين الذين يقومون بإجراء الاستبيانات مع المتضررين.

وأضافوا أنه لا بد من بذل جهد خاص أيضاً لضمان المشاركة الكاملة للمرأة في تخطيط الاستجابات الإنسانية لأن النساء هن الأدرى باحتياجات مجتمعاتهن في كثير من الأحيان.

"لا أعتقد أننا نستطيع أن نستبعد المرأة من عمليات صنع القرار والتعلم والتصميم وإعداد الميزانية، أو من أي من تلك الخطوات، لأننا إذا فعلنا ذلك، سنفقد 50 بالمائة من وجهة النظر، و50 بالمائة من الأفكار، ولا نصل بالضرورة إلى حلول عملية،" كما أشارت فرح كبير، المديرة التنفيذية لمنظمة أكشن ايد (ActionAid) في بنجلاديش.


مع ذلك، يجب أن يتم هذا بحذر وبمشاركة متزامنة من الرجال، وإلا فإن إعطاء المرأة سلطة في مجال توزيع المساعدات يمكن في الواقع أن يؤدي إلى زيادة العنف ضدهن، كما حذرت ويندي فنتون، منسقة شبكة الممارسة الإنسانية التابعة لمعهد التنمية الخارجية.

التمويل

وبالإضافة إلى منح النساء أدواراً قيادية ذات مغزى، فإن التمويل المستمر مطلوب أيضاً.

من جانبها، قالت منى أبو سليمان، الأمين العام المؤسس لمؤسسة الوليد بن طلال السعودية، وهي الآن سفيرة النوايا الحسنة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: "الجميع يتحدثون عن تمكين المرأة، ومؤشرات المساواة بين الجنسين، ومساعدة النساء... وفي السنوات الأخيرة، طرأت زيادة في الاهتمام بالنساء والفتيات كعوامل للتغيير، وهناك التزامات بشأن المساواة بين الجنسين، ولكن هذا الاهتمام لم يترجم إلى تمويل المنظمات النسائية وتغيير فعلي على نطاق واسع".

وأضافت أن التمويل غالباً ما يكون مفتتاً ويتم منحه في صورة مبالغ صغيرة. وتكافح العديد من المنظمات من أجل البقاء نظراً لطبيعة تمويلها القصير الأجل، وحتى المنظمات النسائية العريقة ذات النماذج المبتكرة غير قادرة على توسيع نطاق أنشطتها. وقد أبرزت الدراسات أيضاً الحاجة إلى تمويل أكثر قدرة على التكيف في حالات الطوارئ المعقدة، وتوفير المرونة اللازمة لتلبية احتياجات المرأة.

وحثت أبو سليمان، التي تعتبر شخصية إعلامية مؤثرة في المملكة العربية السعودية، حكومات الشرق الأوسط على توجيه "مساعداتها الخارجية السخية جداً وعملها التنموي" نحو "القضايا والمنظمات النسائية".

ولكن موكيش كابيلا، وهو أستاذ في معهد الاستجابة الإنسانية والصراعات التابع لجامعة مانشستر، سارع إلى التحذير من أن تمويل برامج المرأة وتعيين النساء في المناصب القيادية لن يكون كافياً طالما أن الهياكل المجتمعية التي تروج لضعف المرأة لا تزال دون تغيير.

وفي إحدى المحاولات للتصدي لذلك، قامت المنظمة الدولية للهجرة بتدريب الشرطة على أن تكون أكثر قدرة على وقف الاتجار بالنساء.

مع ذلك، قالت كازين: "على الرغم من الاهتمام الأكبر الذي أوليناه لقضايا المساواة بين الجنسين على مدار السنوات الـ15 الماضية، لا يزال الطريق أمامنا طويلاً لضمان أن الاستجابات الإنسانية تعكس تماماً قدرات وموارد واحتياجات المرأة".

lr/ha/cb-ais/dvh