المهاجرون في اليمن: حرمان ويأس وطريق مسدود

يدير نحو 1,000 مهاجر إثيوبي، يتصببون عرقاً في صيف قائظ حيث تقترب درجة الحرارة من الخمسين، ظهورهم إلى المملكة العربية السعودية ويتجهون سيراً على الأقدام صوب الجنوب، بعيداً عن مدينة حرض اليمنية الحدودية وبعيداً عن أحلامهم في حياة جديدة.

على الطريق يمرون على مهاجرين آخرين متجهين إلى الشمال، ممن لا يزال يحدوهم الأمل لعبور الحدود. فمدينة حرض هي مفترق الطرق لهذه الأحلام وبوابة محتملة لحياة جديدة في المملكة العربية السعودية، إلا أن الوصول إليها يتزايد صعوبة يوماً بعد الآخر.

فلكي يصلوا إليها، يتكبد المهاجرون مشقة بالغة وغالباً ما يضطرون للاقتراض لتدبير النفقات اللازمة للرحلة ويسيرون لأسابيع للوصول إلى الساحل الشرقي لأفريقيا ثم يعبرون البحر الأحمر الذي تنتشر فيه أسماك القرش.

وبعد هذا العناء، يتعرض الآلاف من هؤلاء المهاجرين للاختطاف والتعذيب على يد المهربين في اليمن الذين يسعون للحصول على فدية مقابل إطلاق سراحهم.

وعقب ذلك، يصلون إلى ما يُعد بالنسبة للكثيرين نهاية الطريق ونهاية الأحلام: بلدة متربة ترزح تحت وطأة الفقر، تقع على بعد 10 كيلومترات من الحدود السعودية التي يصعب اختراقها على نحو متزايد.

 

"هناك شعوراً عاماً بالاكتئاب. فهؤلاء يأتون وهم مفعمون بالأمل. ويواصل بعضهم المحاولة لأنهم مدينون بالكثير من المال،" فاطمة عبده، أطباء بلا حدود

وتعليقاً على هذا الوضع، قالت فاطمة عبدو، وهي طبيبة نفسية تعمل مع منظمة أطباء بلا حدود،  لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هناك شعوراً عاماً بالاكتئاب. فهؤلاء يأتون وهم مفعمون بالأمل. ويواصل بعضهم المحاولة لأنهم مدينون بالكثير من المال".

ووصفت الشهادات التي سمعتها من هؤلاء الذين تم اختطاهم من قبل المهربين بأنها "تعذيب لا يمكن تخيله".

وأضافت قائلة: "بعضهم يُدمر تماماً. وبعضهم الآخر يُنهك من محاولة التعايش مع الوضع. الأمر يعتمد على قوة تحمل الشخص. فبعضهم يتعافى عندما يجد طعاماً ومكاناً للنوم. الإثيوبيون شعب قوي، لكن بعضهم يصاب بالجنون من وهل ما يتعرض له".

وقد تضاعفت أعداد القادمين في اليمن من القرن الأفريقي في السنوات الثلاث الأخيرة، من 53,382 في عام 2010 إلى 107,532 في عام 2012. ويشكل الإثيوبيون غالبية القادمين، حيث ارتفعت نسبتهم من 64 بالمائة في عام 2010 إلى 78 بالمائة في العام الماضي.

الجدار

وقال أحد العاملين في مجال المعونة طلب عدم ذكر اسمه أن "السعوديين شددوا الإجراءات الأمنية. ورغم أن الحدود لم تغلق، إلا أن محاولة التسلل أصبحت أكثر صعوبة". وأضاف قائلاً: "نرى المهاجرين وهم عالقون على الحدود. يمشون مسافات مضنية حتى يصلون إلى الحدود من جهة مدينة حرض. إنه مكان مرعب. لا شيء هناك. يجاهدون حتى يصلوا إلى الحدود ثم يعودون ويعلقون هناك".

وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت المملكة العربية السعودية عن خطط لاستئناف بناء جدار ارتفاعه 3 أمتار على طول حدودها التي تصل إلى 1,800 كيلومتر مع اليمن. وقد بدأ العمل في هذا المشروع المثير للجدل في عام 2003، ولكن تم تعليقه بعد ذلك بعام. وفي عام 2008 تم بناء جدار على طول المنطقة الساحلية المحيطة بمدينة حرض حيث يتركز جزء كبير من عمليات تهريب الأشخاص والمخدرات والأسلحة عبر الحدود. وإضافة إلى الجدار، قامت السلطات السعودية أيضاً بتطهير المناطق الحدودية من المستوطنات، وتستخدم الأضواء الكاشفة وكاميرات الكشف الحراري في محاولة لوقف المهربين الذين يكونون في الغالب مدججين بالسلاح.

أزمة متنامية

وقد أدت هذه القيود إلى تراكم الضغط في مدينة حرض التابعة لمحافظة حجة حيث  ينتشر الفقر. وتوفر المحافظة، التي تعتمد على العلاقات الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية، بالفعل الدعم لأكثر من 100,000 نازح داخلياً فروا من محافظة صعدة المجاورة بعد انتفاضة الحوثيين عام 2004 والنزاعات اللاحقة لذلك. وتعتمد بعض أسر النازحين داخلياً في مخيمات المزرق التي تقع على مسافة قصيرة بالسيارة من مدينة حرض، على أسر في السعودية، لكن السكان يشتكون من أن القيود الحدودية قذفت بهم إلى دائرة الفقر.

وفي هذا الإطار، قال صالح حسن، أحد سكان المخيم: "لقد اعتدنا العمل في قطاع البناء في السعودية ولكن نتيجة لهذا الجدار تم القاء القبض على الكثير من اليمنيين وسجنهم هناك. والآن يوجد على الجدار كاميرات فيديو ومدافع رشاشة تمنعنا من العبور".

إضافة إلى ما سبق، هددت التغييرات الأخيرة التي أُجريت على قوانين العمل في السعودية عشرات الآلاف من اليمنيين بالطرد، وهو ما من شأنه أن يفاقم الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها اليمن عقب عامين من اضطرابات الربيع العربي. وتفيد تقارير صحفية نقلاً عن مسؤولين حكوميين الأسبوع الماضي بأن السلطات السعودية قامت بترحيل 53,000 يمني منذ بداية شهر يونيو، ومن المتوقع أن يتم ترحيل عشرات الآلاف غيرهم في الأيام المقبلة. 

ويقول قادة المجتمع في حرض أن القيود الجديدة أدت إلى تراجع كبير في النشاط الاقتصادي، ما زاد من الصعوبات التي تواجهها المدينة في دعم عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة.

وفي هذا الصدد، قال الشيخ حمود حيدر، رئيس المجلس المحلي لمدينة حرض لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نخاف على المهاجرين من التعذيب الذي يتعرضون له كثيراً، ونخشى منهم أيضاً وذلك لأنهم يتسببون في مشكلات لنا الآن في ظل وجود هذا الجدار".

وأضاف بقوله: "نخاف منهم لأنهم جياع. و'الرجل الجائع رجل غاضب'"

والجدير بالذكر أنه قد تم إطلاق سراح حوالي 2,000 من المهاجرين حول مدينة حرض خلال الأشهر الأخيرة وذلك في أعقاب الحملات الأمنية التي شنها الجيش على ساحات التهريب لتحريرهم من الأسر. لكن عمليات الترحيل من السعودية دفعت المهاجرين الأفارقة أيضاً إلى مدينة حرض، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 40 بالمائة من 3,000 مهاجر يستخدمون "مركز حماية المهاجرين" التابع للمنظمة الدولية للهجرة  في حرض، قد أتوا من المملكة العربية السعودية. 

وتعليقاً على هذه النقطة، قال إسماعيل ولد شيخ أحمد، منسق الشؤون الإنسانية في اليمن: "لا شك أنه من حق أي دولة إغلاق حدودها في وجه العمليات السرية. لكن أصبح لدينا اليوم 25,000 شخص محاصرين في المنطقة الحدودية". وأضاف قائلاً: "كل مرة تكون هناك عملية عسكرية، نكتشف أن ما بين 500 إلى 700 ممن كانوا في هذا المخيم أو ذاك يخضعون لسيطرة أولئك الذين يتاجرون في البشر ويسيؤون معاملتهم. وبالتالي فإن العدد في ازدياد واليمن لا تستطيع اليوم استيعاب 25,000 مهاجر".

عمليات العودة

وقد جاءت الزيادة في الطلب على خدمات العودة في مدينة حرض هذا العام في الوقت غير المناسب بالنسبة لإمدادات خدمات الإغاثة الإنسانية، التي تم تخفيضها بسبب عجز التمويل.

وقد علقت المنظمة الدولية للهجرة رحلات العودة على نطاق واسع في سبتمبر 2012، كما تم تخفيض إمدادات برنامج الأغذية العالمي من الوجبات الساخنة لقرابة 3,000 مهاجر في مركز المنظمة بشكل مؤقت في شهر يناير بنحو 90 بالمائة، لكن تم استئناف هذه الإمدادات حالياً.

وتعمل منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة مع منظمة "انترسوس" الإيطالية غير الحكومية والحكومة اليمنية لتوفير دعم مؤقت إلى مركز حماية الطفل في حرض، حيث التقت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) مع 50 طفلاً إثيوبياً ممن يستعدون للعودة إلى بلادهم جواً.

وقال سعيد عمر يوسف، 16 عاماً: "لقد تعرضنا للضرب والتعذيب على يد رجال مسلحين عندما وصلنا إلى اليمن. ورغم أننا نجونا ووصلنا إلى السعودية، إلا أنه قد تم القبض علينا". وأضاف: "عقب قضاء ليلة في السجن و12 ليلة في مكان آخر، تم ترحيلنا إلى اليمن".

وأفاد جميع الأطفال أنهم يتطلعون إلى العودة إلى إثيوبيا. وقد تم استئناف عملية التسجيل الأولية لرحلات العودة إلى إثيوبيا في المركز التابع للمنظمة الدولية للهجرة في حرض في نهاية شهر مايو. ومنذ مطلع شهر يونيو، عاد 633 مهاجراً إلى بلادهم طوعاً، وقد أعطيت أولوية المقاعد للفئات الأكثر ضعفاً.

الصحة

وتتركز عمليات المنظمة الدولية للهجرة في حرض على مركز المهاجرين، الذي تم إنشاؤه في أكتوبر 2010. وقد عاد  نحو 10,000 مهاجر بشكل طوعي منذ ذلك الوقت، وتمت معالجة 52,000 في المركز الصحي، حيث يتم التعامل مع ما بين 100 إلى 150 حالة يومياً وذلك بحسب الموسم.

وقال فضل منصور علي، وهو طبيب يعمل مع المنظمة الدولية للهجرة في المركز: "الأعداد في تزايد. والعديد من الحالات التي نراها مصابة بأمراض معدية وبالإسهال، كما أن مناعتهم ضعيفة جداً بسبب سوء التغذية". وأضاف أن عدداً كبيراً منهم مصابون بالملاريا وغيرها من الأمراض الطفيلية، بالإضافة إلى الاكتئاب والقلق.  

القادمون الجدد إلى اليمن

الإثيوبيون

إجمالي القادمين

العام

34,422

53,382

2010

75,651

103,154

2011

84,376

107,532

2012

35,240

42,137

*2013

*حتى 31 مايو 

المصدر: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

ولا يتعافى الجميع. وعلى الرغم من أن الطاقة الاستيعابية للمشرحة في حرض هي 17 جثة فقط، إلا أنه يتم حفظ نحو 50 جثة جميعها تقريباً لمهاجرين لم يتم التعرف عليهم. يضاف إلى ذلك أن التيار الكهربائي غير منتظم، والمولد الكهربائي الوحيد يتعطل كثيراً، ما يؤدي إلى انتشار رائحة فظيعة بالمشرحة.  

ويتقاسم كوروم أسمرو نوقاسا من منطقة تيجري في شمال إثيوبيا سريراً واحداً مع مريض آخر داخل الغرفة الصغيرة التي تشكل الجزء الرئيسي من عيادة المنظمة الدولية للهجرة.

وعقب أربعة أشهر في حرض، قال أنه مستعد للعودة إلى وطنه: "أريد العودة في أسرع وقت ممكن لأنني أدركت أنه من الصعب جداً العبور، وعندما أعود إلى وطني ربما أجد وظيفة لإعالة أسرتي. يرغب معظم المهاجرين هنا الآن في العودة إلى الوطن". واستطرد قائلاً: "سأحكي للناس قصتي. المهربون يتقاضون أموالاً فقط ولا يمكن الوثوق بهم. ومع ذلك، من الصعب للغاية على الناس أن يقولوا أنهم فشلوا".

تصورات متغيرة

كما أن هناك إدراكاً واسع النطاق بأن معالجة موضوع الهجرة من المنبع يمكن أن يساعد فعلاً في الحد من المعاناة.

وفي هذا قال الشيخ حيدر، رئيس المجلس المحلي لمدينة حرض: "تتحدث المنظمة الدولية للهجرة عن مساعدة 500 شخص في العودة إلى بلادهم ولكن عندما تفعل ذلك سيكون قد وصل إلى هنا 2,000 شخص غيرهم". وأضاف قائلاً: "أنا مستعد للذهاب إلى إثيوبيا وجيبوتي لكي أشرح للناس مدى صعوبة الهجرة لأن الصورة السائدة هناك الآن هي أنه بإمكان المرء الذهاب إلى السعودية، حيث يمكنه الحصول على آلاف الدولارات والعمل في الوظائف التي يحلمون بها".

وتشير اللقاءات التي أجريت مع المهاجرين في حرض إلى أن الكثير منهم يرون أنهم سيواجهون صعوبة من الناحية الاجتماعية في تبرير عدم نجاحهم، وهذا يعني أن الآلاف سيواصلون عبور الحدود إلى اليمن دون تقدير كاف للمخاطر والصعوبات التي تنطوي عليها هذه العملية.

وقال ولد شيخ أحمد: "تكمن المشكلة في عدم وصول المعلومات بشكل أو بآخر إلى الناس في المنطقة. وبالتالي فإنهم لا زالوا يعتقدون أنها "إلدورادو" وأنها ستغير حياتهم. والحقيقة هي أن الحدود أصبحت الآن محاطة بجدار أو مغلقة تماماً، وباتت المخيمات التي تستقبلهم في اليمن مكتظة بالمهاجرين تماماً. الوضع مأساوي".

ولحل هذه المشكلة، يقترح عقد مؤتمر إقليمي بين الدول المعنية بما في ذلك اليمن وإثيوبيا والسعودية إضافة إلى دول أخرى: "لا بد من معالجة هذه القضية من خلال عقد مؤتمر شبه إقليمي. الهدف من ذلك ببساطة هو توضيح أن المشكلة تفوق جهود الحكومة اليمنية وتتجاوز الإمكانات والقدرات المالية لليمن".

jj/cb-kab/dvh

"