البحث عن الأمان في المدينة

يضطر مئات الآلاف من الأشخاص كل عام لترك منازلهم جراء العنف أو بسبب الكوارث الطبيعية. غير أن سمات ظاهرة النزوح آخذة في التغير: فبينما تتمثل النظرة العامة للنزوح على أنه زحف للمخيمات الريفية، أصبح من المرجح بنفس القدر أن يكون النازحون الآن من سكان المناطق الحضرية ممن يقيمون في كثير من الأحيان بعيداً عن الأنظار.


وقد أخضعت مجموعة السياسات الإنسانية (HPG)، ومقرها معهد التنمية الخارجية (ODI)، هذه الظاهرة للفحص والدراسة من خلال إجراء سلسلة دراسات تحت عنوان "هل الملاذ في المدينة؟" تناولت فيها أوضاع النزوح والسياسات المتعلقة به في ثمانية مراكز حضرية على مستوى العالم.


وقد أخبر سيمون هايسوم من مجموعة السياسات الإنسانية شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "النزوح الحضري هو ما ستكون عليه ظاهرة النزوح في المستقبل. يأتي العديد من النازحين من المدن ولن يتحملوا أوضاع المخيمات وظروف الإقامة فيها. كما أن أكثر من نصفهم متواجد بالفعل في المناطق الحضرية، وسوف تنمو هذه النسبة وتزداد إلا في تلك المناطق حيث تقوم الحكومات بإنفاذ سياسات صارمة بشأن الإيواء القسري. كما أن العاملين في المجال الإنساني غير مجهزين بالأدوات والموارد المناسبة للتعامل مع النزوح الحضري".


المخيمات مقابل المدن


ويبسط الإبقاء على النازحين في مخيمات اللاجئين أو النازحين داخلياً الإجراءات الإدارية التي تقع على عاتق هيئات الإغاثة. "فالعمليات الإنسانية التي تتم في المناطق الحضرية قد تكون أكثر تكلفة وتستغرق وقتاً أطول"، وفقاً لتقرير حالة اللاجئين في العالم 2012 الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


وأشار التقرير إلى أنه "على عكس مخيمات اللاجئين، لا تعرف الأطراف الفاعلة المعنية بالعمل الإنساني في البلدات والمدن في الغالب سوى القليل عن حالة الأمن الغذائي والوضع الغذائي الخاص باللاجئين والنازحين داخلياً في المناطق الحضرية".


غير أنه في الوقت الذي تنمو فيه الرقعة الحضرية في العالم، ينجذب النازحون على نحو متزايد نحو المدن. "وعلى النقيض من المخيمات المغلقة، تقدم المدن فرصاً لبقاء الأفراد مجهولي الهوية وكسب الأموال وبناء مستقبل أفضل،" وفقاً لموقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


مع ذلك، ما تزال سياسات الإيواء في المخيمات جذابة للحكومات التي تجاهد من أجل تلبية الطلب على الخدمات في المناطق الحضرية، وقد يتسبب النزوح إلى هذه المناطق إلى إجهاد الموارد وعجزها وهو ما قد يسبب استياء المقيمين المحليين.


وقالت كاتي لونغ من كلية لندن للاقتصاد والمتخصصة في القضايا الناشئة عن أوضاع اللجوء الممتد لفترات طويلة: "يعيش 80 بالمائة من النازحين في البلدان النامية حيث يتنافسون على الموارد. ومن ناحية أخرى، تلعب سياسات القومية دوراً في ذلك بينما توفر عمليات الإيواء في مخيمات وتقديم المساعدات التي تصاحبها فرصاً لتمرير التكاليف وتحميلها [لهيئات المعونة]. وعلى الرغم من أن المخيمات لا تعالج المشكلات الجذرية وربما تترك اللاجئين والنازحين داخلياً في أوضاع هشة وشديدة الضعف، لكنها تعتبر منطقية من منظور الاقتصاد السياسي."


حالة إنكار


وقد توصلت أبحاث مجموعة السياسات الإنسانية إلى أن المسؤولين الحكوميين غالباً ما يؤكدون، بخلاف جميع الدلائل، أن النزوح مشكلة مؤقتة.


وكان هذا هو الحال بالنسبة لسوريا حيث بدت الحكومة في حالة إنكار للمزارعين ورعاة الماشية الذين دفعهم الجفاف وفقدان الأراضي إلى النزوح إلى دمشق. وقد خلصت دراسة مجموعة السياسات الإنسانية (التي أجريت في عام 2011، قبل وصول الصراع الدائر حالياً إلى العاصمة) إلى أن الحكومة أكدت، بشكل  ثابت ومستمر، على الطابع المؤقت لهذا النزوح، كما حاولت الحد من المساعدات المقدمة لمخيمات النزوح البائسة المقامة على أطراف دمشق وذلك "لتجنب خلق ثقافة الاعتمادية".


 


 بدلاً من التعامل مع النزوح بشكل مستقل ومنفرد، تعمل الكثير من الحلول بشكل أفضل إذا ما كانت قائمة على أساس المجتمع، وذلك لأسباب ليس أقلها أننا بذلك لا نعطي امتيازاً لمجموعة دون أخرى ولا ننمي شعوراً بالاستياء نحو النازحين

وقد ذكر مؤلفو الدراسة أنه "حتى وإن بدا أن الحكومة والمجتمع الدولي يصوران النزوح... كوضع مؤقت...يظل حجم الخسائر في شمال شرق سوريا ضخماً، ولا يبدو أن العودة ممكنة دون ... استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى استعادة سبل كسب العيش في هذه المناطق الريفية."


وبالمثل، لا ترغب السلطات في أفغانستان في قبول فكرة أن الوافدين الجدد الذين يتدفقون إلى العاصمة كابول قد جاؤوا للبقاء لفترات طويلة. وقد سجلت دراسة كابول التي أجرتها مجموعة السياسات الإنسانية أن "سياسة الأمر الواقع التي تتبعها الحكومة على كافة المستويات تقوم على فكرة أن النزوح عبارة عن ظاهرة مؤقتة، وأن النازحين سيعودون إلى مناطقهم الأصلية في الريف حين يأتي الأوان لذلك."


ويمكن أن تحد مثل هذه الافتراضات من المساعدات، فوفقاً لما جاء في الدراسة "أوضح أحد كبار المسؤولين ...أسباب رفضه منح هيئة دولية...تصريحاً ببناء مراحيض وآبار مؤقتة في إحدى المستوطنات، تتمثل في أن النازحين سيتواجدون في هذا المكان لفترة قصيرة، ولذلك هم ليسوا بحاجة إلى مراحيض أو بئر في هذه الحالة... وعندما نوفر لهم هذه الخدمات، فلن يعودوا أدراجهم أبداً."


من جهتها، أخبرت لونغ شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الحقيقة هي أن أكثر من ثلثي النازحين داخلياً في العالم قد شردوا على مدى أكثر من خمس سنوات، لكن السلطات غالباً ما تكون غير راغبة في مواجهة هذا الواقع، ويرجع ذلك، في جزء منه، إلى أن هذا الوضع ينعكس سلباً عليها.


وأضافت لونغ: "في أفغانستان، على سبيل المثال، إذا اعترفت السلطات بأنها لا تزال تعاني من مشكلة نزوح، فإنها تعترف بذلك أن حالة السلام ما تزال هشة وغير مكتملة. لكن بدلاً من البحث عن حلول دائمة فقط، علينا أن نتعلم التعايش مع النازحين في الوقت الحالي والتركيز على تحسين أوضاع نزوحهم، لأن السياسات غالباً ما تجعل عملية النزوح تجربة أسوأ بكثير مما يجب أن تكون عليه."


فرص الاستقرار


وخلص الباحثون من مجموعة السياسات الإنسانية في كابول إلى أن الأغلبية الساحقة من النازحين أعربوا عن نيتهم الاستقرار بشكل دائم في المدينة. وتشير الدلائل المستمدة من جهات أخرى إلى أنه إذا سُمح لهم بالبقاء، فسيكون بإمكانهم الاندماج في نهاية المطاف وتأسيس حياة جديدة لأنفسهم.


وحتى بعد مرور 60 عاماً على وصولهم، لازال الفلسطينيون المقيمون في دمشق يُعتبرون رسمياً من اللاجئين، على الرغم من أن الكثير منهم انتقلوا من المناطق التي تعتبر مخيمات للاجئين إلى مساكن أفضل. وأصبحت "المخيمات" الآن مكاناً لإقامة خليط من السكان يضم العمال المهاجرين والنازحين داخلياً والفقراء من السوريين.


وقد يكون التكامل أسهل في الوقت الحالي، وذلك لأن العديد من تجمعات المراكز الحضرية في العالم النامي هي مدن تتألف من القادمين الجدد. وتظهر إحدى دراسات مجموعة السياسات الإنسانية أن جميع من يقيمون في ياي تقريباً، وهي مدينة بجنوب السودان، قد جاءوا في الأصل من أماكن أخرى. كما أن القادمين الجدد أكثر انتشاراً أيضاً في مناطق حضرية مشهورة مثل نيروبي في كينيا؛ وتذكر إحدى الدراسات أن ما يقدر بنحو 20 في المائة فقط من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 قد ولدوا في المدينة.


أما في ياي ونيروبي وكابول، وجدت مجموعة السياسات الإنسانية أن أوضاع النازحين وظروفهم مماثلة لغيرهم من القادمين الجدد: فقد تم ترحليهم إلى مناطق عشوائية تقل بها المرافق أو تنعدم تماماً، وهم يكافحون للعثور على سكن لائق وكسب الرزق. وقالت لونغ من كلية لندن للاقتصاد أن الخبراء يتساءلون حالياً عما إذا كان ينبغي معالجة هذه الأوضاع باعتبارها إحدى التحديات العامة التي تواجه العملية الإنمائية، بدلاً من التمييز بين النازحين داخلياً وغيرهم من الفقراء بالمناطق الحضرية.


وأضافت في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هناك بعض الجوانب التي تحتاج إلى التركيز، مثل الوضع القانوني للاجئين، الذين غالباً ما لا تتوافر لديهم الأوراق الرسمية السليمة التي تؤهلهم للتواجد في المدينة. غير أنه بدلاً من التعامل مع النزوح بشكل مستقل ومنفرد، تعمل الكثير من الحلول بشكل أفضل إذا ما كانت قائمة على أساس المجتمع، وذلك لأسباب ليس أقلها أننا بذلك لا نعطي امتيازاً لمجموعة دون أخرى ولا ننمي شعوراً بالاستياء نحو النازحين".


eb/rz-mez/dvh