الهجرة: اللاجئون يتدفقون إلى الجزر اليونانية

 بمجرد أن بدا أن اليونان قد أوقفت بنجاح طوفان المهاجرين غير الشرعيين الذين يعبرون الحدود البرية مع تركيا، بدأ تدفق جديد للمهاجرين وطالبي اللجوء يصل إلى جزرها في شرق بحر إيجه. وتقدر وكالة حماية الحدود الأوروبية، فرونتكس أن تلك الجزر استقبلت نحو 200 مهاجر أسبوعياً منذ بدء عملية نشر 2,000 ضابط شرطة إضافيين على الحدود اليونانية التركية في شهر أغسطس الماضي. وقالت مسؤولة الإعلام في فرونتكس، إيوا مونكور أن "هناك بعض التأثيرات الماتجة عن النزوح"، وأضافت أن أعداداً أقل من المهاجرين يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر بلغاريا أيضاً.

ورغم أن هذه الجزر أراضٍ يونانية، فهي لا تبعد عن الساحل التركي سوى بضعة كيلومترات، ويمكن للمهربين الوصول إليها في الظروف الجوية المناسبة، حتى لو كانت قواربهم مطاطية واهية. ومع ذلك، فإن الطريق إليها أكثر خطورة بكثير من عبور الأراضي، وقد أدى بالفعل إلى حالات وفاة عديدة. فخلال حادثة واحدة فقط في شهر سبتمبر، توفي 61 مهاجراً، من بينهم 31 طفلاً، عندما اصطدم قارب بالصخور تحت الماء وغرق قبالة الساحل التركي.

الضغوط تفوق قدرة السلطات المحلية

إن الموجة الجديدة من الوافدين عن طريق البحر تسبب المتاعب للسلطات المحلية، التي تلقت تعليمات من رؤسائها في أثينا باعتقال جميع المهاجرين ولكن قدرتها على ذلك ضئيلة. وقد أعلنت الحكومة عن خطط لفتح مراكز استقبال للمهاجرين في جزر خيوس وساموس وليسفوس ورودس، ولكن حتى الآن تفيض الزنازين في مراكز الشرطة بالمهاجرين غير الشرعيين، الذين ينام بعضهم في الحدائق العامة والمناطق الساحلية، في انتظار أن تصدر الشرطة أمر ترحيل يمنحهم سبعة أيام لمغادرة البلاد.

وبعد أن زارت مؤخراً ثلاث من الجزر لتقييم ظروف الاحتجاز، أوضحت يوانا كوتسيوني، وهي خبيرة في مجال الهجرة، تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود (MSF) وتتخذ من أثينا مقراً لها، أن "هذه الوثيقة لا توفر لهم وضعاً قانونياً حقيقياً، ولكن بدونها، لا يستطيعون شراء تذكرة العبّارة إلى البر." وأضافت كوتسيوني أنه "في الوقت الراهن، ليس هناك فحص للضعف أو مرافق استقبال مناسبة. ومن الناحية الطبية، ما من خدمات متوفرة والزنازين أصبحت مكتظة. وعادةً ما تُمنح الأولوية للأسر التي تصطحب أطفالها للإفراج عنهم، ولكن السياسة العامة هي اعتقال الجميع، في بعض الحالات لمدة شهر أو أكثر".


وقد استقبلت ليسفوس، وهي أكبر الجزر، ما بين 400 و 500 مهاجر في الشهرين الماضيين، وكان كثيرون منهم من السوريين، ولكن بعضهم من الأفغان وجنسيات أخرى، وفقاً لأنطونيوس سافياديليس من خفر السواحل في ليسفوس. وأوضح سافياديليس، المنسق المحلي لعملية بوسيدون 2012، أنه يتم توقيف معظم القوارب التي تحتوي على مهاجرين في عرض البحر. والجدير بالذكر هنا أن بوسيدون 2012 هي جهد مشترك من قبل خفر السواحل اليونانية وفرونتكس للاستجابة لهذا الاتجاه الجديد في عدد الوافدين عن طريق البحر. وتقوم السلطات بتشجيع الأشخاص الذين ما زالوا في المياه التركية على تغيير مسارهم، في حين يتم جلب أولئك الذين دخلوا بالفعل إلى المياه اليونانية إلى مرفأ ميتيلين، وهي المدينة الرئيسية في ليسفوس، حيث يتم أخذ بصماتهم وتسجيلهم قبل أن يخضعوا لفحص صحي أساسي ويجري تسليمهم إلى الشرطة.

تصاعد التوتر

ولكن لا يتم اعتراض جميع القوارب. فقد وصل في الآونة الأخيرة زورق مطاطي يحمل 23 لاجئاً سورياً ورسا ليلاً على شاطئ على ساحل ليسفوس الشمالي، ثم أسرع السائق مبتعداً، ولكن لم يكتشف الوافدون أنهم في اليونان إلا في صباح اليوم التالي. فقال عماد سعيد* (23 عاماً)، والذي خاطر بقطع الرحلة مع والديه وأخويه الأصغر سناً والأسرة الممتدة الكبيرة، هرباً من القصف الجوي الذي شنه نظام الرئيس بشار الأسد على قريته في شمال شرق سوريا: "كنا نظن أنه سوف يأخذنا إلى إيطاليا." فكان سعيد يدرك جيداً أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة في اليونان جعلت البلاد أقل ترحيباً بالمهاجرين وطالبي اللجوء. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لا يمكن لليونان أن تقدم لنا شيئاً، لذلك سوف نرحل من هنا، ولكننا لا نعرف كيف".
فبعد مسيرة دامت خمس ساعات، وصل سعيد وعائلته إلى قرية سكالوتشوري، حيث استراحوا لبضع ساعات وتناولوا وجبة نظمها الكاهن المحلي في انتظار سيارة شرطة تقلهم إلى مركز الشرطة في بلدة كالوني القريبة. وتعتمد الشرطة على التبرعات من السكان المحليين لاستكمال تقديم الوجبات وغيرها من الضروريات لأن ميزانيتها المخصصة لإطعام كل مهاجر لا تتعدى 5.5 يورو فقط يومياً.

ولكن كونستانتينا سكلافو، الخبيرة الاستشارية في سينباركسي، وهي منظمة غير حكومية محلية تجمع التبرعات وتدعو لإنشاء مزيد من مرافق الاستقبال المناسبة، قالت أن التعاطف مع المهاجرين بدأ ينفد. وأضافت أنه "إذا استمرت الأعداد في الزيادة، فإن الأقلية المعادية قد تزداد، خاصة إذا لم تكن هناك أي وسيلة مناسبة لاستقبالهم،" مضيفةً أن حزب الفجر الذهبي اليميني المتطرف، الذي نمت شعبيته أثناء الأزمة المالية من خلال استغلال المشاعر المعادية للمهاجرين، على وشك افتتاح فرع محلي في ليسفوس. وحتى الآن، حدث اعتداء عنصري واحد فقط على ما يبدو - ضد اثنين من المهاجرين الأفغان اللذين رفضا توجيه اتهامات - ولكن سكلافو تخشى من تفاقم الوضع بسبب وجود الفجر الذهبي.

العودة إلى الطرق القديمة

بالنسبة إلى ليسفوس والجزر الأخرى في بحر إيجه، لا يعتبر تدفق المهاجرين أمراً جديداً، بل هي مجرد عودة بعد توقف دام حوالى ثلاث سنوات. حتى نهاية عام 2009، كان طريق البحر هو المفضل بالنسبة للمهربين، وكانت مراكز الاحتجاز تعمل في جزر ليسفوس وساموس وخيوس. ووفقاً لكوتسيوني، الخبيرة في منظمة أطباء بلا حدود، تزامن التحول الدرامي في طرق التهريب من بحر إيجه إلى حدود اليونان البرية مع تركيا في بداية عام 2010 مع اختتام برنامج إزالة الألغام في المنطقة.

لا تريد جماعات مثل منظمة أطباء بلا حدود وسينباركسي أن تشهد على إعادة افتتاح مراكز الاعتقال القديمة لأن الظروف السائدة في مركز احتجاز باغاني في جزيرة ليسفوس كانت سيئة إلى درجة أن جماعات حقوق الإنسان مارست ضغوطاً ناجحة لإغلاقه في نوفمبر 2009. وأكدت كوتسيوني: "يجب أن تكون هناك مرافق استقبال توفر رعاية كريمة للفئات الضعيفة وتفحص الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية."

لا أحد يعرف بالتأكيد ما إذا كان تدفق المهاجرين إلى هذه الجزر سيستمر. يعتمد هذا إلى حد بعيد على ما يحدث في إفروس، حيث تم للتو تمديد تواجد شرطة الحدود المكثف لمدة شهرين آخرين. ومع اقتراب فصل الشتاء، سيصبح الإبحار عبر بحر إيجه أكثر صعوبةً. وأفاد سافياديليس، مسؤول خفر السواحل أنه "بحلول شهر نوفمبر، سيكون البحر هائجاً، وإذا اصطدم [المهاجرون] بالصخور قد يسقطون في المياه ومعظمهم لا يجيدون السباحة."

* ليس اسمه الحقيقي

ks/rz-ais/bb