كن حذراً مما ترغب فيه

هل تسقط المنظمات غير الحكومية المحلية في المصائد نفسها التي سقطت فيها نظيرتها في الشمال؟

نعلم أن المال لا يشتري الحب وأن المال لا يشتري السعادة. ولكن يمكن للمال أن يشتري ولاء منظمة غير حكومية، وأن يشتري عمل المعونة الذي يستجيب للمصالح الاستراتيجية للجهة المانحة بدلاً من الاحتياجات الإنسانية على أرض الواقع. يمكن للمال أن يضعك في مرمى عدو الجهات المانحة لك.

 

 

نحن نعلم أنه يمكن للمال أن يشتري هذه الأشياء لأننا نعلم أنه يشتري هذه الأشياء بالفعل. بل إن عواقب هذا الشراء على وجه الدقة– الاستجابة الإنسانية الدولية التي تتأخر في العادة، والتي تنحاز للجهة المقدمة للدعم، والمتحزبة – هي التي تعزز حدوث تحول كبير في الموارد للمستجيبين الإنسانيين المحليين (ما يعرف أيضاً بـ "التحول إلى المحلي"). ولكن إذا ما تدفقت المزيد من الأموال للمنظمات غير الحكومية المحلية، هل ستقتصر على تكرار الجوانب الأكثر ضرراً لتمويل المساعدات بطريقة جديدة؟

وعلى الرغم من أن تدشين مؤتمر القمة العالمية للعمل الإنساني ولدّ الكثير من الانتقادات، إلا أن ثمة شيء واحد واضح يتفق عليه الخبراء: أجندة التحول إلى تمويل المنظمات المحلية، التزام أساسي يتم بموجبه إعادة تعديل منظومة المعونة الإنسانية الدولية الثقيلة الحركة، التي تعتمد على نهج من القمة إلى القاعدة إلى حد كبير من خلال توجيه "25 بالمائة من التمويل إلى الاستجابات الوطنية والمحلية بشكل مباشر بقدر الإمكان بحلول عام 2020".

لقد أكد واضعو السياسات على شيء واضح بشأن ما يلزم القيام به: تمويل سريع ومرن يستمر لعدة سنوات (تجدر الإشارة إلى أن حزمة الإصلاح السابقة، اتفاق المنح الإنسانية الجيدة لعام 2003، قد تعثر إلى حد كبير). وفي هذا الصدد، خلصت دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن هناك "مثبطات مؤسسية قوية تعرقل تنفيذ الأشياء بشكل مختلف"، ما لم تكن هناك "قيادة سياسية ودعم صريح ويمكن التنبؤ به من أعلى المستويات المؤسسية".

من الصعب أن يجادل المرء في أهمية تمكين المنظمات والمجتمعات المحلية للاستجابة عند وقوع الأزمات في وطنها. وبناء على هذا، لا تكمن المشكلة في الإثارة التي نشأت عن التحول إلى تمويل المنظمات المحلية بل في اتساق هذه الإثارة: الفائز الفائز الفائز! ذلك أن الخطاب الانتقادي الذي تتبناه المنظمات غير الحكومية الجنوبية غالباً ما يوجه اتهامات صريحة وقوية للنزعة الاستعمارية الجديدة، والنزعة الأبوية، والمشاريع 'المتشابهة' التي تهمل الاحتياجات المحددة للسكان. لذا، فإن المشكلة تكمن في أجندة التحول إلى المنظمات المحلية التي تركز الآن بشكل مفرط على تدفق التمويل. وتكمن المشكلة أيضاً في الطبيعة المأساوية لهذه الصفقة الكبرى.

لا يعد نموذج التمويل الذي دمر بالفعل استقلالية المنظمات غير الحكومية الدولية وفعاليتها الأنسب لتمكين المنظمات المحلية داخل بلادها ومجتمعاتها. وحتى إذا أصبح التمويل أقل صرامة، كما أشار مؤخراً تقرير مؤسسة HERE في جنيف، فإن "التمويلات المرنة تمثل ضرورة هامة للمنظمات الإنسانية الفاعلة. ولكنها ليست الحل السحري للاستقلالية". [تنويه: كاتب هذا التقرير هو المؤلف الرئيسي لتقرير مؤسسة HERE].

وبالإضافة إلى تلك المخاطر، يتعين أن يكون النقاش بشأن تمويل المنظمات المحلية أكثر طموحاً. أليس بإمكاننا أن نتصور أن تقوم المنظمات غير الحكومية المحلية باختيار نموذج مختلف، على سبيل المثال نهج منظمة أطباء بلا حدود الذي يركز على القطاع الخاص بدلاً من الجهات المانحة الحكومية؟ متى سنرى منظمة يطلق عليها اسم تمويل بلا حدود لدعم نمو قطاع المنظمات غير الحكومية المستقلة في جنوب الكرة الأرضية؟

وحتى مع الاعتراف بمدى التهميش المستمر للمنظمات المحلية داخل منظومة العمل الإنساني، نأمل أن يمتد هذا النقد الشديد إلى قضايا التمويل أيضاً. هذه المناورة المحسوبة بأن مزايا "المال قوة" تفوق سلبيات "الغاية تبرر الوسيلة" خطيرة.

والأمر الذي يجب أن نتجنبه هو تحول المنظمات غير الحكومية والمنظمات المجتمعية في جنوب الكرة الأرضية إلى مساعدين لبلدان الشمال، منفذين 'للقوة الناعمة'، محققين مصالح (الأمن) الوطني للقوى الغربية، شركاء للقطاع الخاص العالمي نفسه الذي دفع إلى التخلف وعدم المساواة، ومساهمين في تنفيذ الأجندات الليبرالية والليبرالية الجديدة.

تطرح الصفقة الكبرى الأسئلة التالية على المنظمات غير الحكومية المحلية، التي ربما لا تزال قادرة على اختيار مسار مختلف:

عندما تقع كارثة، هل تريد أن تبدأ في الاستجابة أو التقدم بنداء للتمويل؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن قدرة هذا القطاع على الاستجابة لحالات الطوارئ السريعة الحدوث أو التصرف بطريقة استباقية، أي أن تمنع الأزمة بدلاً من أن تخفف من حدتها، لا تزال غير فعالة بشكل خطير.

وعندما يتغير الوضع، هل ستواصل تلبية الاحتياجات أم ستحاول تنفيذ التزاماتك التعاقدية (مثل بناء مراكز لعلاج فيروس إيبولا التي لن ترى مريضاً)؟

هل ستحاول تنفيذ برامج جريئة تجرّب نهجاً وأولويات جديدة تصل إلى أولئك الأكثر احتياجاً، أم تنفذ تلك البرامج العادية التي تضمن لك إنجاز الالتزامات التي ينص عليها العقد في الوقت المناسب؟ لقد خلصت هذه الدراسة إلى أن احتياج المؤسسات المانحة للمساءلة المالية قد خلقت "بيئة خانقة تقوم على الامتثال وتجنب المخاطر".

كم من الهيكل التنظيمي لمنظمتك غير الحكومية سيخصص لتقديم المساعدة والحماية للسكان خلال الأزمات بدلاً من الحصول على التمويلات وإدارتها وتقديم التقارير عنها؟ وهنا، تجدر الإشارة إلى بحث أجراه المجلس الدولي للوكالات التطوعية ICVA  يشرح تحول عمل المعونة إلى بيروقراطية مساعدة، وتأثير ذلك على المنظمات غير الحكومية الصغيرة بشكل خاص.

كيف ستصل إلى السكان الأشد احتياجاً إذا كنت ممولاً من حكومة أجنبية تجري فيها عمليات عسكرية (على سبيل المثال، في أفغانستان أو العراق أو الصومال)، أو إذا كانت تصورات التحيز للغرب (أو حتى الأمم المتحدة) قد تقوض الثقة في نواياك؟ 

ماذا ستفعل إذا كان النازحون داخلياً بحاجة إلى برامج عاجلة، في حين أن التمويل لا يتوفر إلا للأنشطة الخاصة بالأطفال والأمهات؟ لقد أظهرت البرامج القائمة على العرض صعوبات في التكيف مع الاحتياجات على أرض الواقع ومنعت تعديل الاستجابة.

يجب إنقاذ فرصة وفاء القمة العالمية للعمل الإنساني بوعد التحول نحو تمويل المنظمات المحلية – أي أن تصبح المعونة الإنسانية مدفوعة ومملوكة محلياً – عن تركيزها الضيق والسلبي على تحقيق الهدف المتمثل في تقديم 25 بالمائة من التمويل مباشرة إلى المنظمات غير الحكومية المحلية (ناهيك عن التحديات العملية المتعلقة بهذا الارتقاء المذهل). يجب أن نقوم بتحليل نقدي للاستراتيجيات اللازمة لتحقيقها. وما لم يحدث ذلك، سيكون هناك خطر من أن يكرر التحول إلى تمويل المنظمات المحلية في فترة ما بعد القمة العالمية للعمل الإنساني كثيراً من العيوب ذاتها التي ابتلى بها أداء المنظمات غير الحكومية الدولية ووكالات الأمم المتحدة منذ فترة طويلة، والتي خذلت الناس وقت الأزمة.

باختصار، هل سيسهم التحول الهائل نحو تمويل المنظمات المحلية في جعل المعونة أكثر استجابة لاحتياجات السكان، أم سيظل اختيار اللحن في يد من يدفع للزمّار؟ 

أمضى مارك، الذي يعمل حالياً استشارياً مستقلاً ومحللاً ومدوناً في الشؤون الإنسانية، 15 عاماً في العمل مع منظمة أطباء بلا حدود، وشغل منصب المدير التنفيذي لمنظمة أطباء بلا حدود-المملكة المتحدة في الفترة ما بين عامي 2008 و2014.

mdb/bp/ag-kab/dvh

(الصورة في الأعلى: مشروع مجمعات المياه، أوغندا/جلينا جوردون)