التعهيد الجماعي وتحديات التحقق من البيانات أثناء العمل الانساني

بينما تقوم التقنيات المتطورة بمضاعفة معدل جمع البيانات في حالات الطوارئ من التعهيد الجماعي (crowd-sourcing)، إلى الاستعانة بالحشود لتوفير معلومات بعد منحها هواتف محمولة (crowd-seeding) إلى وسائل الإعلام الاجتماعية، تركز المنظمات الإنسانية الآن على كيفية ضمان دقتها، وبالتالي قابليتها للاستخدام.

وينطوي جمع المعلومات من مصادر متعددة عن طريق التعهيد الجماعي على العديد من المميزات. حيث كريس البون، مدير مشاريع البيانات في منظمة أوشاهيدي الكينية لرسم خرائط الأزمات، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن التعهيد الجماعي "يعالج مصدر ألم حقيقي بالنسبة للمنظمات الإنسانية، والمتمثل في الحصول على المعرفة اللحظية لوقائع وأحداث تجري في بيئات غير مستقرة. إن البيانات التي يتم جمعها باستخدام تقنيات التعهيد الجماعي يمكن أن توفر للمنظمات الإنسانية موجات جديدة وقوية من المعلومات بشأن المنطقة التي تعمل فيها الآن، أو ستعمل فيها قريباً".

ومع ذلك، فإن دقة المعلومات التي تأتي من عدة مصادر على أرض الواقع ليست مضمونة. إذ يمكن أن تكون المعلومات محدودة وغير موثوقة وتفتقر إلى التحليل الجيد في وقت الأزمة. وكما قال بول كوريون، المتخصص في تكنولوجيا المعلومات وتنسيق الشؤون الإنسانية والخبير الاستشاري في المجلس الدولي للوكالات الطوعية، وهي شبكة من المنظمات غير الحكومية مقرها جنيف ومعنية بالتطورات الإنسانية: "التعهيد الجماعي لن يكون نموذجياً على الإطلاق تقريباً، لأن تجميع المعلومات في هذا السياق ذاتي الاختيار. ولكن هذه ليست مشكلة كبيرة طالما أن هناك وعي تام بها وطالما أن التعهيد الجماعي لا يشكل المصدر الوحيد للبيانات".

وعلى سبيل المثال، فقد استخدم برنامج "الصومال يتحدث" الذي أعدته قناة الجزيرة في عام 2011 قبيل مؤتمر لندن عن الصومال في عام 2013، الرسائل النصية ليطلب من الصوماليين إرسال وجهات نظرهم وأسئلتهم الموجهة لحكومتهم عن المؤتمر. وعلى الرغم من تلقيه أكثر من 3,000 رسالة، إلا أن تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات تشير إلى أن نسبة انتشار الهاتف المحمول في الصومال لا تتعدى 7 بالمائة فقط. وبالتالي، فمن غير المرجح أن تكون وجهات النظر المرسلة تمثل قطاعاً واسعاً من الشعب الصومالي.

"ولذلك فمن الخطأ الحديث عن التحدث إلى الناس في سياق التعهيد الجماعي، لأن ما تفعله حقاً هو التماس المعلومات من الناس"، حيب تعليق كوريون.

وفي نفس السياق، تشير تقديرات شركة سيسكو لحلول الشبكات إلى أن حركة بروتوكول الإنترنت (IP) وصلت إلى 43,6 اكسابايت (Exabyte) في الشهر (1 اكسابايت تعادل حوالي 10 مليار نسخة مجلة، وفقاً لمجلة الايكونوميست) في عام 2012. وخلال الفترة من 2012 إلى 2017، تتوقع سيسكو أن تزداد البيانات المنقولة إلى 13 ضعفاً.

وتجدر الإشارة إلى أن تبادل المعلومات يرتفع ارتفاعاً كبيراً في أوقات الأزمات. ففي اليوم التالي لزلزال اليابان في عام 2011، تم إنشاء 572,000 حساب جديد على موقع تويتر وإرسال 177 مليون تغريدة - أي حوالي 1,200 تغريدة في الدقيقة من طوكيو وحدها. وفي أعقاب الزلزال الذي ضرب هايتي، تم إرسال أكثر من 80,000 رسالة نصية إلى الرقم 4636 الذي تم تحديده لتلقي الطلبات، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وكانت حوالي 90 بالمائة من هذه الرسائل متكررة.

عنق الزجاجة

كتب إريك غوجير في تقرير صدر عام 2011 عن مؤسسة أي سي تي فور بيس (ICT4Peace) أن "معالجة المعلومات التي تتطلب الوقت والموظفين هي التي تتسبب في خلق وضع مماثل لعنق الزجاجة على نحو متزايد". إن الحمولة الزائدة تشكل خطراً على الأنظمة الغير مجهزة للتعامل مع الكم الهائل من المعلومات أثناء الأزمة وتدقيقه، كما أن الكثير منها متكرر.

وقد لا تكون التكنولوجيا المستخدمة في جمع المعلومات عن طريق التعهيد الجماعي مناسبة. فخلال تفجيرات بوسطن في مايو 2013، أصبح الجمهور مشاركاً بنشاط في محاولة التعرف على مرتكب الهجوم، ومن المؤسف أنه تم إلقاء اللوم على الشخص الخطأ في البداية. وانتشرت الشائعات كالفيروس من خلال مواقع مثل رديت (Reddit)، وهو موقع للأخبار الاجتماعية والترفيه يقدم من خلاله المستخدمون محتوى يتم تصنيفه من قبل الجماهير.

تحليل صحة المعلومات

أفاد باتريك ماير، مدير وسائل الإعلام الاجتماعية في معهد بحوث الحوسبة في مؤسسة قطر والخبير الرائد في مجال استخدام تكنولوجيات جديدة لمواجهة الأزمات، أن إحدى المشاكل الكبيرة في مواقع مثل رديت وتويتر وفيسبوك هي أنها تسمح للناس بإعادة نقل المعلومات دون تقييم صحتها بشكل شخصي.

وأضاف ماير في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية أنه "لم يتم تصميم رديت لتولي التفكير النقدي، فقد نشر الناس جميع أنواع المعلومات المشكوك فيها [بخصوص تفجيرات بوسطن] ثم ازداد الزخم بشكل تصاعدي". ويرى ماير أنه إذا استطاعت التكنولوجيا إجبار الناس على تحليل حقيقة ما يبلغون عنه، سيصبح من الممكن تسخير التعهيد الجماعي بشكل أفضل أثناء الأزمات.

والجدير بالذكر أن ماير عضو في فريق يبتكر أداة تسمى (veri.ly)، وهي منصة على الانترنت لجمع المعلومات والتحقق منها أثناء الأزمات. وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية أنه "بإمكان الناس نشر طلبات التحقق في صورة أسئلة إجابتها نعم أو لا. وسيكون هناك زر تقاسم بسيط جداً لحمل الناس على تقاسمها مع شبكة الاتصال الخاصة بهم". وبالإضافة إلى مجرد تبادل أو نشر معلومات جديدة، سيُطلب من المستخدمين كتابة جملة تشرح سبب اعتبار المعلومات التي يوفرونها صحيحة أو خاطئة كما يدعون.

وأضاف ماير أن "أحد أسباب نجاح هذه المنصة هو فكرة أنك تبعد بضع درجات فقط عن الشخص القريب من الكارثة. إنك ترغب في الحصول على تأكيد من المجتمعات المتضررة من الكوارث للتحقق مما إذا كانت المعلومات دقيقة أم لا".

وفي السياق نفسه، توصي أوشاهيدي، في دليل التحقق الخاص بها، أن يتخذ مطورو الأنظمة المستندة إلى التعهيد الجماعي في الاستجابة لحالات الطوارئ خطوات إضافية لضمان دقة المعلومات التي يوفرونها، والتمييز بين ما "لم يتم التحقق منه" وما "تم التحقق منه"، والحذر من احتمال تقديم "بيانات مسمومة" - وهي المعلومات التي تنشر عمداً بغرض التضليل أو تشتيت الانتباه.

الحفاظ على البساطة

قال البون أن "التعهيد الجماعي ليس كتقنية التوصيل واللعب مباشرة. إن إعداد نظام تعهيد جماعي ناجح يشمل إجراءات أكثر بكثير من مجرد تثبيت برامج مثل منصة أوشاهيدي. كما يتطلب تدريب الموظفين، وإجراء تقييمات للمخاطر، وتطوير نموذج يمكن أن يحول المعلومات التي تم جمعها إلى عمل حقيقي على الأرض بشكل فعال".

من جهته، يعتقد بنجامين ديفيز، نائب مدير برنامج التأشير الخاص بالأمن البشري والتكنولوجيا في مبادرة هارفارد الإنسانية، أن من الأسهل أن تثق بالجماهير في حالة إعطائها مهام بسيطة نسبياً باستخدام منصة هم بالفعل على دراية بها، بالنظر إلى أن عملية صنع القرار في فترة ما بعد الأزمة تكون "مليئة بالأخطاء". فعلى سبيل المثال، بعد إعصار ساندي في الولايات المتحدة عام 2012، حدثت أزمة وقود في جميع أنحاء مدينة نيويورك، ولذا ابتكرت شركة غوغل تطبيقاً بجانب خرائطها يتيح للناس وضع علامة "ممتاز" أو "سيء" فيما يتعلق بتوفر البنزين.

وبالمثل، خلال إعصار بوبا في الفلبين عام 2012، طلبت الحكومة من الناس إرسال تغريدات على تويتر تحتوي على معلومات تتعلق بالاعصار. ثم تمكن أول المستجيبين من تحديد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة، وكذلك توزيع معلومات الإنذار المبكر. ويعتقد ماير أن مثل هذه الخطوات ضرورية للحد من الارتباك، والحصول على معلومات مفيدة في الوقت المناسب أثناء الأزمات. وهو ما علق عليه بقوله: "إن إقناع الناس بتوفير معلومات جغرافية من أفضل الأشياء التي يمكن للحكومات أن تفعلها...إن مناشدة الناس عن طريق وسائل الإعلام الاجتماعية لتشغيل نظام تحديد المواقع أثناء الكوارث" سوف يساعد على العثور على الأشخاص بسرعة والحصول على المعلومات بسرعة. وأضاف أن "قيامك بذلك يجعلك تؤدي عملاً خيرياً أثناء وقوع الكارثة".

تكوين فريق مع التقنيين

تعاون مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية مع التقنيين والمؤسسات الإعلامية لرسم خرائط الأزمات في خمس حالات طوارئ، من بينها سوريا في الأونة الأخيرة. كما أعد خريطة أزمة في ليبيا في عام 2011 في إطار الشراكة مع "فرقة العمل الاحتياطية" المكونة من نحو 250 متطوعاً رقمياً تعاونوا لرسم خريطة الأحداث في شهرين.

وبالنسبة لايموجين وول، منسقة الاتصالات مع المجتمعات المحلية المتأثرة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، تشكل الشراكات أهم شيء. حيث تساءلت في حوار إلكتروني عبر الإنترنت مؤخراً عن "كيف يمكننا التصرف إزاء البيانات الكبيرة؟ هذا يتعلق بالشراكات (أنظر فلومايندر (Flowminder) في هايتي). كيف يمكننا استعادة شبكات شركات الاتصالات والإنترنت؟ هذا أيضا يتعلق بالشراكات مع القطاع الخاص لأنه مقدم لهذا النوع من الخدمات. كيف يمكننا الاستعداد للتخفيف من أثر الأزمات على الشبكات؟ هذا يعني الشراكة في قضايا التأهب. إن الأمر لا يتعلق فقط بالمال، بل يتعلق بالموارد المشتركة (البيانات والقدرة والمهارات والتكنولوجيا) والرؤى المشتركة والعمل المشترك على أرض الواقع".

وأشار كوريون إلى أن "القطاع الإنساني المؤسسي أصبح غير ذي صلة على نحو متزايد، وتجاوزته مجموعة من الجهات الفاعلة الأخرى، بما في ذلك القوات المسلحة والقطاع الخاص والمجتمعات المتضررة من الكوارث نفسها". وأضاف أن الإصلاح يتطلب من المنظمات الإنسانية التعامل مع مجموعة أوسع من الجهات الفاعلة والسعي للحفاظ على المبادئ الإنسانية وليس المؤسسات وتعزيزها ضمن هذه البيئة.
تك

نولوجيا الأقمار الصناعية

إن تثليث المعلومات من مصادر متعددة، وذلك باستخدام مجموعة متنوعة من التقنيات، هو أحد السبل لتعزيز دقتها. ويشارك ديفيز في مشروع الرصد بالأقمار الصناعية في مبادرة هارفارد الإنسانية، الذي يستخدم تكنولوجيا الأقمار الصناعية لجمع صور ما كان يحدث على الحدود بين جنوب السودان والسودان في الفترة من ديسمبر 2010 وحتى منتصف عام 2012. حيث جمعوا المعلومات من مصادر مفتوحة (الصحف والتقارير وما إلى ذلك) ومصادر على الأرض، والبحث عن تقارير عن "أماكن الحوادث" التي من شأنها عندئذ الإبلاغ عن مكان وضع الأقمار الصناعية الخاصة بهم. وقالت بريتني كارد، منسقة تحليل البيانات في المشروع، لشبكة الأنباء الإنسانية: "كان لدينا تقرير ظرفي حي عما كان يحدث في ذلك الوقت".

من جهته، أشار ديفيز إلى أن "الأقمار الصناعية توفر عدسة فريدة من نوعها تطل على وجه الأرض ويمكن أن تساعد في صنع القرار".

لكن الفجوة المعرفية الهائلة الموجودة حالياً بين المجتمع الإنساني والقائمين على تطوير هذه التقنيات لا تزال تشكل عائقاً أمام نجاح هذه الأدوات في العمل الإنساني ومساعدة الأشخاص المتضررين من الكوارث.

سد الفجوة

أوصى مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية باتباع عدة طرق لسد هذه الفجوة في تقريره الأخير الصادر بعنوان النزعة الإنسانية في عصر الشبكات. وتشمل هذه الطرق إنشاء فرق ميدانية يمكن نشرها وتتكون من العاملين في المجال الإنساني والتقنيين وغيرهم؛ وإنشاء محفل محايد للعاملين في المجتمع والتكنولوجيا، والعاملين في المجال الإنساني والمتطوعين لتبادل الأفكار قبل وبعد قوع كارثة ما وتحديد معايير البيانات وخلق مساحة أكبر للبحوث والتطوير داخل الوكالات الإنسانية.

بعد اعصار بابلو، أنشأ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الشبكة الإنسانية الرقمية، وهي مجموعة من الخبراء الفنيين والمتطوعين الرقميين، الذين يمكن "تنشيطهم" خلال الأزمة (حتى الآن في السودان والفلبين والهند وساموا وجمهورية الكونغو الديمقراطية). وعن طريق الجمع بين العاملين في المجال الإنساني والخبراء التقنيين معاً، تُستخدم التكنولوجيا بطرق أكثر فعالية للتواصل مع المجتمعات المتضررة.

وترى وول أن هناك "عدداً قليلاً جداً من الإجابات. إن العالم يتغير بسرعة كبيرة. أدخل الميدان، وطبق المبادئ وشاهد مدى الفعالية في مكان وجودك. وهي في الواقع ستبدو مختلفة في كل مكان، وذلك لأن التواصل هو نشاط اجتماعي وثقافي بغض النظر عن الأداة التي تستخدمها وهو يختلف في كل مكان".

aps/aj/cb – ais/amz