ليبيا: الخدمات الصحية في مواجهة الضغط والحاجة للدعم المستمر

حذر العاملون في مجال الصحة من التأثير السلبي للمواجهات الدامية التي شهدتها ليبيا مؤخراً، وخاصة العاصمة طرابلس، على الخدمات الطبية في البلاد. حيث أصبح الموظفون يعملون فوق طاقتهم في ظل ظروف صعبة للغاية، في الوقت الذي يعجز فيه المصابون بأمراض وجروح خطيرة عن الوصول إلى المستشفيات والعيادات.

وفي هذا السياق، قال خالد شبيب، رئيس مكتب منظمة الصحة العالمية في ليبيا، أنه "مهما علت قدرة النظام الصحي، فمن الصعب جدا التعامل مع مثل هذا التدفق الهائل من المرضى والمصابين".

وأكد شبيب على أهمية الدعم الدولي القوي للنظام الصحي الليبي الذي يتعرض لمصاعب كبيرة في الوقت الذي يقترب فيه النزاع الداخلي في البلاد من نهايته، مشيراً إلى أن "الموضوع لا يتعلق بالسياسة بقدر ما يتعلق بالاحتياجات الصحية".

وأضاف أنه لدى الإدارة المؤقتة الآن، التابعة للمجلس الوطني الانتقالي، مسؤولين صحيين في طرابلس، وبالتالي فهي مسؤولة عن جودة الخدمات الصحية، ولكنها تحتاج في الوقت نفسه لمساعدة دولية حيوية، لا سيما في ظل النقص الحاد في الإمدادات، وارتفاع معدلات الإصابة بسبب الاشتباكات الأخيرة.

من جهتها، أفادت منظمة أطباء بلا حدود (MSF) أن الوضع في طرابلس شهد بعض التحسن خلال الأيام القليلة الماضية. حيث قالت روزا كريستاني، منسقة الطوارئ في المنظمة لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من بروكسل، أن "العديد من المستشفيات كانت تعاني من ازدحام كبير قبل أسبوع، كما كان من المستحيل الوصول إلى بعضها. أما الآن، فقد بدأ الوضع يشهد بعض الهدوء كما بدأت غالبية المستشفيات تعمل بكامل طاقتها".

وأضافت كريستاني أن المتطوعين الليبيين المحليين لعبوا دوراً حيوياً في تنظيف المرافق المصابة بأضرار بالغة، مما مكن العاملين في المجال الطبي من توسيع أنشطتهم وعلاج المزيد من المرضى في المستشفيات والعيادات التي كانت خارج الخدمة سابقاً.

ولكنها أكدت أن "هذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام"، مشيرة إلى أن منظمة أطباء بلا حدود تدير عيادات متنقلة للمساعدة في علاج عدد كبير من المهاجرين المعرضين للخطر والذين يعيشون في ظل ما وصفته بـ"ظروف مروعة".

وبالإضافة إلى قلة العاملين الصحيين، ونقص الإمدادات الطبية اللازمة لعلاج جرحى الحرب وذوي الأمراض المزمنة في طرابلس، تتحدث تقارير أخرى عن الفشل في إزالة النفايات من المرافق الصحية، ونقص المياه. كما وردت تقارير في 26 أغسطس عن وجود 200 جثة متحللة على الأقل في مستشفى أبو سليم.

ولا يزال هناك قلق كبير خارج طرابلس بخصوص الاحتياجات الصحية في مناطق مثل مصراتة وزليتن، اللتان تأثرتا بشدة من جراء المواجهات المسلحة وانهيار خطوط الإمدادات الطبية. كما أكدت كريستاني على أهمية تقديم خدمات الدعم النفسي للمتضررين من جراء القتال.

تغيير الأولويات

ويشكل الضغط الذي فرضته الأزمة على المواطنين الليبيين العاديين والأطباء الممارسين على حد سواء أحد الموضوعات التي يتكرر ذكرها منذ اندلاع المواجهات في شهر فبراير. حيث لم يعتد الليبيون على واقع الحرب وما ينتج عنها من آثار. كما لا تملك ليبيا، التي لم تشهد تجارب تذكر في التعامل مع الصراعات الداخلية، خبرة كبيرة في علاج جرحى الحرب أو التعامل مع الصدمات النفسية للمتضررين منها.


ولكن هذا الواقع قد تغير الآن. فحجم الإصابات الناجمة عن الحرب يعني بالضرورة حدوث تغيير في الأولويات الطبية، وتحويل مسار الموارد التي كانت تُخصَّص في ما مضى للحالات الروتينية والرعاية الصحية غير الطارئة. وعلق شبيب، المسؤول بمنظمة الصحة العالمية، على ذلك بقوله أن "لإصابات الحرب آثاراً جسيمة على النظام الصحي بسبب صعوبة علاجها. فهي تحد من توفر الأسِرَّة في المستشفيات وتتسبب في تحويل المرضى العاديين إلى مراكز أخرى وتستنفذ كميات هائلة من الإمدادات وعدداً كبيراً من ساعات العمل".

وأضاف أن نظام الرعاية الصحية في ليبيا كان في الظروف العادية قادراً بشكل كبير على تغطية احتياجات السكان بفضل انتشار أكثر من 100 مستشفى في مختلف أرجاء البلاد، والتقدم في مجالات الرعاية الصحية للأم والجنين، بالإضافة إلى نجاحه في تنفيذ حملات التطعيم ضد الكزاز والحصبة والسعال الديكي. حيث تم القضاء على شلل الأطفال، على سبيل المثال، في عام 1991.

وأضاف شبيب أن "وزارة الصحة وغيرها من المنظمات في بلدان أخرى تضطر لمطاردة السكان لتشجيعهم على تطعيم أطفالهم، وإشراك قادة المجتمعات المحلية في ذلك، في حين لا تحتاج ليبيا لذلك بفضل الوعي الجيد لسكانها بأهمية التطعيم".

ويؤكد الخبراء الطبيون على ضرورة تعزيز هذا التقدم لمواجهة الآثار السلبية للانقسام والأزمات التي عانت منها البلاد طيلة ستة أشهر. فعلى سبيل المثال، شهدت ليبيا فرار الآلاف من العاملين في المجال الصحي على جميع المستويات، وكان كثير منهم من رعايا دول أجنبية من آسيا أو أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. كما واجهت المستشفيات والعيادات نقص الوقود وانقطاع الكهرباء اللذين ألحقا بها أضرراً شديدة. 

علاوة على ذلك، وفي ظل المركزية الشديدة لنظام العمل في البلاد، حيث كانت المشتريات تتم في طرابلس عبر طلب شحنات ضخمة من الأدوية كل عام، حذر مسؤولو الصحة في مناطق مثل بنغازي من صعوبة إبقاء خطوط الإمدادات مفتوحة، ولا سيما استمرار الحصول على الأدوية شديدة التخصص واللازمة لعلاج أمراض مثل السرطان أو السكري.

المناطق الريفية أكثر عرضة للخطر

حذر سامح يوسف، مستشار الصحة في منظمة إنقاذ الطفولة، من أن "هناك تباين كبير في نظام توفير الرعاية الصحية، يظهر بوضوح شديد في المناطق الريفية"، مشيراً إلى أن هناك ضعف شديد في قدرة العيادات الريفية والمرافق الصحية الأخرى، وخصوصاً بعد نزوح رعايا الدول الأجنبية.

وحذر خبراء آخرون من "انكماش" لا مفر منه في القطاع الصحي ككل، بدءاً من الرعاية الصحية الأولية وصولاً إلى المراحل المتقدمة من الخدمات الصحية.

وكانت كريستاني، من منظمة أطباء بلا حدود، قد أفادت أن منظمتها لم تتوصل بعد إلى قرار واضح بشأن فترة بقائها في ليبيا، وأنها تنتظر لترى كيف سيتطور الوضع. في حين حذر شبيب المجتمع الدولي من مغبة التفكير في تخصيص تمويل وقتي ومنفرد لنظام الرعاية الصحية ثم التخلي عنه بعد ذلك، مشدداً على ضرورة اتباع نهج مرن يتماشى مع الاحتياجات المتغيرة. وعلق على ذلك بقوله: "إن العالم يرى أن ليبيا بلد غني وهو كذلك بالفعل، ولكن هذا البلد الغني يتعرض لأزمة كبيرة في الوقت الحالي".


cs/eo/cb-ais/amz