مستقبل مشاركة القطاع الخاص في العمل الإنساني

هبة علي
مدير تحرير إيرين

شهدت مشاركة القطاع الخاص في العمل الإنساني تزايداً مطرداً في العقد الماضي، ومن المرجح أن تلعب دوراً أكبر في فترة ما بعد صدور جدول أعمال التنمية في عام 2015.

وفي هذا السياق، قالت ميليسا مبوب، من قسم القطاع الخاص الذي أنشئ حديثاً في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا): "في مواجهة تناقص الموارد وزيادة الكوارث والأزمات ... لا بد من جلب موارد مبتكرة. يبدو الأمر تقريباً كما لو لم يكن لدينا أي خيار... والنظام الإنساني يعمل بكامل طاقته ... لقد أصبح واضحاً أنه لا يوجد كيان واحد قادر على حل الكثير من مشاكل العالم".

ولكن في كثير من الأحيان، يقول الباحثون والممارسون أن المنظمات الإنسانية والشركات دخلت في شراكات بدون فكرة واضحة عن الأهداف والقيم المشتركة والمتباينة، والميزة النسبية لكل جانب، مما أدى إلى تنفيذ مشاريع المرة الواحدة التي لا يكون لها تأثير يذكر على المدى الطويل. وإذا قُدّر لهذه الضجة حول القطاع الخاص أن تترجم إلى تأثير مستدام وإيجابي، كما يقول الخبراء، فيجب على كل من المنظمات الإنسانية والشركات أن ترجع خطوة إلى الوراء لتقييم أثر مثل هذه الشراكات وإرساء أفضل الممارسات.

النمو

على الرغم من أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص شكلت جزءاً من أعمال التنمية على مدى عقود، فإنها ظاهرة أحدث بكثير من المساعدات الإنسانية. بدأت مشاركة القطاع الخاص في العمل الإنساني في تسعينيات القرن الماضي، ولكنها نمت بشكل جدي في السنوات الـ15 الماضية أو أكثر قليلاً، واتسع نطاقها بعد تسونامي المحيط الهندي في عام 2004.

وفي السياق نفسه، أشار بحث نشرته مبادرات التنمية في عام 2012 إلى نمو التمويل الخاص كحصة من إجمالي الاستجابة الإنسانية من 17 بالمائة في عام 2006 إلى 32 بالمائة في عام 2010 (وبلغ في مجمله 5,8 مليار دولار في ذلك العام).

وفد أنشأت وكالات الأمم المتحدة الكبرى، مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في السنوات الأخيرة وحدات تضم عدداً كبيراً من الموظفين خصيصاً لإجتذاب شراكة القطاع الخاص. وقد شهد الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ، الذي يديره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ارتفاع عدد المانحين من القطاع الخاص من 2 إلى 22 بين عامي 2006 و2010.

ومنذ قيام برنامج الأغذية العالمي بإعداد استراتيجية في عام 2008، أصبح القطاع الخاص سابع أكبر الجهات المانحة للبرنامج. ولكن على الرغم من ذلك، لا تزال مساهمة القطاع الخاص تشكل "قطرة في دلو" مقارنة بالتمويل المقدم من الحكومات. ويهدف برنامج الأغذية العالمي إلى جمع مليار دولار سنوياً من القطاع الخاص في غضون فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات، وفقا لأشرف حمودة، الذي يرأس قطاع الشراكات وتطوير الأعمال التابع للبرنامج في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.

غير أنه وبشكل عام، فشل العاملون في المجال الإنساني إلى حد كبير في الاستفادة من القطاع الخاص. ففي تقرير أصدره برنامج المستقبل الإنساني (HFP) في كينز كوليدج عام 2011، وصفت لندن المساهمات التجارية بأنها "ظاهرة متخصصة" لا تزال مخصصة لموضوع معين وانتهازية إلى حد كبير.

وفي حين وجدت مبادرات التنمية أن 56 بالمائة من دخل المنظمات غير الحكومية جاء من مانحي القطاع الخاص في عام 2010، شكل المال الخاص نسبة لا تتعدى 8 بالمائة من ميزانيات وكالات الأمم المتحدة الإنسانية. وبالإضافة إلى ذلك، قدم الأفراد أكثر من ثلاثة أرباع التمويل الوارد من القطاع الخاص، وهذا يعني أن موارد الشركات والمؤسسات الخاصة ظلت غير مستغلة إلى حد كبير.

من جانبها، قالت لوسي بيرسون، مسؤولة برامج في برنامج المستقبل الإنساني، أن "الفكرة وفقاً لمبادئ الاقتصاد الأولي هي أن كل مجموعة لديها ميزة نسبية، ولم يتم تعظيم الميزة النسبية للقطاع الخاص بعد". 

حواجز

لا يزال هناك عدم فهم، ودرجة كبيرة من عدم الثقة، وما أطلق عليه بعض الخبراء "صدام الثقافات" بين القطاعين الإنساني والخاص.

وحسب جون هولمز، منسق الإغاثة الطارئة السابق الذي يعمل الآن كرئيس مشارك للجنة الإنقاذ الدولية في المملكة المتحدة، فإن "العاملين في المجال الإنساني يشعرون بتوتر شديد فيما يتعلق بالقطاع الخاص. إن النظام الإنساني والقطاع الخاص لا يعرفان كيف ينبغي أن يتحدثا مع بعضهما البعض". 
 

وفي كثير من الأحيان، تنظر المنظمات غير الحكومية إلى الشركات الكبرى على أنها من "الأشرار" الذين يشكلون جزءاً من المشكلة وليس الحل، في حين قد يساور المستفيدين الشك في المساعدات التي تقدمها الكيانات التجارية.

ولكن الاهتمام يتزايد من الجانبين: فالعاملون في المجال الإنساني تواقون إلى اجتذاب مصادر متنوعة للتمويل ونهج ومهارات وتقنيات مبتكرة، في حين تبحث الشركات عن وسيلة لتحسين صورتها، وتحفيز الموظفين والاحتفاظ بهم، واقتحام أسواق جديدة. كما تنظر الشركات الخاصة على نحو متزايد إلى الاستثمار في مجال الحد من مخاطر الكوارث باعتباره شرطاً أساسياً لاستمرارية العمل، بدلاً من مجرد الرغبة في تحسين صورتها. وفي كثير من الحالات، يقوم القطاع الخاص - وليس العاملون في المجال الإنساني - باتخاذ الخطوة الأولى.

وإذا كانت مثل هذه الشراكات هي الطريق إلى المستقبل، فما هي بعض الدروس التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار؟

ليس مجرد بقرة حلوب

يتمثل أهم استنتاج في الأمر في ضرورة معاملة القطاع الخاص على أنه أكثر من مجرد بقرة حلوب. حيث أفادت فاليري أموس، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الأمر أقل ارتباطاً بالمال وأكثر ارتباطاً بالمهارة والقدرة".

لقد حدث بالفعل تحول من المساعدات النقدية والتبرعات العينية إلى تبادل الخبرات الفنية والكفاءات الأساسية الأخرى. ومن بين 33 شراكة بين مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والشركات الخاصة أو الأفراد، شهدت أنجح الشراكات قيام شركة اريكسون بتركيب نظم الاتصالات السلكية واللاسلكية في حالات الطوارئ، وشركة دي اتش إل بتنظيم البضائع الواردة إلى المطارات أثناء الكوارث، والمطربة بيونسيه برفع مستوى الوعي حول الاحتياجات الإنسانية.

وقد حدثت إحدى قصص النجاح التي غالباً ما تروى في تنزانيا، حيث لا يمكن أن تجد عقار الباراسيتامول في بعض المناطق النائية، ولكنك تستطيع أن تجد مشروب الكوكا كولا. ولذا دخلت شركة المشروبات الغازية في شراكة مع الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا لمساعدة وزارة الصحة في تحسين سلسلة التوريد.
كما يتزايد اللجوء إلى القطاع الخاص للقيام بدور مباشر أكثر لتقديم الخدمات. وبينما تدخل وكالات المعونة في شراكة مع شركات مثل أورانج أو ماستركارد لتمكين إجراء التحويلات النقدية إلى المتضررين من الكوارث والنزاعات، تدرك الجهات الفاعلة الإنسانية الآن أن القطاع الخاص يمكن أن يشارك في ذلك أيضاً، على سبيل المثال، في تصميم بطاقات السحب الآلي أو إجراء دراسات استقصائية عن المستفيدين.

شراكات استراتيجية

يقول أشرف حمودة، من برنامج الأغذية العالمي: "إننا بحاجة إلى أن ننظر في الشراكة ليس فقط من حيث حجم المال، ولكن أيضاً من حيث مدى استراتيجيتها في تحقيق أهدافنا".

وقد رأى حمودة العديد من وكالات المعونة تفشل بسبب ذهابها إلى القطاع الخاص بقائمة أمنيات يريدون الوفاء بها. وهذا بالنسبة له "نهج خاطئ تماماً". وهو يوصي بدلاً من ذلك بتصميم كل شراكة وفقاً للمهارات وبرامج المسؤولية الاجتماعية للشركات الخاصة بالشركة المعنية.

وأضاف أن "المال موجود والعزيمة موجودة ونية القطاع الخاص موجودة. إننا بحاجة فقط إلى تصميم برامج خاصة بالشكل الصحيح الذي يناسب كل شركة. إن الشراكة ليست رداءً ذو حجم واحد يناسب الجميع".

وبالإضافة إلى ذلك، بدلاً من التوجه إلى القطاع الخاص للحصول على المساعدة بعد وقوع الكارثة، ينبغي إقامة شراكات في وقت مبكر تهدف إلى الاستثمار طويل الأجل في أشياء مثل التأهب للكوارث، حسب بيرسون من برنامج المستقبل الإنساني.

توفير نقطة دخول

ولتحقيق ذلك، يحتاج القطاع الخاص إلى إطار ينخرط من خلاله في العمل الإنساني. وتكمن إحدى المعوقات الرئيسية التي تواجه القطاع الخاص في عدم وجود الوعي بكيفية الانخراط، وفقاً لمبوب من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

وقد أعطت الشراكة بين مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) كبار العاملين في المجال الإنساني منصة بين رؤساء الشركات العالمية؛ وحاولت منتديات مختلفة - من بينها مبادرة الاتفاق العالمي التي أسسها كوفي عنان، ومنتدى الأعمال الإنسانية الذي يتخذ من جنيف مقراً له، وبوابة الأمم المتحدة للأعمال، ومبادرة التأثير العالمي، ومبادرة الإغاثة الإنسانية التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي، ومبادرة الشراكة - تسهيل مشاركة القطاع الخاص. ولكن "لا يوجد إطار عام لمشاركة القطاع الخاص بطريقة منهجية"، حسب بيرسون.

وفي عام 2008، نشر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والمنتدى الاقتصادي العالمي المبادئ التوجيهية للتعاون بين القطاعين العام والخاص في مجال العمل الإنساني، وقد تبنت عدة وكالات إغاثة المبادئ الداخلية الخاصة بها. ولكن وفقاً لتقرير المستقبل الإنساني، "كثيراً ما تثير هذه المبادئ التوجيهية وطرق الفحص المختلفة أسئلة أكثر من تقديمها لأجوبة حول المعايير أو المبادئ الواجب تنفيذها وكيفية القيام بذلك ومكان التنفيذ".

وأضافت بيرسون أن الحكومات فشلت إلى حد كبير في أخذ القطاع الخاص بعين الاعتبار عند صياغة خطط إدارة الكوارث، ولا تقوم بإشراكه في كثير من الأحيان إلا في مراحل لاحقة من العملية، بدلاً من إتخاذه "شريكاً على قدم المساواة" في بداية العملية. كما حذرت من تجاهل قدرات القطاع الخاص المحلي، بما في ذلك الشركات الصغيرة على وجه الخصوص.

المرونة

أخبرت منظمات عديدة تابعة للقطاع الخاص شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنها تجد النظام الإنساني يتسم بالجمود الشديد ويصعب العمل معه.

فعلى سبيل المثال، عندما عرض بنك الطعام المصري مساعدة برنامج الأغذية العالمي في تنفيذ برامجه الخاصة بالتغذية المدرسية، لم يتمكنا من التوصل إلى اتفاق، كما أوضح معز الشهدي رئيس البنك، لأنه كان يقدم الوجبات الساخنة الجاهزة المطبوخة بالمجان، في حين تم تصميم نظام برنامج الأغذية بحيث يوفر الأطعمة ذات الطاقة العالية، مثل معمول التمر. 
 

ومن جهتها، قالت مبوب "إذا كنت ترغب في العمل مع القطاع الخاص كنظام إنساني، عليك أن تكون أقل خوفاً من المخاطر وتتمتع بنفس القدر من الابتكار الذي يتمتعون به. يجب أن تكون أقل جموداً".

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) العام الماضي، قال فتحي بوهزاع، مؤسس منظمة كير باي إير (Care by Air) ومديرها التنفيذي، وهي عبارة عن مجموعة من شركات الطيران التي تقدم مساحات شحن للوكالات الإنسانية بسعر التكلفة، أنه كان مندهشاً من ضعف إقبال المنظمات الإنسانية بالرغم من أنها تنفق الكثير من المال لاستئجار رحلات جوية خاصة أثناء الكوارث.

وأضاف أن "[وكالات الأمم المتحدة] تتبع نفس الروتين منذ فترة طويلة، وتسأل في نهاية المطاف: ماذا ستجني أنت من ذلك؟"

ما هي القيمة المضافة؟

يشكل غياب التفاهم المتبادل جزءاً من المشكلة يرتبط بالندرة العامة للبحوث في هذا المجال، ليس فقط بشأن المنح الخاصة ولكن أيضاً بشأن دوافعها.

وقد وجدت الدراسات القليلة المتوفرة أن نجاح الشراكة يتطلب أن يقضي كلا الشريكين بعض الوقت لفهم بعضهما البعض، وتحديد حاجة معينة، ومناقشة الأهداف المشتركة والخطوط الحمراء، وتحديد القيمة المضافة التي يقدمها كل جانب على طاولة المفاوضات، والمراجعة المستمرة لتأثير الشراكة بينهما.

ولكن غي كاربونييه، أستاذ في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف والرئيس السابق لعلاقات القطاع الخاص في المديرية العامة للجنة الدولية للصليب الأحمر، يرى أن هذا نادراً ما يحدث. حيث أفاد خلال مشاركته في مؤتمر عن المعونة الإنسانية في دبي في وقت سابق من هذا العام أنه "لا توجد تقارير عن... التأثير المحدد للشراكات بين الوكالات الإنسانية والشركات من حيث إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة وحماية الكرامة الإنسانية. هذه بالتأكيد نقطة ضعف".

ليست حلاً ناجعاً

تكتسب المراجعة المستمرة والدورية أهمية كبيرة نظراً لقيام المنظمات الإنسانية بتوسيع نطاق شراكاتها. ففي حين كانت لائحة الشركات المحظور التعامل معها، والتي تشمل في الأساس الشركات التي تجني أرباحاً من تجارة الأسلحة أو الكحول أو التبغ أو المقامرة، تحوي أيضاً القطاع المصرفي وقطاع الصناعات الاستخراجية، إلا أن تحسن هياكل الحكم التي تم تبنيها بعد الأزمة المالية لعام 2008 وزيادة الضغط على هذه الشركات لتصبح صديقة للبيئة قد يمهد الطريق لإقامة شراكات "مسؤولة" مع القطاعين الأخيرين، حسب أشرف حمودة.

ومن المرجح أيضاً أن يشارك القطاع الخاص في المجالات التي تقع خارج نطاق الإغاثة في حالات الكوارث، بما في ذلك مرحلة التعافي وجهود الحد من مخاطر الكوارث. ولكن في نهاية المطاف، هناك حدود لما يمكن أن تنجزه الشراكات.

فحسب دراسة لمنظمة وورلد فيجن (World Vision) حول الشراكات بين المنظمات غير الحكومية والشركات في عام 2008، "لا تقدم الشراكة بالضرورة الحل لجميع المشاكل العالمية المعروفة. قد تكون تكاليف المعاملات التي تنطوي عليها الشراكة عالية ويمكن أن تكون غير متناسبة مع الفوائد التي تعود على المشاركين في نهج الشراكة، وأحياناً تصبح الشراكة استجابة غير عملية لوضع يتطلب ببساطة عملاً مباشراً من قبل قطاع واحد".

وتجدر الإشارة إلى أن الشراكات مع الكيانات التجارية واجهت مقاومة من العديد من الأطراف. وبعد إطلاق مبادرة الاتفاق العالمي، التي تدعو الشركات إلى الدخول في شراكات مع الأمم المتحدة وتبني مبادئها، اتهمت المنظمات غير الحكومية كوفي عنان بالمخاطرة بسمعة الأمم المتحدة عن طريق "صباغة" الشركات بألوان علم الأمم المتحدة، وإلزامها بالحصول على موافقة الأمم المتحدة على جميع المقاصد والأغراض. كما أعرب النقاد عن مخاوفهم من أن المشاركة المبالغ فيها من جانب القطاع الخاص ستعزز سيطرة الجهات المانحة على العمليات وتؤثر على نزاهة تقديم المعونة.

لكن بيرسون تصر على أنه ما دام كل طرف يعترف بالميزة النسبية للطرف الآخر ويحترمها، سيقدم "القطاع الخاص فرصة أكبر بكثير من التهديد الذي يمثله".

ha/cb-ais/amz