تحليل: الأمم المتحدة في عام 2023

تواجه الأمم المتحدة ووكالات المعونة الأخرى مستويات متنامية من الاحتياجات الإنسانية: فقد تضاعف عدد الكوارث المسجلة خلال العقدين المنصرمين بحسب تقارير الأمم المتحدة، فيما تظل الفجوة بين الاحتياجات والاستجابة متواصلة في سياق مشهد إنساني متغير- ويحدث هذا في ظل تآكل هيمنة وكالات الأمم المتحدة وأكبر 10 منظمات غير حكومية دولية تدريجياً بسبب تحول ميزان القوى إلى الشرق والجنوب.

وعلى هذه الخلفية، يخيم في الأفق عدد من المخاطر التي قد تسبب كوارث في المستقبل والتي يبدو أن الكثير من المنظمات الإنسانية غير مستعدة لمواجهته كتفشي أمراض جديدة، وتنامي مشكلة ندرة المياه، ووقوع كوارث في المدن الضخمة، وحدوث جرائم الفضاء الإلكتروني، وانتشار أسلحة بيولوجية وكيماوية. وتعليقاً على هذا الوضع، سألت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) محللين وموظفين في الأمم المتحدة حول التغيرات الرئيسية في النهج والهيكل والتوجه، الذي تحتاجه وكالات الأمم المتحدة لكي تصبح أكثر قدرة على التعامل مع مستقبلنا الإنساني.

على مدار العقد الماضي، أدخلت الأمم المتحدة إصلاحات هامة بغية تحسين استجابتها الإنسانية، وكان الكثير من تلك الإصلاحات إيجابياً: فحماية المدنيين أصبحت تحتل الآن مكانة أكثر محورية في العمليات التي تقوم بها الأمم المتحدة، ولم يعد يتم تجاهل النازحين داخلياً، وتتواصل وكالات عدة، بما في ذلك مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) مع مجموعات أكثر تنوعاً من الشركاء الإنسانيين، كما يزداد التركيز على المساءلة تجاه المستفيديين (بعد أن أصبح التدقيق الآني ممكناً بفضل وسائل التواصل الاجتماعي).

بالإضافة إلى ذلك، تم تعزيز الأعراف والمبادئ التوجيهية، فقد حسّنت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية من عملها في كل مرحلة من مراحل دورة البرامج، وذلك بحسب بول نوكس-كلارك، رئيس البحوث والاتصالات في شبكة التعلم النشط من أجل المساءلة والأداء في العمل الإنساني (ALNAP)، من الإنذار المبكر إلى تقييم الاحتياجات، ومن تنفيذ البرامج إلى تقييمها. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "يتم حالياً مخاطبة الكثير من التحديات التقليدية مثل عدم تنسيق عمليات التقييم وعدم ملائمة المنهجيات".

ويتزايد اعتماد الاستجابة الإنسانية على الأدلة بدلاً من الروايات غير الموثقة، ما يُمثل "تحولاً عميقاً"، على حد قول بيتر ووكر، رئيس مركز فينشتاين الدولي بجامعة تافتس، وهو ما يعتبره "أقرب إلى التغير الذي حدث في كيفية تقديم الرعاية الصحية في فترتي السبعينيات والثمانينيات".

ويحظى منسقو الإغاثة الطارئة ومنسقو الشؤون الإنسانية الآن بالمزيد من الاحترام (أو على الأقل أصبح رؤساء الوكالات يحضرون اجتماعاتهم)، وهناك أيضاً مزيد من الشفافية عبر مختلف مؤسسات التمويل- حيث وقعت 160 وكالة وهيئة مانحة على مبادرة شفافية المعونة الدولية، وطوّرت المجموعات وصناديق التمويل المجمعة والطرق التي تستخدمها الأمم المتحدة لتنظيم بعض حالات الاستجابة وتنسيقها.

من ناحية أخرى، يقول بعض النقاد أن التغيير في القطاع الإنساني في الأمم المتحدة كان في كثير من الأحيان تدريجاً، ويمكن اعتباره مبادرات فردية إضافية، وليس تغييراً هيكلياً رئيسياً أو إصلاحاً شاملاً في النهج والعمليات والمواقف. وقد حثّ عدد من التقييمات الأمم المتحدة على أن تكون أكثر استباقية واستراتيجية وابتكاراً، وأن تسخر قوة العديد من فروعها للتنبؤ والاستعداد للأزمات في المستقبل.

وتعالج المبادرات الفردية بعضاً من هذه النواحي. فعلى سبيل المثال، يعتمد "جدول الأعمال التحوُّلي" لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) على الاستفادة من حالتي زلزال هايتي وفيضانات باكستان في محاولة لتحسين المساءلة والتخطيط الاستراتيجي والتنسيق والقيادة. ولكن المحللين يرون أن التغييرات الثورية لم تحدث بعد.

ولخص هذا الوضع راندولف كينت، أحد كبار العاملين في المجال الإنساني مع الأمم المتحدة والذي يعمل حالياً رئيساً لبرنامج مستقبل العمل الإنساني في كلية كينجز في جامعة لندن، بقوله: "ما هي الشركة التي لا تزال قائمة في العالم، ولم تجر تغييراً جذرياً في نموذج عملها أو طريقة تشغيلها لمدة 60 عاماً؟"

وقد قدم محللون وموظفون التوصيات التالية:

توسيع عضوية النادي

يرى النقاد أن الجهات الفاعلة الأقوى في القطاع الإنساني لا تزال غربية التوجه، مما أوجد "نظاماً مزدوجاً" لمن هم داخل النادي وخارجه. وقال إد شينكينبيرج فون ميروب، رئيس المركز البحثي المختص في المجال الإنساني "دارا"، أن الأمم المتحدة تخاطر بتجاهل مساهمات المجتمع الإنساني غير الرسمية- الجماعات الشعبية وجماعات المجتمع المدني والشتات والمجتمعات المحلية المضيفة. وأضاف قائلاً: "لا يزال الكثيرون يعتقدون أن كل شيء يحدث داخل الفريق القطري الإنساني".

وتبذل بعض الوكالات محاولات جريئة للتواصل مع الأطراف الفاعلة الأخرى دون إدراك أن قواعد النادي قد تحتاج إلى تغيير. وأضاف فون ميروب، في إشارة إلى تركيا التي قررت أن تعمل خارج نظام المجموعة فيما يتعلق بالوضع في الصومال: "يسعى المجتمع الإنساني التقليدي إلى تحويل نفسه إلى ناد حصري ويتواصل الآن مع الأعضاء غير التقليديين ليسألهم إذا كانوا يريدون الانضمام إلى عضويته. وينبغي أن لا نندهش عندما ترفض دولاً هذا العرض". ويرى أنطونيو دوني، وهو باحث أول في مركز فينشتاين عمل مع الأمم المتحدة لمدة 26 عاماً، أن دولاً مثل الصين وقطر قد لا توافق على قواعد النادي.

وقال ووكر: "هناك حاجة لتوسيع دائرة هذه القواعد أو مناقشتها من جديد... عن طريق الانفتاح الذي لم نشهده حتى الآن". وأضاف أن الأمر يحتاج إلى أطراف تقليدية: ينبغي أن تسمح بذلك الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الكبرى التي تصل إلى نحو 9 منظمات، موضحاً أن "التوجه الحديث قد انصب على تركيز القوة وليس توزيعها. وهذا سيشكل تحدياً للطريقة التي كانت تُدار بها الأمور خلال الثلاثين عاماً الماضية".

بالمثل، يرى سيبرين فابر، رئيس المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية (ECHO) لقطاع غرب أفريقيا، أنه لا يجب تخفيف المبادئ الإنسانية (فقد جرى تخفيفها بالفعل)، بل ينبغي السعي لفهم وجهات النظر المختلفة. فبعض المنظمات غير الحكومية تعطي أولوية للعدالة على الحياد وتصل إلى تفاهم مشترك.

ما الذي يمكنك فعله؟

إعادة تصحيح موازين القوى المختلة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من منظومة العمل الإنساني يجب أن يؤخذ أيضاً في الاعتبار فيما يختص بالعلاقة الجديدة بين الأطراف الإنسانية "المقدمة" للمعونة و"المتلقية" لها، حسبما يرى كينت. وأضاف قائلاً: "لقد انتقلنا بعيداً عن الشعور بالضحية، إلا أننا لا نزال نظاماً يعزز بطبيعته الشعور بعدم المساواة... نحن بحاجة إلى شيء أكثر تفاعلاً.. شيء على غرار: يمكنني أن أقدم لكم هذا، ويمكنك أن تقدم لي ذاك". فعلى سبيل المثال، تُبذل جهود ممتازة في غانا بشأن التكيف مع تغير المناخ- لذا فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح:  كيف يمكن تطبيق تلك الخبرات في المملكة المتحدة أو الهند. وأضاف قائلاً: "هذا منظور مثير للاهتمام".

وتـحتاج الوكالات العاملة في المجال الإنساني إلى تجريب الشراكات بين القطاعين العام والخاص ونماذج الأعمال وإفساح المجال أمام الابتكار والإقدام على المخاطر التي تنطوي عليها. وفي هذا قال كينت: "قد لا ترغب حكومة ما في وجود منظمة غير حكومية دولية أخرى على أرضها، ولكنها قد ترغب في شركة قطاع خاص لديها اهتمام في الدولة. فربما تكون شركة جونسون آند جونسون، على سبيل المثال، أكثر كفاءة في تشجيع الصحة عن المنظمات غير الحكومية". وتساءل قائلاً: "هل نستوعب كيف يمكن للشركات أن تسهم في تشجيع الاستدامة والقدرة على الصمود؟ هل يستطيع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إقامة منصة بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي لإظهار كيف يمكن أن تسهم الابتكارات والممارسات المبدعة التي تأتي من القطاع الخاص وغيره من القطاعات غير التقليدية في تعزيز الحد من الكوارث والتأهب والاستجابة والتعافي في فترات ما بعد الكوارث؟"

إلى ذلك، قال أندي ثاو، مسؤول الشؤون الإنسانية في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن وكالات الأمم المتحدة بحاجة إلى "دعم الناس للإقدام على المخاطر وتخصيص أموال لتنفيذ الأفكار الجيدة،" مضيفاً أن "معظم الأفكار الجيدة تأتي من الموظفين المحليين أو الإقليميين وليس من المقرات الرئيسية".

وتنخرط بعض الوكالات، مثل برنامج الأغذية العالمي، في هذه الحوارات التي تعالج على نحو منظم كيف يمكن للأسواق أن تقدم الغذاء وكيف يمكنه مساعدتها على ذلك من خلال المساعدات النقدية وغيرها من الأساليب الأخرى. وقال ووكر: "هذا يشكل تحدياً لفكرة أن الجهات الإنسانية هي مقدمة للغذاء أو الرعاية الصحية. إنه أمر مثير للاهتمام ونحن فقط في بداية النقاش".

المناصرة والتنبؤ والقيادة

وعلى مدار السنوات الأخيرة، شدد العديد من المحللين على ضرورة قيام الأمم المتحدة بالتركيز على تحسين القيادة والدعوة والاستراتيجية في الأزمات الإنسانية. وتعليقاً على هذا الأمر، قالت سارة بانتوليانو، رئيس الفريق المعني بالسياسة الإنسانية في معهد التنمية الخارجية: "يجب على وكالات الأمم المتحدة معالجة هذه القضايا على مدار السنوات العشر المقبلة إذا أرادت تحسين نوعية الاستجابة على الصعيد العالمي".

وقال أحد الأشخاص الذين تحدثت إليهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه إذا تعاونت وكالات الأمم المتحدة معاً لوضع معايير مشتركة، ورصد نوعية الاستجابة ونشر الدروس المستفادة، وتحسين ورصد التقدم المحرز بشأن الحد من مخاطر الكوارث، والإنذار المبكر والتأهب، "فسيكون ذلك رائعاً". وهذا الأمر لا ينطوي على تفكير رؤيوي فحسب بل يشمل أيضاً تخفيف العمليات الإدارية اليومية (مهام مثل تعيين الموظفين أو شراء المعدات التي تتطلب ملء الاستمارات وخطوات لا نهاية لها) وإتاحة الفرصة للتخطيط الطويل الأجل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدراسة التي أجراها برنامج المستقبل الإنساني (HFP) عام 2011 على ستة فرق قطرية تابعة للأم المتحدة، قد توصلت إلى أن كبار الموظفين في الوكالة ينفقون جُلّ وقتهم على مهام التخطيط القصير الأجل.

وتختلف الآراء حول ما إذا كان تنفيذ العمليات يُضعف قدرة وكالات الأمم المتحدة على القيام بجهود المناصرة في المسائل المعقدة المتعلقة بالمبادئ الإنسانية مثل سبل الوصول في سوريا. وفي هذا، يرى فون ميروب، أن الأمر يعتمد على السياق، حيث قال: في وضع مثل سوريا حيث تكون الحكومة طرفاً في الصراع، قد يكون لجهود المناصرة القوية والنشطة أثر أكثر أهمية وأبعد مدى إذا لم تكن منخرطة في التنفيذ كذلك. "ينبغي أن لا نكون سذج، فالأجندة السياسية تهيمن على كل شيء... وفي سياق كهذا، تذهب المساءلة إلى مدى أبعد وأهم من مجرد التواصل مع السكان المتضررين من الكارثة. الأمر يتعلق بالإشراك والمشاركة والاختيار. خذ على سبيل المثال اللاجئين السوريين الذين يجبرون- من قبل الحكومات المضيفة- على العيش في المخيمات، التي غالباً ما توصف بالخطورة- بدلاً من العيش مع أسرهم ... إن المساءلة هي البحث عن أفضل طريقة لحمايتهم ومساعدتهم في الحفاظ على كرامتهم".

وقد تنطوي القيادة الأفضل على جميع هذه الجبهات على التحرك نحو خلق ترابط حقيقي. وقال أحد موظفي الأمم المتحدة: "لقد قسمنا احتياجات البشر على وكالات مختلفة، لدى العديد منها أُطُر مختلفة للمساءلة – وهذا أمر غير منطقي". الجمع بين الوكالات تحت سقف عدد أقل من شأنه أن يحل الكثير من المشكلات حول الخلافات المؤسسية والولايات. مع ذلك، يجب أن يكون مثل هذا المشروع الطموح مدفوعاً من قبل الدول الأعضاء، و"الدول الأعضاء لا تريد ذلك- فهي تريد أن يكون لهم الرأي الفصل حول ما يتعلق بوكالة الأمم المتحدة الخاصة بهم".

وقد التنافس للحصول على التمويل متعدد القطاعات، الذي ينبغي أن يُدار بشكل أفضل من خلال تنسيق تقوده المجموعات، لترسيم الحدود بشكل أوضح. وفي هذا يقول أحد موظفي الأمم المتحدة أن إصلاح التمويل أمر قد طال انتظاره: "لم نجر تعديلات على عملية النداء الموحد خلال عشر سنوات... ينبغي أن يكون قد تم تبنيها الآن".

الأمن على مفترق الطرق؟

وقال العديد ممن تحدثت إليهم شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن الابتكار والإقدام على المخاطر ينبغي أن يمتد إلى البروتوكولات والسياسات الأمنية للأمم المتحدة، قائلين أن دور الأمم المتحدة في حالات الطوارئ المعقدة مثل العراق وأفغانستان والصومال، قد تراجع بسبب السياسات التي تتجنب المخاطر وهو الأمر الذي يحد بشدة من سبل وصول الأمم المتحدة إلى المجتمعات المحتاجة. وحذر بانتوليانو من أنه إذا لم تفكر الأمم المتحدة في طرق أكثر مرونة للعمل والبقاء في حالات الطوارئ المعقدة "فإنها قد تصبح غير ملائمة في الأزمات المُسيّسة". ولخص ناقد آخر الوضع بقوله: "منظمة أطباء بلا حدود والصليب الأحمر هم فقط المتواجدون هناك".

وقال اليجرا بايوكتشي، رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في غرب أفريقيا، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "علينا أن نتمتع بخفة الحركة والمرونة والسرعة" عندما يتعلق الأمر بالقرارات التي تخص الأمن... نحن بحاجة إلى معلومات أفضل حول المخاطر التي تتعلق بالعمليات بدلاً من التقوقع في إدارات منفصلة لأن الحوادث الأمنية تُحدث انتكاسة للعمليات يمكنها أن تمتد لشهور بل حتى لسنوات. أعتقد أننا نقف عند مفترق طرق فيما يتعلق بالأمن- لذا نحن بحاجة إلى العمل على تعزيز قبولنا ولكن ينبغي علينا في الوقت ذاته العمل على تحسين أنظمة إدارة الأمن لدينا".

إلى ذلك، قال فون ميروب أن سوريا تمثل "لحظة فارقة" مضيفاً أنها ينبغي أن تكون عامل تحفيز لإيجاد الطريقة المناسبة لنصبح أكثر فعالية في حالات الصراعات المسلحة. وهذا يشمل الدور التنسيقي للأمم المتحدة".

مواكبة المساءلة

واتساقاً مع الاضطلاع بدورها القيادي، ينبغي على الأمم المتحدة إيجاد سبل للبحث والتدقيق وتوثيق الكم الهائل من المعلومات التي تنتج عن الاستعانة بمجموعة كبيرة من المصادر الخارجية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى تتمكن المجتمعات، بما في ذلك السلطات المعنية ووكالات المعونة، من استخدامها بشكل أفضل. ويرى ووكر أنه في غضون 10 سنوات، سوف تدرك الوكالات أن المعلومات تمثل إحدى الحقوق في حالات الكوارث- مثل الحق في الغذاء أو المأوى. وهذا ينطبق على الولاية المكلفة بمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية ورسالته".

ما هي الأمور التي لن نقوم بها؟

وعلى مدار العقد المقبل، سوف يتعين على الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية الأخرى أن تكون أكثر وضوحاً في تحديد ما ستقوم به وما لن تقوم به. وفي هذا الصدد، قال ووكر: "يجب إجراء نقاش حول الأمور التي نحن بصددها هنا وماهية النظام والمشاركين فيه وما هي طبيعة أدوارهم". وأضاف قائلاً: "إذا ما نظرنا إليه على أنه مرفق عالمي لمكافحة الحرائق يستجيب لكل كارثة وينقذ جميع الأرواح قدر المستطاع، ثم يُضاف إلى ذلك الحد من الكوارث والتعافي المبكر وتعزيز القدرة على الصمود، فهذه أمور طموحة جداً وتحتاج إلى المزيد من القدرات. لكن إذا ما اقتصر الدور على التدخل فقط عندما لا تستطيع الحكومة التدخل أو لا تستجيب، فربما بالإمكان إدارة الأمر بسهولة أكثر".

ويرى ووكر أنه يجب إزالة اللبس الذي يكتنف عدم التطابق الحالي بين ما الذي يحدد طبيعة المعونة الإنسانية وكيفية استخدامها، حيث قال: "إن جوهر المعونة الإنسانية هو توفير ضوء في وقت الظلام- والقبول بأننا نستطيع التعامل فقط مع الأعراض". وهذا يشمل حماية الناس من الخوف والعنف- بما في ذلك العنف الجنسي- الذي وإن تحسن في بعض المجالات (مثل حماية الأطفال، إلا أنه لا يزال يفتقر إلى القيادة والترابط في وكالة واحدة لدفعه قُدماً. ولكن هذا يختلف إلى حد كبير باختلاف المشروع الذي تُخصص من أجله الأموال. وتعليقاً على هذه النقطة، قال أولير بوستون، اخصائي التمويل في مبادرات التنمية: "يمكن أن تخرج ببرنامج مختلف جداً إذا كنت تمول مشروع يمتد لعقد من الزمن بقيمة 500 مليون دولار في السودان مقابل عشر مشروعات لمدة عام واحد قيمة كل منها 50 مليون دولار".

وعلى مدار العقد الماضي، تغيرت الدول العشر الأكثر تلقياً للمعونة الإنسانية قليلاً من عام لآخر. ومن بين تلك الدول السودان والأرض الفلسيطنية المحتلة والصومال وأفغانستان. وأضاف أنه يجب تعزيز القدرة على الصمود في تلك الدول: وهي عملية يجب أن تحظى بدعم سياسي، وتتضمن تمويلاً مرناً طويل الآجل. وكما قال كينت: "لدى الأمم المتحدة دور مهم تلعبه ولكن ليس الدور الذي تقوم به".

دع الحكومات تقود جهود تعزيز القدرة على الصمود

وقال بايوكتشي أنه لا يمكن للوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة أن تقود الحوار الخاص بتعزيز القدرة على الصمود. كما يتعين عليها أن تُشرك مجموعة الأمم المتحدة الإنمائية بأسرها، بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشعبة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، والمؤسسات النقدية، والمنظمات الإقليمية والشركاء الوطنيون. وقال ميهير بهات، رئيس الشبكة الآسيوية للحد من الكوارث والاستجابة لها: "خذ على سبيل المثال إطار عمل هيوجو. يجب أن يسهم هذا في كل هدف من أهداف التنمية لما بعد عام 2015، وإلا فلن يتم إحراز أي تقدم فيما يتعلق بالقدرة على الصمود".

وسوف يتطلب هذا في الكثير من الحالات دعم القدرة الوطنية على الاستجابة. وفي هذا يتساءل بايوكتشي: "نقول إننا نريد العمل مع الحكومات، وبناء شراكات حقيقية، ولكن هل نقوم بهذا فعلياً؟". وأضاف: "عندما تشارك الحكومات على نحو نشط، نقول إنها تتدخل- إننا مصابون بنوع من الفصام فيما يتعلق بهذا الأمر". كما أن بعض الدول بحاجة أقل للمساعدة – فقد حسنت كل من موزامبيق وإندونيسيا وباكستان والفلبين، كثيراً من قدراتها على الاستجابة للكوارث على نطاق واسع، وفي هذه الحالات ينبغي على وكالات الأمم المتحدة أن تتراجع وتقوم بدور خدمي.

وقالت جميلة محمود، الرئيس السابق لمنظمة "ميرسي" غير الحكومية في ماليزيا أن "النظرة التقليدية للعديد من وكالات المعونة الشمالية هي بناء القدرات من خلال ورشة عمل. ولكن هذا ليس المطلوب: الأمر يتعلق بالمال، إيفاد الناس إلى السلطات المحلية لتقويتها داخلياً".

وختاماً، قال فابر أن بناء هذه القدرة والتركيز على الصمود "ليس من شأن المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية أو الأمم المتحدة أو البنك الدولي، بل الأمر متروك للحكومات  ... يمكنك تخصيص ما تشاء من الأموال، ولكن لن تُحدث فارقاً ما لم تتوفر إرادة سياسية لدفع هذه الجهود قدماً. هذا التغير يجب أن ينبع من الداخل".

 aj/cb-kab/dvh