مستقبل المعونات الغذائية

أفادت توقعات حديثة صادرة عن وزارة الزارعة الأمريكية أن الأمن الغذائي في بعض أشد دول العالم فقراً قد يتدهور بحلول نهاية العقد المقبل.

فبحلول عام 2023، من المتوقع أن يرتفع عدد الناس الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بنسبة تصل إلى نحو 23 بالمائة أو ما يعادل قرابة 868 مليون شخص (وذلك بمعدل أسرع قليلاً عن النمو السكاني المتوقع المتمثل في 16%)، وذلك بحسب هيئة البحوث الاقتصادية التابعة لوزارة الزارعة الأمريكية التي ركزت على 76 دولة، تتراواح ما بين المنخفضة والمتوسطة الدخل وفقاً لتصنيف البنك الدولي. وتتمير هذه الدول بكونها تعيش على المعونات الغذائية وتعاني من انعدام الأمن الغذائي أو عانت منه في فترة سابقة.

وفي الدول الأكثر احتمالاً للتعرض لارتفاع كبير في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، مثل ملاوي وأوغندا، لن يواكب الإنتاج والاستيراد وتيرة النمو السكاني.

وعلى الرغم من التطورات التي حدثت على مدار السنوات الأخيرة، فمن المتوقع أن تظل دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أشد الدول التي تعاني من انعدام الغذاء في العالم.

وقد شهدت المعونات الغذائية خلال العقد الماضي تراجعاً، بما في ذلك الكمية الموجهة إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ولم يصل تلك المنطقة في عام 2011 سوى 2.5 مليون طن فقط، بينما تراوحت تلك المعونات الغذائية خلال العقد بأكمله ما بين أقل من ثلاثة مليون طن وأكثر من 5 مليون طن، حسب ما أوردته وزارة الزراعة الأمريكية نقلاً عن بيانات برنامج الأغذية العالمي.
إضافة إلى ذلك، فقد بدأ وجه المعونات الغذائية في التغير أيضاً. ففي العقد الماضي، بدأت "المعونات الغذائية" العينية تتحول إلى "مساعدات غذائية" مالية، تتمثل في تقديم مبالغ نقدية وقسائم للأشخاص المحتاجين. وهو ما من شأنه أن يوفر ملايين الدولارات التي يتم إنفاقها على عمليات النقل والتخزين.

ويتوقع برنامج الأغذية العالمي، الذي يعد وكالة المعونة الغذائية الأضخم في العالم، أن يتم بحول عام 2015 تقديم قرابة ثلث برامج المساعدات الخاصة به في شكل نقود وقسائم وأنواع جديدة مما يُطلق عليه اسم "الغذاء الرقمي" من خلال البطاقات الذكية والقسائم الإلكترونية التي يتم إرسالهاعبر الرسائل النصية القصيرة. وفي الفترة ما بين عامي 2008 و 2011، ارتفع عدد مشاريع برنامج الأغذية العالمي التي تستخدم المساعدات النقدية والقسائم من خمسة مشاريع في عام 2008 إلى 51 مشروعاً في عام 2011. كما قام برنامج الأغذية العالمي في ذلك العام بتخصيص مبلغ قدره 208 مليون دولار لتوزيع المساعدات في صورة نقود أو قسائم في الوقت الذي بلغ إجمالي الإنفاق على الغذاء أكثر من مليار دولار.

وحول هذا الموضوع، التقت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) ببعض الخبراء البارزين في العالم للتعرف على توقعاتهم بشأن شكل المعونات الغذائية في المستقبل.

وبما أن الأزمات التي تؤدي إلى الحاجة إلى المعونات الغذائية تحدث إما بسبب كوارث من صنع الإنسان (مثل الصراعات والاضطرابات الاقتصادية) أو كوارث طبيعية (مثل موجات الجفاف والفيضانات والزلازل) أو مزيجاً من الاثنين معاً، فإن ذلك يضع قدرة الناس على الصمود على المحك ويجعلهم يعتمدون على نحو مزمن على المساعدات. وإذا لم يتوفر الغذاء في المناطق المنكوبة، فسيكون الحل هو توفير إمدادات غذائية فعلية. أما في حالة النقص المزمن، فيرى الخبراء أن تقديم النقود أو القسائم، متضمنة في منظومة أوسع للحماية الاجتماعية، ربما يكون الحل لذلك.

التهديدات التي تواجه العقد المقبل

قال كريستوفر باريت، وهو خبير في مجال المعونات الغذائية يُدّرِس في جامعة كورنيل في الولايات المتحدة الأمريكية، إن "التهديدات الكبيرة على مدى العقد المقبل هي تلك التي نواجهها الآن بالفعل والمتمثلة في الصراع أولاً وقبل كل شيء، ومجموعة متنوعة من الكوارث الطبيعية، والاختلالات الرئيسية في الاقتصاد الكلي. كما أن علماء المناخ لا يتحدثون بشكل جدي حول التغيير الحاصل على مدى عقد من الزمان".

انعدام الأمن الغذائي سيتفاقم بحلول عام 2023 في in
ملاوي
تشاد
أوغندا
المصدر: هيئة البحوث الاقتصادية- وزارة الزراعة الأمريكية

من جهته، يوافق دانييل ماكسويل، خبير المعونات الغذائية والبروفيسور في مركز فينشتاين الدولي في جامعة تفتس، على أن مسببات الأزمة لن تتغير بشكل كبير، قائلاً: "أعتقد أننا سوف نستمر في رؤية أنواع الأزمات الممتدة التي شهدناها على مدار العقد المنصرم والتي هي عبارة عن مزيج من الكوارث "الطبيعية" وأخرى من صنع الإنسان... مع وجود عنصر قوي يتمثل في الحوكمة الضعيفة أو الفاشلة والتي قد تظهر في دول ذات حكومات قادرة، ولكن في أجزاء مهمشة منها فقط".

أما إيريك مونوز، وهو مستشار أول للسياسات في منظمة أوكسفام أميركا، فيضيف تذبذب أسعار الغذاء إلى هذا المزيج من الأسباب، مشيراً إلى أن التغير المناخي سيتسبب في اختلالات في "الإنتاج في الدول المصدرة الرئيسية كما أن تدمير المحاصيل في الأسواق الزراعية الهشة سيساهم في تفاقم هذا التذبذب".

مزيد من التحويلات النقدية

دفع تصاعد أسعار نقل المواد الغذائية، وتناقص كميات الإنتاج الإضافي التي يمكن توزيعها كمعونات غذائية، والطبيعة المعقدة للأزمات، مزيداً من الجهات المانحة إلى توسيع خيار استجابتها والتحول من تقديم معونات غذائية عينية بشكل حصري فقط إلى تقديم تحويلات نقدية وقسائم.

وقد علق كريستوفر باريت على ذلك بقوله: "سوف تختفي المعونات الغذائية في غير حالات الطواريء بالشكل الذي نعرفه، ولكن الوظيفة الأساسية لهذه المعونات ستستمر، لأن الطلبات المتنامية على الاستجابة الطارئة سوف تلتهم ميزانيات المساعدات الغذائية المتواضعة المتوفرة، ولأنه سوف يتم استيعاب برامج التغذية المدرسية وصحة الأم والطفل والتغذية وتدعيم أصحاب الحيازات الصغيرة وغيرها من البرامج، في برامج التنمية الأوسع نطاقاً التي تمولها الجهات المانحة".

الدول التي ستظل تعاني من انعدام الأمن الغذائي بحلول عام 2023
جمهورية أفريقيا الوسطى
جمهورية الكونغو الديمقراطية
إريتريا
بوروندي
الصومال
زامبيا
أفغانستان
كوريا الشمالية
اليمن
المصدر: هيئة البحوث الاقتصادية- وزارة الزراعة الأمريكية

كما يعتقد أن مزيداً من الدول التي اعتادت الاعتماد على المساعدات الغذائية سوف "تطور برامجها الخاصة لشبكة الأمان الفعالة" (سواء من خلال خطط ضمان أو تحويلات نقدية مشروطة أو غير مشروطة، والتأمين ضد البطالة أو التأمين الزراعي، إلخ).

ويرى دانييل ماكسويل أنه في الدول التي تعاني من ضعف الحوكمة، قد ينتهي الحال بالمساعدات الغذائية إلى لعب دور شبكة الأمان الاجتماعي، ولكن ليس بشكل جيد جداً "إلا إذا تم دمجها في برامج وطنية- وسوف تتواصل التوترات السياسية بشأن القيام بذلك أم عدمه. ومن المتوقع أن يقود مزيج من العوامل في هذه المناطق المساعدات الإنسانية الطارئة في المستقبل: ففي الوقت التي تم فيه إلقاء اللوم حول المجاعة في الصومال على موجة الجفاف السيئة، كان هناك أيضاً ارتفاع في أسعار المواد الغذائية وصراع مستمر وأزمة مُسيّسة جداً في سبل الوصول. وفي أماكن أخرى، ربما لن تكون الكوارث الطبيعية المفاجئة السريعة ساحات رئيسية للمعونة الغذائية العينية لبطء وصعوبة وصولها أحياناً، وسيتم استبدالها بالنقود أو بتدخلات أخرى".

هل تعوق منظمة التجارة العالمية تحقيق الأمن الغذائي؟

قال كريستوفر باريت أن اعتماد الدول التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي على "الأسواق ومن ثم على الموردين المحليين والإقليميين، سوف يزداد". وأضاف أن هذا قد يحدث لا سيّما إذا تم التوصل إلى اتفاقية منظمة التجارة العالمية في غضون السنوات العشر المقبلة.

والجدير بالذكر أن مفاوضات جولة الدوحة الإنمائية الخاصة بمنظمة التجارة العالمية (التي بدأت في عام 2001)، بشأن التوصل إلى اتفاقية جديدة قد تساعد في تقليص عدد الفقراء في الدول النامية، قد توقفت منذ سنوات.

وتهدف هذه المحادثات إلى الحد من العقبات التي تعرقل الوصول إلى الأسواق، بما في ذلك الإنتاج الزراعي. وفي هذا الإطار، يرى أوليفر دي شوتر، المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن الحق في الغذاء، أن القواعد الحالية لمنظمة التجارة العالمية تعرقل جهود الدول الفقيرة الرامية إلى تحقيق الأمن الغذائي.

من جهته، قال خوسيه لويس فيفيرو بول، أحد نشطاء مكافحة الجوع في جامعة كاثوليك دي لوفان لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن التدخلات في الوقت المناسب من خلال تقديم المعونة الغذائية تنقذ الأرواح: "لكن تدخلات الإغاثة الممتدة (مثل تلك التي ينفذها برنامج الأغذية العالمي على نطاق واسع في العديد من الدول) هي طريقة مشوهة للإبقاء على المساعدات الغذائية في ظروف لم تعد فيها تلك المساعدات ضرورية أو كافية...ولكن المعونات الغذائية تمثل مشروعات جيدة بالنسبة للكثير من الشركات والمؤسسات الدولية". ويتوقع أن تتواصل هذه المشروعات، مشيراً إلى أن تدفق التمويل "أسهل وأسرع بالنسبة للمعونات الغذائية عنه بالنسبة للأمن الغذائي المستدام".

مانحون جدد؟

هل ستظل الجهات المانحة التقليدية؟ وهل ستستطيع الولايات المتحدة، أضخم مقدم للمعونات الغذائية في العالم، إصلاح منظومتها للمعونة الغذائية التي تم تصميمها بحيث تفيد مزارعيها وقطاع النقل الخاص بها؟ تجدر الإشارة هنا إلى أن جهود الرئيس باراك أوباما لإنهاء الصلة بين دعم المزارعين الأمريكيين والمعونة الغذائية الدولية من خلال إلغاء برامج المعونة الغذائية من القانون الخاص بالمزارع الأمريكية ووضعها تحت "المساعدات الخارجية"، من بين إصلاحات جذرية أخرى، قد رُفض في شهر يونيو.

ورغم ما سبق، فإن باريت لا يزال متفائلاً، حيث يقول إن "إصلاح نظام المعونة الغذائية في الولايات المتحدة الأمريكية أمر حتمي. الأمر يتعلق بالتوقيت فقط. ففي غضون عقد من الزمن، أعتقد بأنه من المؤكد أن نشهد تحول البرامج الأمريكية من القانون الخاص بالمزارع وعملية الترخيص. ومن المتوقع أن يتم دمج المساعدات الغذائية الدولية الأمريكية ضمن ميزانية وبرامج المساعدات الخارجية، وسيتم تخفيف شروط "اشتر المنتج الأمريكي" بشكل كبير".

ويتفق معه في هذا الرأي ماكسويل بقوله: "لقد شهدنا بالفعل ارتفاعاً رئيسياً في شراء الغذاء من أجل المعونة في الدول المتأثرة أو المجاورة (عبر عمليات شراء محلية وإقليمية)". وهذا الأمر سيستمر بلا شك".

من جهته، يرى مونوز، من منظمة أوكسفام، أنه سيكون هناك "اهتماماً أكبر" من قبل الاقتصاديات الناشئة بتقديم المساعدات، مشيراً إلى أن "إعادة التفاوض مؤخراً بشأن اتفاقية المعونة الغذائية يعكس على ما يبدو هذا مع بعض التفكير الإبداعي حول توأمة الترتيبات، بحيث يتم شراء الغذاء من إحدى الدول على أن تتكفل دول أخرى بتوفير التمويل اللازم لتغطية تكاليف مثل الشحن والمناولة". وقد حلت مؤخراً اتفاقية جديدة للمساعدات الغذائية محل اتفاقية المعونة الغذائية لعام 1999، التي انتهت فترة سريانها في عام 2002 ولكن تم تمديد صلاحيتها مرات عدة.

ويرى بول، الناشط في مجال مكافحة الجوع، أن المساعدات الغذائية هي إحدى وسائل ممارسة النفوذ الخارجي". وأن الاقتصاديات النائشة مثل البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا "سوف تصبح في وقت قريب مقدمة للمعونة الغذائية... والمشكلة الرئيسية هي أن بعض تلك الدول لا تثق في مؤسسات الأمم المتحدة للقيام بذلك، ولكنها لا تمتلك حتى الآن المؤسسات الوطنية للقيام بذلك بنفسها...

وأشار إلى أن "الإيثار الخالص لا يشكل الدافع الرئيسي لكثير من الدول في تقديم المعونات، ومع ذلك هناك فارق هائل بين الولايات المتحدة وأوروبا في هذا الصدد. فالدول الأوروبية أكثر إيثاراً وقد أثّرت على الآخرين فيما يتعلق بعمليات الشراء من الأسواق المحلية (اختراع أوروبي) والحماية الاجتماعية (الدائمة والمؤقتة)".

ويرى أيضاً أن هناك مزيداً من الشركات الخاصة والمؤسسات الخيرية التي تنضم إلى نادي ]المساعدات الغذائية[، ولكنها تستخدم القدرات اللوجستية للآخرين مثل (وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة)".

jk/cb -kab/amz