نظرة تحليلية على البرامج التكنولوجية المستخدمة في إدارة الكوارث

على مدى عقود، تعتمد الحكومات والمنظمات غير الحكومية على الحلول التي يوفرها القطاع الخاص لجمع البيانات الخاصة بالطوارئ وتفسيرها بغية مجابهة الكوارث. ولكن في الآونة الأخيرة تحمست أعداد متزايدة من هذه الجهات للاعتماد على البرامج المفتوحة المصدر الأقل تكلفة. وقد تحدثت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إلى بعض الخبراء من مختف أنحاء العالم للتعرف على أبحاثهم ومعرفة ما هو أنسب مزيج من هذه البرامج لإدارة الكوارث.

وتقوم البرمجيات الحصرية (أو المغلقة المصدر) بكل شيء بدءً من توفير الصور وبيانات نظم المعلومات الجغرافية إلى البيانات المركزية التي تجمعها الحكومات في مركز القيادة أو ما يُعرف بـ "لوحة المتابعة" خلال الأزمات. وعلى الرغم من وجود هذه البرامج منذ عقود، إلا أنها مُكَلِّفة.

ومن بين أبرز شركات القطاع الخاص العاملة في مجال إدارة الكوارث شركة ESRI التي تتخذ من ولاية كاليفورنيا مقراً لها (كانت تعرف سابقاً بمعهد أبحاث الأنظمة البيئية)، وهي تدير نظام ArcGIS الذي يقوم بإنشاء خرائط تفاعلية باستخدام تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية. وتتحكم هذه الشركة، التي تأسست عام 1969 وتُقدّر أرباحها بنحو 900 مليون دولار سنوياً، في ما لا يقل عن نصف سوق تكنولوجيا نُظم المعلومات الجغرافية.

وفي السنوات الأخيرة، لاسيّما عقب زلزال هايتي في عام 2010، بدأت تتحول مزيد من المدن والمنظمات غير الحكومية إلى استخدام التكنولوجيا المفتوحة المصدر، التي لا تتطلب دفع رسوم مقابل الترخيص لتنزيل البرنامج، بيد أنها ربما تنطوي على جوانب سلبية بما في ذلك نقص الخبراء القادرين على استكشاف المشكلات التقنية المصاحبة لها وإصلاحها، ورفض الحكومات التي تُفضّل استخدام الحلول البرمجية الحصرية الأكثر رسوخاً.

ما المقصود بالبرامج الحرة والمفتوحة المصدر؟

البرامج الحرة والمفتوحة المصدر FOSS هي برامج يمكن تنزيلها واستخدامها ودراستها ونسخها وإعادة توزيعها بتكلفة قليلة أو مجاناً، بهدف إتاحة الفرصة للمستخدمين لتحسين رموز التشغيل والتوصل إلى برامج أكثر قوة. ويصف ستيوارت جيل، المؤسس المشارك لمجموعة مطوري البرامج الحرة والمفتوحة المصدر التي يُطلق عليها Random Hacks of Kindness هذه البرامج بـ "انفجارات الابتكار" بدءً من تصميم البرامج مروراً بتطوير الرموز ووصولاً بالبرنامج إلى أقوى شكل يُمكنه من الاستمرارية.

في البداية ومنذ تأسيسها في مايو 2009، كرّست المجموعة- المدعومة من البنك الدولي والإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) التابعة للحكومة الأمريكية وشركة ياهو ومايكروسوفت جوجل وباكارد وهيويت- جهودها لتطوير حلول برمجية لإدارة الكوارث، ثم وسّعت تركيزها لمعالجة التحديات الإنسانية الأوسع نطاقاً، من خلال عقد اجتماعات نصف سنوية يُطلق عليها مسمى "هاكثونات" حيث يقوم متطوعون في مجال التكنولوجيا (أو الهاكرز) بتطوير النماذج الأولية للبرامج في محاولة لاستباق الكوارث.

وبحسب تقديرات ستيوارت جيل، وصل عدد البرامج التي استمرت من بين مئات النماذج الأولية للبرامج، التي جرى تطويرها لإدارة الكوارث في هذه الفاعليات منذ عام 2009، 50 برنامجاً، منها 10 برامج فقط "جيدة فعلياً".

رخيص وسهل الاستخدام هو شعار برنامج "المستجيب الأول" الذي كان ثمرة إحدى تلك الهاكثونات.  

وفيما يلي نص رسالة البرنامج: "كلمة رخيص تعني عدم الاضطرار إلى شراء خوادم ولا مرافق استضافة. وتعني استخدام أجهزة منخفضة التكلفة مثل الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر اللوحية. كما تعني تقليل التدريب والصيانة والدعم وغيرها من التكاليف الأخرى. وتعني أيضاً أنه بإمكان المنظمة المجتمعية التي توظف متخصصين في تقديم الدعم الفني، الحصول على نسخة البرنامج مجاناً. أما عبارة سهل الاستخدام فتعني قليل من الخيارات ومزيد من التنظيم. وتعني أيضاً أزرار كبيرة وتصميم بسيط. وسهولة الوصول إليها من أي متصفح ويب متصل بشبكة الإنترنت".

لكن مثل هذه البرامج "تعطل" كيفية تعامل قطاع الشركات التجارية مع إدارة الكوارث، حسبما يرى جون كراولي، وهو باحث في المبادرة الإنسانية بجامعة هارفارد في واشنطن، ومتخصص في ربط الحكومات بالبيانات المستقاة من جهود الحشد الجماعي عبر الإنترنت خلال الاستجابة للكوارث، ومؤلف دراسة صدرت عام 2011 عن تبادل المعلومات في حالات الطوارئ.

وأوضح أنه منذ ذلك الوقت وحتى الآن، عملت شركات البرمجيات الحصرية –وتربحت- من تقييد الوصول إلى رموز البرامج، وحققت دخلاً سنوياً متواصلاً من خلال الحفاظ على برامج عملائها. "لكن البرامج المفتوحة المصدر تعطل هذا الدخل السنوي وتنشيء نظاماً تنافسياً وتعاونياً للمطورين".

إدارة الكوارث المطورة من قبل الهاكثونات

First Responder: تطبيق على شبكة الإنترنت لتعقب الاستجابة لحالات الطوارئ في الوقت الحقيقي حيث يعرض للمستجيبين الطريق التفصيلي إلى الوجهات، وحساب المسافات الدقيقة على طول الطرق إلى صنابير إطفاء الحريق، وتوفير معلومات حول مهمة كل مستجيب ومهام الجهات الفاعلة القريبة، فضلاً عن نقاط الاهتمام والمخاطر المحتملة. ويستخدم التطبيق خدمات جوجل بما في ذلك

App Engine Latitude, Maps, Navigation, Picasa, Voice ويسمح باستيراد الأيقونات والصور والبيانات الأخرى إضافة إلى واجهة برمجية لخرائط جوجل، أو API، الأمر الذي يساعد المستجيبين في تقييم مستويات التوظيف، ورصد انتشار الأفراد في الوقت الحقيقي والتواصل مع فرق إدارة الأزمة.

InaSAFE: تطبيق على شبكة الإنترنت يستخدم مجموعة متنوعة من البرامج المفتوحة المصدر ويهدف إلى مساعدة المستخدمين في فهم مخاطر الكوارث الطبيعية واتخاذ قرارات لمرحلة ما بعد الكارثة. وقد استخدم في البداية في جاكرتا بإندونيسيا، حيث يقدم خرائط للطرق التي قد تكون مغلقة، والمدارس والمستشفيات التي ستغلق، ويقدم تمثيلاً مكانياً دقيقاً للإمدادات المطلوبة لدعم السكان خلال الفيضانات. 

Virtual Assembly Point: يوفر قوائم بأسماء ومواقع الأشخاص المتضررين من الكوارث. ومن ثم يُمَكِّن المستخدمين من مشاركة مواقعهم عبر رسائل نصية، يتم بثها في تطبيق ويب تستخدمه مراكز عمليات الطوارئ لتنسيق الاتصال مع الأصدقاء والأقارب وعمال الإغاثة. وقد ساهمت جمعية الصليب الأحمر الكينية في تكييف البرنامج للتعامل مع حالات الطوارئ اليومية والكوارث الكبرى. ويجري حالياً الإعداد لإطلاق النسخة المُعدّلة.

Resilience (قيد التطوير): يهدف إلى تعزيز قدرة المجتمع على مواجهة الكوارث من خلال مساعدة أعضاء المجتمع على الالتقاء معاً والإبلاغعن القضايا التي لا تهدد الحياة في مرحلة ما بعد الكارثة والتوصل إلى حلول لها. وقد دمج المطورون نظام Open311 في هذا التطبيق لمساعدة الحكومات على استخلاص القضايا التي تم الإبلاغ عنها (على سبيل المثال سقوط الأشجار الذي يمكن أن يؤثر على عمليات الإنقاذ)، ويخططون لاختبار التطبيق مع المجتمعات المحلية في أستراليا قبل موسم حرائق الغابات في نهاية هذا العام.

مقاطعة كيبيك في كندا

منذ نحو عقد تقريباً، اهتمت إحدى المقاطعات الكندية بهذا الموضوع. فبداية من عام 2005، تحولت مقاطعة كييك في كندا إلى التكنولوجيا المفتوحة المصدر لتقديم خدمات المعلومات الجغرافية المكانية أو نظام المعلومات الجعرافية (الذي لم يكن قائماً في ذلك الوقت) في وزارة السلامة العامة التابعة للمقاطعة. وفي ظل غياب ثقافة استخدام البرامج الحصرية لإدارة الكوارث فيما يتعلق بنظم المعلومات الجغرافية، لم تكن هناك معارضة تذكر لاستكشاف خيارات التكنولوجيا المفتوحة المصدر نظراً لأن خدمات المعلومات الجغرافية المكانية كانت حديثة بالنسبة للوزارة في ذلك الوقت، بحسب ما قاله نيكولا جيجناك، أخصائي نُظم المعلومات الجغرافية في الوزارة.

وقد بدأ فريق يضم ثلاثة خبراء في نُظم المعلومات الجغرافية، بما في ذلك جيجناك نفسه، في اختبار دعم التطبيقات المفتوحة المصدر الأكثر "نضجاً" التي تقدم دعماً فنياً لمستخدمي نظم المعلومات الجغرافية في كيبيك. ويرى جيجناك أن التطبيقات المفتوحة المصدر الأكثر إفادة وفعالية على مر السنوات، هي Mapserver (عبارة عن محرك خرائط  يوجّه المستخدمين نحو المحتوى)، وOpenLayers  (يقوم بتضمين خريطة دينامية على أي صفحة ويب)، و OGR-GDALأو مكتبة استخلاص البيانات الجغرافية المكانية (مكتبتان تتيحان للبرامج قراءة وكتابة صيغ متعددة من نظم المعلومات الجغرافية) وPostGIS (ملحق لنظام إدارة قواعد البيانات).

ولكن وزارة السلامة العامة كانت-ولا تزال- من بين عدد قليل من الوكالات الحكومية في المقاطعة التي تستخدم التطبيقات المفتوحة المصدر (حوالي 10 بالمائة بحسب تقديرات جيجناك). وتستخدم الوكالات الحكومية في كيبيك الرموز المفتوحة المصدر الخاصة بنظم المعلومات الجغرافية هي المعهد الوطني للصحة العامة، ووزارة الثقافة والاتصالات ووكالة الزراعة، أما باقي السلطات الحكومية والمحلية فقد اختارت الحلول البرمجية الحصرية (في حين قامت بعض الهيئات بتطوير نماذج هجينة تمزج بين الرموز المفتوحة المصدر والحصرية).

تايبيه، جمهورية الصين (تايوان)

وعلى الجانب الآخر من العالم في جزيرة جمهورية الصين (تايوان) المُعرّضة للكوارث الطبيعية، يقوم برنامج ArcGIS بالتعامل مع جميع نظم المعلومات الجغرافية الخاصة بالحكومة تقريباً من خلال نظام إدارة المعلومات الطارئة التي تديرها الوكالة الوطنية لمكافحة الحرائق.  

وقد واجهت الجمهورية الصينية العديد من الأوبئة (مرض الالتهاب الرئوي الحاد أودى بحياة نحو 40 شخصاً) والزلازل (زلزال عام 1999 قتل نحو 2,400 شخص) والأعاصير السنوية.  

وفي هذا الصدد، قال وي- سن لي، نائب الأمين التنفيذي للمركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا للحد من الكوارث، وهي هيئة استشارية شبه حكومية في العاصمة التايونية تايبيه، أن تجربتهم مع شركة ESRI في إجراء تغييرات على البرنامج كانت سريعة نسبياً.  

بالنسبة لتايبيه، لم تكن حلول المفتوحة المصدر على ما يبدو مستقرة أو قوية بما فيه الكفاية للتعامل مع مجموعات البيانات المعقدة للجزيرة المُعرّضة للكوارث ( التي تبلغ 120 حتى الآن). وفي هذا الصدد، قال لي: "أثبت نظام ArcGIS أنه قوي بشكل كاف لإجراء العمليات الحسابية، ودمج البيانات مع صور الأقمار الاصطناعية، وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه باستخدام برنامج (ساهانا) في إشارة إلى برنامج إدارة الكوارث الذي تم تطويره في سريلانكا، إحدى أكثر الدول التي تضررت جرّاء الزلزال والتسونامي اللذين ضربا المحيط الهندي في عام 2004.

ونظراً للعدد المحدود من المستخدمين (100 مستخدم) الذين يمتلكون رخصة تشغيل البرنامج في تايوان، فإن الحكومات المحلية تستخدم البرامج التجارية الخاص بها في إدارة الكوارث (يُشار هنا إلى أن عملية التصدي للكوارث والحد من المخاطر موزعة بشكل لا مركزي على مختلف أنحاء الجزيرة)، كما تم تدريب عدد من المنظمات غير الحكومية والمجموعات البحثية على العمل ببرنامج "ساهانا".

وفي حين أن القدرات التي يتمتع بها برنامج ساهانا "مثيرة للإعجاب" بحسب رأي لي، وتشمل تتبع العاملين والمتطوعين في الأزمات، وإدارة مخزونات الإغاثة والتبرعات، ورسم خرائط المناطق الساخنة وتسجيل ضحايا الكوارث والإبلاغ عن المفقودين، وإدارة حالات الفرز وتتبع مشروعات المعونة، إلا أن البرامج التجارية تقدم دعماً أكبر (وهذا الدعم ليس متاحاً في الحلول المفتوحة المصدر)، خاصة أثناء الكوارث حينما قد تصبح الأخطاء و"البيانات غير المؤكدة" قاتلة. 

 سيكون هناك توازن بين الحلول المفتوحة المصدر والحصرية حيث تجد كل منها عملاءها المناسبين

 ويُذكر أن شركة ESRI توفر خطاً ساخناً مجانياً لعملائها على مدار الساعة.  

وفي السياق ذاته، قال كراولي من المبادرة الإنسانية لجامعة هارفارد، أن سوق تكنولوجيا إدارة الكوارث لا تزال تعتمد إلى حد كبير جداً على البرامج الحصرية (في الولايات المتحدة وحدها، هناك ما يقرب من 40 نوعاً من البرامج المستخدمة لإدارة  الخط الساخن للاستجابة لحالات الطوارئ المعروف بـ "911")، في حين تُظهر عمليات رسم الخرائط في حالات الطوارئ فقط تحولاً كبيراً باتجاه استخدام المنصات المفتوحة المصدر مثل برنامج Openstreetmap، الذي ينشئ البيانات الجغرافية ويقوم بتوزيعها دون أي تكلفة لدعم جهود الإغاثة في جميع أنحاء العالم.  

وأضاف كراولي: "الناس يثقون فيما هو مألوف وبناء الثقة يستغرق وقتاً" رغم السرعة غير المسبوقة التي تسير بها عمليات تطوير نظم التشغيل المفتوحة المصدر في مجال إدارة الكوارث.  

مركز التأهب للكوارث في آسيا، بانكوك

وقد اختار مركز التأهب للكوارث في آسيا برنامج ساهانا لتدشين بوابة إلكترونية إقليمية في عام 2010 توضح المبادرات الرامية إلى الحد من مخاطر الكوارث في منطقة آسيا والمحيط الهادئ حيث كان يرغب المركز في برنامج ميسور التكلفة يستطيع استخلاص المعلومات من مصادر بيانات متعددة. وفي هذا قال بيل هو، مدير وحدة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا في المركز: "ساهانا ابتكار عظيم، فهو رخيص وسهل الاستخدام".

ويتم حالياً توسيع البوابة الإلكترونية، التي تم تطويرها في البداية لتبادل المعلومات بشأن المشروعات الوطنية المتعددة للحد من مخاطر الكوارث، بحيث تتيح تبادل المعلومات بشأن المشروعات الوطنية ودون الوطنية، بما في ذلك بوابة المعلومات الخاصة بوزارة الإغاثة وإعادة التوطين التابعة لحكومة ميانمار.

وعقب انتهاء فترة الأشهر الستة لتنصيب البرنامج، يقوم مركز التأهب للكوارث في آسيا الآن بالتعاقد مع استشاريين لصيانة البرنامج. وفي هذا قال بيل هو: "يشكل هذا الأمر تحدياً لنا" وأضاف أنه "من الصعب إيجاد أفراد يتمتعون بالمهارات المناسبة فضلاً عن ضعف الموارد البشرية في ساهانا، لذا يتعين علينا الاعتماد على استشاريين. ولا يوجد أحد من هؤلاء في جنوب شرق آسيا".

وختاماً، يرى كراولي، الباحث في المبادرة الإنسانية بجامعة هارفارد، أن الاحتياجات والقدرات ونقاط الانطلاق المتباينة من حيث التأهب للكوارث والتصدي لها تعني أنه "سيكون هناك توازن بين الحلول المفتوحة المصدر والحصرية حيث تجد كل منها عملاءها المناسبين".

pt/cb-kab/dvh