المعونة من أجل التجارة – هل تساعد في الحد من الفقر؟

منذ أطلقت منظمة التجارة العالمية مبادرة "المعونة من أجل التجارة" في عام 2005، تم جمع ما يقدر بنحو 200 مليار دولار من التمويل المخصص للتنمية لهذا البرنامج. غير أن بعض المنظمات غير الحكومية تتساءل ما إذا كانت مبادرة المعونة من أجل التجارة تساعد حقاً في الحد من الفقر.

وقد قامت اثنتان من هذه المنظمات غير الحكومية وهما منظمة تريدكرافت Traidcraft والوكالة الكاثوليكية للتنمية ما وراء البحار، بدراسة أنشطة المعونة من أجل التجارة البريطانية والأوروبية لمعرفة ما إذا كان المانحون قد قاموا بتقييم آثار هذه المشاريع على الفقراء.

وتشير الدراسة التي أجرتها شركة سانا للاستشارات Saana Consulting، إلى أن معظم التمويل يذهب إلى البلدان المتوسطة الدخل بدلاً من البلدان المنخفضة الدخل، كما لم تجد سوى القليل من الأدلة لإثبات مدى تأثير البرامج على حالة الفقر.

وتكشف الدراسة أن معظم المراجعات تتم خلال مدة المشروع أو في نهايته، لذا يكون من السابق لأوانه معرفة التأثير الحقيقي لهذه المشاريع. وتضيف أن "الروابط بين ما يقدّمه المشروع وتأثيره على الفقر تعتمد إلى حد كبير على سلسلة من الافتراضات، وفي بعض الحالات على الحظ".

الآثار على المدى الطويل

والافتراض الأساسي الذي تنطوي عليه فكرة المعونة من أجل التجارة هو أن "المد المتصاعد يرفع جميع القوارب"، فالمزيد من التجارة يجلب ثروة وطنية أكبر، مما يعود بالنفع على الجميع بما في ذلك الفقراء.

ولا تختلف ليز تيرنر، إحدى معدي الدراسة، مع هذه الفكرة، إذ ترى أن التجارة بصفة عامة أمر جيد، لكنها تقول: "إذا نظرنا إلى الآثار المترتبة على المعونة من أجل التجارة على المدى الطويل، سينتهي بنا الأمر إلى العودة إلى تحليل الاقتصاد الكلي وقضية الفائزين والخاسرين من جراء النمو. حتى ولو كنا نعرف أن الآثار الصافية لمشروع ما ستكون إيجابية، ألن يكون من الحكمة معرفة ما إذا سيكون هناك أي خاسرين؟ "

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعونة من أجل التجارة تدعم جميع أنواع المشاريع كبناء الطرق وتحسين الموانئ وتوفير الدعم التقني للمفاوضات التجارية والأطر التنظيمية وتحسين مراكز الحدود وتعليم المزارعين الأوغنديين كيفية إنتاج الفاكهة المجففة لسوق حبوب الإفطار الأوروبي المربح. لكن من المرجح القيام بتقييم المشاريع الأخيرة فقط لمعرفة مدى تأثيرها على الحد من الفقر.

وتدير كيري هاميلتون صندوق مجابهة تحديات صناعة الأغذية بالتجزئة في المملكة المتحدة الذي يدعم مثل هذه المشاريع. وفي حديث لها إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت أن "القيام بذلك له تأثير تنموي على المزارعين والعاملين في تلك التجارة. لدى جميع مشاريعنا إطار للمراقبة والتقييم، ونحن نطلب بيانات أساسية ومجموعة من المؤشرات التي يمكننا من خلالها قياس نجاح مثل هذه المشاريع.

لكن الصعوبة تكمن في الأطر الزمنية. فعلى المشاريع المدرجة في إطار الجولة الرابعة من التمويل أن تكتمل في غضون 18 شهراً، وبحلول نهاية تلك الفترة، سيكون أثرها على الفقر ضئيلاً. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن نعود بعد سنتين أو خمس سنوات، ولكن بسبب الطريقة التي يعمل بموجبها التمويل، قد لا نعود بتاتاً لدى انتهاء المشروع. "

الخاسرون المستترون

وعندما طلبت منه شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) إعطاء مثال كان فيه لدعم المعونة التجارية أثر واضح على الفقر، أشار رئيس المعونة من أجل التجارة في وزارة التنمية الدولية البريطانية أديزي إغبوميكا إلى مشروع لتسريع الإجراءات الجمركية على الحدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وأضاف إغبوميكا: "ركز هذا المشروع على النوع الاجتماعي والتجار غير الرسميين. فقد استخدمنا أساليب مثل تغيير الهيكل الفعلي للمكاتب عند الحدود، مضيفين الألواح الزجاجية. فانخفضت إمكانية طلب المسؤولين الذين يعملون على الحدود للرشاوى، وكذلك حالات العنف الجنسي التي تؤثر على المرأة التي تعمل في مجال التجارة. لقد لاحظنا انخفاضاً مهماً جداً في هذين المجالين هناك. وقد سهّلت الإجراءات الواضحة عمل التجار الفقراء غير الرسميين".

ولكن في اجتماع لمناقشة الدراسة في معهد التنمية الخارجية في لندن، استخدمت الباحثة يورندرا باسنت من المعهد مشاريع مركز الحدود كمثال على المساعدات التي ينجم عنها خاسرون وفائزون، لاسيما في المجتمعات المحلية التي تتشكل لتوفير الخدمات للناس الذين ينتظرون على الحدود المزدحمة.

وأضافت باسنت: "شاركت في تصميم مشروع يهدف إلى تحسين إدارة الجمارك في جنوب السودان. فكيف يمكنك أن تقول الآن أنه سيكون لتحسين قدرة الجمارك تأثير على الفقر؟ قد يكون له تأثير بالفعل على المدى الطويل، ولذلك يمكنك أن تضع مثل هذه الافتراضات، لكنها عملية حظ... فإذا كنت تعمل، على سبيل المثال، على مشروع لتحسن أداء مركز للحدود بتقليص فترة العبور من ثلاثة أيام إلى ثلاث ساعات ... فسيخسر الكثير من التجار غير الرسميين مصدر رزقهم. "

كما وجدت جامعة مانشستر أن البرامج التجارية تخلّف الفائزين والخاسرين على حد سواء. فبعد رفع العقوبات التجارية على جنوب أفريقيا في أوائل تسعينيات القرن الماضي، أصبح مزارعو الفاكهة فيها الجهة المصدرة الرئيسية، وتم القيام بالكثير بغية تلبية المعايير التي طالبت بها الأسواق الأوروبية. وكان القائمون على هذه المزارع تحت ضغط تلبية المعايير الاجتماعية، التي كان لها بعض الآثار الإيجابية على العمال، بما في ذلك رفع الأجور وتوفير العيادات.

لكن الطلب على المنتجات الأرخص أدى أيضاً إلى خفض عدد الموظفين وتوظيف المزيد من العمال المؤقتين، لاسيما المهاجرون من زيمبابوي أو موزمبيق، الذين يتقاضون أقل ويستفيدون من ميزات أقل كذلك.

عدم توفر المعلومات الكافية

ويقر المانحون أنه من الصعب جداً تعقب أثر المشاريع على الفقر، خاصة لدى القيام بمحاولات أوسع لدعم التجارة.

وقال وليام هلينز، من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن معظم المانحين الصغار لا يحاولون حتى تقييم هذه الآثار بل يقومون فقط بمراقبة عمليات إنفاق الأموال على الأمور التي خصصت من أجلها.

"تعتبر عمليات تقييم الآثار مكلفة. كما أنها مرهقة وتستغرق وقتاً وليست بالضرورة متماشية مع حوافز مديري المشاريع. لكن تحديد آثر مشروع ما على الفقر قد يحمل في ثناياه ضرورة القيام بدراسة استقصائية للأسر. وقد تبلغ كلفة القيام بالخطوط العريضة للدراسة الاستقصائية النهائية لـ 500 أسرة حوالى 300,000 دولار، وكذلك الأمر بالنسبة لمعظم الأنشطة التي لا تؤخذ بعين الاعتبار".

وفي هذا السياق، قال إغبوميكا أنه في معظم الحالات، يصعب تحديد تأثير برامج المعونة من أجل التجارة على الفقراء. وأضاف أن "أثرها على الفقر غير مباشر، ونحن واضحون جداً بهذا الشأن. وتتمثل الفرضية هنا، وهناك الكثير من الأدلة التي تدعم هذه الفرضية، بأنه وإذا كان البلد قادراً على زيادة نسبة التجارة، سيحقق النمو وبالتالي ستتولد فرص عمل وستزداد المداخيل، ما سيؤدي إلى الحدّ من نسبة الفقر. إنها سلسلة طويلة جداً للتوصل إلى النتائج المرجوة ولا نحاول الربط بشكل مباشر بآثرها على الحد من الفقر، إذ لا يوجد لدينا ما يكفي من معلومات للقيام بذلك بشكل دقيق".

أدّت كلّ هذه الوقائع غير المؤكدة إلى إثارة قلق لدى المسؤولين عن الحملات مثل غاريث سيدورن من منظمة تريدكرافت، حيث صرّح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قائلاً: "أعرف أن المعونة من أجل التجارة تشكّل جزءاً واحداً من حقيبة المساعدات، ولكنني صدمت بالاعتراف الذي صدر عن زملاء من وزارة التنمية الدولية البريطانية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بكون ذلك لا يشكل بالضرورة الوسيلة الأكثر فعالية لإحداث تأثير مباشر على وضع الفقراء. من وجهة نظر المنظمات غير الحكومية، هذا ليس إلا مؤشراً بين الكثير من المؤشرات، وهو الهدف الأول لسياسات المعونة والتنمية".

eb/rz-bb/dvh