جنوب السودان: كفاح من أجل تلبية الطلب على التعليم

 كان لخمسة عقود من الحرب والاضطرابات في جنوب السودان أثر حتمي على التعليم- فثلاثة أرباع الجيل الكبير تقريباً في أحدث دولة في العالم غير قادرين على القراءة والكتابة. وقد أوضح التقرير الذي صدر مؤخراً عن معهد التنمية الخارجية أن أقل من 2 بالمائة من السكان قد أكملوا تعليمهم الابتدائي. وقالت جيسيكا جاراند، أخصائية التعليم بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) أنه "يُعتقد أن جنوب السودان لديه أسوأ نسبة من المتعلمين في العالم، أي أنه أسوأ من مالي والنيجر، وهي الدول الوحيدة الأقرب لجنوب السودان من حيث معدل التعليم. وطبقاً لأحدث الإحصائيات التي لدينا من عام 2009، يقف معدل محو الأمية لدى الكبار حالياً عند 27 بالمائة".

وقد مهدت اتفاقية سلام عام 2005 الطريق أمام جنوب السودان للانفصال عن الشمال في يوليو 2011. ومنذ ذلك الحين، تكافح البلاد من أجل بناء نظام تعليمي لصغار السن وتعليم الملايين من الكبار الذين تغيبوا عن المدرسة خلال فترة الحرب. وقالت جيسيكا أنه "لا يوجد ما يكفي من المدارس وبالتأكيد لا يوجد عدد كافٍ من المدرسين. فمعظم المعلِّمين في جنوب السودان هم من المتسربين من المدارس الابتدائية". وتابعت جيسيكا قائلةً أنه نتيجةً لذلك، فإن جودة التعليم متردية، مضيفةً: "هم لا يعرفون كيفية إدارة الصفوف، ولا يعرفون كيفية إدارة الطلاب ذوي الاحتياجات المختلفة داخل الصفوف الدراسية، ناهيك عن المحتوى العلمي والمهارات التي كان من المفترض نقلها للطلاب من خلال التعليم."

ومن جهةٍ أخرى، قال مايكل أدلر كول، مدرّس في مدرسة لوموكو الابتدائية في ياي، وهي بلدة في الولاية الاستوائية الوسطى أنه "هناك 16 معلماً في المدرسة التي أدرّس فيها الآن، وجميعهم غير مدربين". وما يجعل الأمور أكثر تعقيداً هو أن جنوب السودان قرر تحويل لغة التدريس من اللغة العربية -المرتبطة بالشمال- إلى اللغة الإنجليزية، الأمر الذي شكّل تحدياً بالنسبة لمعظم المعلمين والطلاب. ويعتقد خبراء التعليم أنه على الأطفال أن يصبحوا ملمّين أولاً بالقراءة والكتابة بلغتهم الأم. وقالت جيسيكا في هذا الإطار: "لكنه من الصعب جداً أن تفعل ذلك عندما يكون لديك- على ما أعتقد- 66 لغة في جنوب السودان وتحتاج إلى وضع مواد تعليمية لكل واحدة من تلك اللغات".

مواكبة الطلب

وأشارت دراسة أخيرة إلى أنه بعد توقيع جنوب السودان على اتفاقية سلام 2005، خضع برنامجه التعليمي- المدعوم من الجهات المانحة الدولية- لواحد من أسرع برامج إعادة البناء. وتشير الدراسة إلى تضاعف عدد طلاب المدارس الابتدائية في الفترة ما بين 2006 و 2010 حيث زاد عددهم من 700,000 إلى 1.6 ملايين طالب.

ولكن حتى بعد تدفق التبرعات الدولية، ما زال النظام المدرسي للبلاد لا يمتلك الموارد اللازمة لمواكبة الطلب. ويجلس الأطفال في إحدى الباحات في بلدة ياي على مقاعد دراسية مؤقتة تحت الشجرة، بينما يقومون بقراءة الحروف الأبجدية. وقال المدرس جون وانديرا أن الطلاب "يتعلمون تحت شجرة مانجو وليس في الصف. ويبقى إذاً النقص في الأمكنة المناسبة للتعلم أحد التحديات الفعلية". وأضاف أيضاً أن نقص المواد التعليمية هو تحدٍ آخر. وقال كول من جهته أن المجتمع قد اتحد من أجل بناء صفوف دراسية جديدة ولكنهم لا يستطيعون تحمّل سوى نفقات المواد المحلية مثل الخشب الرقيق وقش العشب. كذلك، يُعد الحفاظ على الطلاب داخل المدارس مشكلة أيضاً. وقالت جيسيكا: "يمكنك النظر إلى التسجيل في المدارس ولكن ما لم تنظر إلى حضور الطلاب، لن تكون الصورة واضحة بالنسبة لك"، مشيرةً إلى أن التسرب من المدارس أمر شائع.

وقال تقرير صدر عن مكتب صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في جنوب السودان أن 70 بالمائة من الأطفال بين عمر السادسة والسابعة عشر لم يدخلوا الصف الدراسي قط وأن 10 بالمائة فقط من الأطفال أكملوا تعليمهم الابتدائي. ورغم أنه يتم تخصيص 16 بالمائة من الميزانية الوطنية للتعليم، تزعم أحزاب المعارضة ووكالات الإغاثة أن التعليم يتلقى فعلياً أقل من 10 بالمائة. (النسبة المئوية لكينيا وبورندي وإثيوبيا هي 26 و15 و5 بالمائة على التوالي).

وفي الوقت نفسه، يتراجع اقتصاد البلاد بشكل دراماتيكي. وبسبب الخلاف مع السودان، قام جنوب السودان باتخاذ خطوة خطيرة بتعليق إنتاج البترول في يناير، وهو ما خفّض 98 بالمائة من إيرادات جنوب السودان. ويقول موظفو الحكومة أنه لم يتم صرف رواتبهم التي خفضت مؤخراً. كذلك، قال كول أن "الحكومة غير قادرة على دفع رواتب جميع المدرسين في جنوب السودان. وفي المدرسة حيث أدرّس حالياً، يقوم الأهالي بدفع رواتب المدرسين. يقوم الأهالي بجمع الأموال كل شهر حتى يتم تعليم أبنائهم. إنه مبلغ قليل جداً....لا يُدفع للمدرس الواحد في الشهر سوى 200 جنيه جنوبي سوداني، ما يعادل تقريباً 50 دولاراً أو حتى أقل". ويخشى الكثيرون من أنه في حال استمر الوضع على ما هو عليه، سيقوم المدرسون المتخصصون بترك قطاع التعليم.

استمرار انعدام الأمن

ولكن هؤلاء الذين يتعلّمون في ياي محظوظون. فتُعد البلدة مركزاً تجارياً في منطقة الحزام الأخضر لجنوب السودان حيث لم تكن البلدة على جبهات القتال أثناء الحرب وقد ظلت في حالة سلام منذ الاستقلال. ويأتي العديد من الطلاب في مدرسة لوموكو الابتدائية في ياي من جونقلاي- وهي ولاية على حدود إثيوبيا تعاني من العنف بين الطوائف. وقد أظهرت الدراسة التي أجريت على الأسر أن 19 بالمائة فقط من سكان الولاية يمكنهم القراءة والكتابة.

وقال دانيال بول، البالغ من العمر 10 سنوات والذي يسافر مع أخته البالغة من العمر 16 عاماً إلى ياي بحثاً عن تعليم أفضل: "لا يوجد مدارس جيدة في جونقلاي. لقد جئت إلى هنا لكي أتعلم والآن الوضع جيد". وقال كول أن "المدارس الجيدة فعلاً موجودة في الولايات الاستوائية (ثلاث ولايات جنوبية) هنا لأن الأمن هنا...على ما يرام. ولكن المدارس في جونقلاي وما وراء ولاية البحيرات وولاية الوحدة ليست بمدارس جيدة. فيبقى بعض الطلاب في المنزل نتيجة الخوف من أن يقوم أحدهم باقتحام المدرسة وقتل أو خطف الأطفال".

تعليم الكبار

تتألف المدرسة التي يعلّم فيها كول من أربعة صفوف مكتظة بالكامل، حيث اجتذبت ما يزيد عن 300 طالب من الكبار يقومون بحضور برنامج التعلم السريع في فترة ما بعد الظهر. وقال مارثا ألول الذي يدرّس في لوموكو منذ عام 2008: "نحن نشجعهم على الحضور وهم أيضاً يرغبون في ذلك حيث اختبروا أهمية التعليم". ويقوم مارثا بإدارة برنامج التعليم المسرَّع لحوالى 200 طالب في السنة منذ عام 2009.

وهذا جزء من برنامج التعليم البديل للبلاد الذي يستهدف في الأصل الجنود السابقين، ولكنه أصبح مفتوحاً منذ ذلك الحين للطلاب من جميع الأعمار. وعلى المستوى الوطني، زاد التسجيل في تلك المدارس من 81,000 طالب إلى 217,000 طالب بين عامي 2008 و 2009. وأضاف ألول: "لدينا العديد من الأطفال المحرومين والمتسربين من التعليم أثناء الحرب، وهؤلاء الذين فقدوا أهاليهم، وغيرهم الذين تم أخذهم كجنود أطفال....وقد قرروا في وقت لاحق أن يعودوا ليتعلموا. فدفعتني كل تلك الأسباب لفتح هذا المركز لاستيعابهم". إلاّ أنه جرى استبعاد العديد من النساء. فتظهر آخر البيانات أن 16 بالمائة فقط من النساء فوق الخامسة عشر من العمر متعلمات.

ومن جهته، يقول جوزيف لاكو هنري، مدير الإطفاء في ياي، أنه يذهب إلى المدرسة لأنه يريد أن يساعد مجتمعه، ولكن زوجتيه لا تذهبان إلى المدرسة لأنهما في سن كبيرة وتعملان في المنزل. وتؤكد وكالات الإغاثة على أهمية التعليم بالنسبة للنساء كمحرك للتنمية. وتقول جيسيكا أن "المتعلّمين من الكبار وخاصة النساء، أكثر مناصرةً لتعليم أطفالهم، علماً أن معظم الأميين هم من النساء اللائي يعشن في المناطق الريفية."

كذلك يمكن للتعليم أن يكون دافعاً للسلام. فقد قالت هانا بول، إحدى الطالبات الكبيرات في السن أنه "نظراً لفتح المدارس الآن، لاحظ الجميع أهمية التعليم ضرورة الحضور، لأن الحرب والمدافع لا تصنع المستقبل". وقال وانديرا الذي يأمل في أن يبعد التعليم خطر المزيد من النزاعات في السودان أن "التعليم مهم جداً جداً للسلام. فإذا كنت متعلماً ستكون قادراً على معرفة معنى السلام، وستكون قادراً على تعليم الناس المصالحة والتسامح والعمل معاً من أجل حل المشكلات". ولكن تتم عرقلة هذه الأهداف بسبب النقص المستمر في الموارد. وأضاف وانديرا: "عندما يكمل الطلاب المستوى الرابع، سيذهبون إلى المدرسة الثانوية، فمن سيدفع لهم؟ هذا هو السؤال الذي يسألونه كلما دخلت صفوفهم".

hm/rz-hk/bb