الأردن يحتجز لاجئين سوريين في "سجن" القرية رقم 5

مخاوف تسلل إرهابيين تتسبب في محاصرة آلاف اللاجئين في مجمع مسيّج

بيثان ستاتون

صحفية مساهمة

أمضت رنا أكثر من خمسة أشهر على الحدود الأردنية مع سوريا، بالقليل جداً من الغذاء والماء والرعاية الطبية والمأوى. وفي نهاية المطاف تمكنت في الوصول إلى الأردن. ولكن خلال العشرين يوماً الماضية، وجدت الفتاة ذات 15 ربيعاً، نفسها عالقة مع آلاف اللاجئين الآخرين، داخل ما يُعرف مجازاً باسم "القرية رقم 5"، وهي عبارة عن مُجمع مسيّج داخل مخيم الأزرق التابع للأمم المتحدة، الذي يقع على بُعد نحو 80 كيلومتراً شرق العاصمة عمّان.

 

 

والمنزل الذي تسكن هو واحد من آلاف الملاجئ المصنوعة من المعدن التي تم نصبها في شكل شبكة موحدة من الممرات الترابية خلف سياج من الأسلاك الشائكة يصل ارتفاعه إلى 10 أقدام. وفي ظل عدم وجود أي شيء تقريباً يشغل وقتها، تمضي رنا أيامها في طوابير الحصص الغذائية وحمل المياه، وتحاول، غالباً من دون نجاح، الهروب من حرارة الطقس.

وكسائر اللاجئين السوريين الذين يعيشون هنا، الذين يبلغ عددهم قرابة 12,700 لاجئ، لا تستطيع رنا مغادرة المكان بسبب السياج المقام حول القرية، ناهيك عن الصحراء.

في سن مبكرة، تجد رنا نفسها عالقة في إحدى أحلك نقاط أزمة اللاجئين السوريين، في مكان لا يريد أحد في نظام المعونة التحدث عنه.

وعلى الرغم من أن شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) نجحت في الوصول والتحدث إلى عدد قليل من هؤلاء اللاجئين، إلا أن المنظمات الإنسانية التي تعمل داخل المخيم بدت حذرة من التحدث بشكل رسمي عن المكان. وقد رفضت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، رغم الطلبات المتكررة، مجرد التعليق على القرية رقم 5، التي تخضع لإدارتها مع بقية مخيم الأزرق.

وتعيش عبير في القرية رقم 5 أيضاً وتواجه الاثار المترتبة على رحلتها من سوريا إلى الأردن. تحصل على الحد الأدنى من الأجر في عملها في مركز تعليم مؤقت، بعدما نجحت في اقتناص واحدة من الفرص القليلة، التي يتنافس عليها الجميع، في "العمل التطوعي المدفوع" في القرية. كانت عبير تعمل معلمة في سوريا، ولديها زملاء كانوا يعملون كمهندسين أو يدرسون الصيدلة في الجامعة.

وتعليقاً على وضعها في القرية، قالت عبير، البالغة من العمر 24 عاماً، ولديها أقارب في مدينة قريبة من عمّان، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نحن لا نستطيع الخروج. لا أستطيع أن أرى عائلتي، ولا تستطيع عائلتي أن تأتي لرؤيتي... نحن في منطقة مسيجة تشبه السجن".

Barbed wire fence and white shelters
بيثان ستيتون/إيرين
سياج تعلوه أسلاك شائكة يحيط بالقرية رقم 5 بأسرها

لا عودة إلى الحاجز الرملي

ورنا سعيدة بالتواجد هنا، فقد فرّت من مكان أسوأ من هذا بكثير.

وحول معيشها في القرية، قالت مبتسمة: "الأمور جيدة جداً...لا توجد لدينا أي مشاكل. لدينا كارافان ومياه وغذاء. كل شيء متوفر".

وهذا يمثل تغييراً كبيراً مقارنة بالمكان الذي جاءت منه – منطقة متنازع عليها تقع جنوب الحدود الأردنية مع سوريا، عبارة عن حاجز رملي مرتفع، حيث يتكدس هناك زهاء 60,000 سوري. 

والجدير بالذكر أنه عندما اندلعت أعمال العنف في سوريا في عام 2011، سعى مئات الآلاف لإيجاد ملاذ آمن في الأردن. في البداية، ذهب معظمهم إلى مخيم الزعتري، الذي كان يأوي أكثر من 150,000 لاجئ في ذروته في عام 2013. غير أن الكثيرين قد غادروه منذ ذلك الوقت إلى مدن وبلدات أخرى في الأردن. وفيما لجأ آخرون إلى أوروبا، عاد البعض الآخر إلى سوريا، ومن ثم تراجع عدد اللاجئين الحاليين في مخيم الزعتري إلى أقل من 80,000 لاجئ.

وفي منتصف عام 2013، أغلق الأردن بهدوء حدوده الغربية. وهذا أرغم جميع السوريين الذين يحاولون الوصول إلى الأردن، بما في ذلك القادمين من حلب ومن مناطق أخرى في شمال شرق البلاد التي يسيطر عليها تنظيم ما يسمى "الدولة الإسلامية" (المجموعة بدأت هجومها على دير الزور في أبريل 2014)، يتوجهون إلى الشرق والحاجز الرملي. 

وبحلول منتصف عام 2014، أضحت المعابر الشرقية مغلقة أيضاً، مما جعل أولئك الذين يحاولون دخول الأردن عالقين عند الحاجر الرملي. وقد استمروا في التدفق. وفي شهر أبريل من العام الماضي كان هناك نحو 2,500 سوري يأملون في دخول الأردن، وارتفع العدد أضعافاً مضاعفة منذ ذلك الحين.

ويرى الأردن، الذي يستضيف أكثر من 650,000 لاجئ سوري مسجل، في الوافدين الجدد مصدر قلق أمني. وفي شهر يناير، قال الملك عبد الله أنه من المعروف أن أعضاء من تنظيم "الدولة الإسلامية" متواجدين في منطقة الحاجز الرملي.

وتستند المخاوف إلى حالة الفوضى في منطقة الحاجز الرملي والمناطق التي جاء منها السوريون -حلب، وحمص، ودير الزور، ومناطق في شمال شرق البلاد، التي إما تخضع لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" أو تستلزم المرور عبر الأراضي التي يسيطر عليها.

وقد اشتكى العاملون في الوكالات الإنسانية من انعدام سبل الوصول إلى الحاجز الرملي ووجود تقارير عن وقوع أعمال شغب.

وتصف رنا الحياة هناك بأنها "مروّعة". وتضيف: "كانت هناك عصابات تتحكم في كل شيء. ولم يكن هناك أي خبز".

السماح بالدخول، ولكن إلى القرية رقم 5 فقط

وتجدر الإشارة إلى أنه تم افتتاح مخيم الأزرق في أبريل عام 2014، كإجراء تصحيحي مخطط بعناية لتلافي حالات الفشل والاكتظاظ في مخيم الزعتري، وقد صمم في شكل نظام قرى لتعزيز شعور سكانه بالانتماء إلى المجتمع.

وفي شهر مارس، وتحت الضغط الدولي المتزايد، وعقب ورود تقارير عن ظروف تعيسة في الحاجز الرملي، بدأت المملكة السماح بدخول عدد ضئيل يتراوح ما بين 200-300 سوري بشكل يومي تقريباً. وأُرسل جميعهم إلى مخيم الأزرق وإلى القرية رقم 5. لكن اللاجئين الذين يعيشون هناك لا يستطيعون مغادرتها، باستثناء ذوي الاحتياجات الصحية الخاصة، وقلة – معظمهم من الضعفاء أو من لديهم أسر في أماكن أخرى في المخيم –تم تسكينهم في قرى أخرى. ووجود عملاء للمخابرات الأردنية ليس سراً بالنسبة للعاملين في وكالات المعونة أو المقيمين في المخيم.

وفي هذا الصدد، قال العميد محمد المواجده، مدير الشؤون المدنية والعسكرية للقوات المسلحة الأردنية، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه يتم فحص الوافدين الجدد أمنياً على الحدود وفي مركز ثان داخل الأردن قبل أن يتم إرسالهم إلى "المنطقة المخصصة لهم في مخيم الأزرق".

"إنهم يخضون للمراقبة، ومن وقت لآخر يتم نقل البعض منهم إلى قرى أخرى داخل المخيم".

Children walking in a refugee camp
بيثان ستيتون/إيرين
أطفال يسيرون في الطرقات التي تتخلل الغرف في القرية

لا شك أن احتجاز اللاجئين لفترة طويلة من الزمن لم يكن أبداً جزءاً من الخطة، ولكن مع وصول حوالي 17,000 لاجئ إلى مخيم الأزرق منذ 9 مارس، أضحى "المخيم داخل المخيم" كامل العدد.

وفي اجتماع عقد مؤخراً في مخيم الأزرق، أعلنت السلطات الأردنية أنه سيتم السماح بعبور 500 سوري الحدود كل يوم، وسيرسلون جميعهم إلى مخيم الأزرق على الرغم من تحذيرات المنظمات الإنسانية من أن الأماكن الشاغرة بالمخيم لن تستوعب سوى بعض آلاف فقط.

وأكد العميد محمد المواجده أن اللاجئين السوريين الجدد سيرسلون إلى مخيم الأزرق "في الوقت الراهن"، وأضاف أنه على الرغم من زيادة عدد الذين يتدفقون على الأردن، فإن عدد السكان المحاصرين على الحدود يستمر في الارتفاع.

قرية نموذجية؟

وفي ظل امتلاء القرية رقم 5 بالكامل الآن، يتم إيواء اللاجئين السوريين المتبقين من الحاجز الرملي في أجزاء أخرى من المخيم، العديد منهم في كرافانات ضخمة ينام فيها أكثر من 100 شخص. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المناطق مسيّجة أيضاً. 

وفي الوقت الذي لا تزال فيه مناقشة الحلول الممكنة لإيواء الوافدين الجدد مستمرة، من المرجح أن يتم ايواؤهم في نهاية المطاف في "قرية" أخرى غير مأهولة بالسكان في مخيم الأزرق. ويبدو أن المنطقة الجديدة ستمتلئ بلاجئين يريد الأردن ضبطهم بوتيرة أسرع من القدرة على تجهيزها.

وفي هذا الصدد، قال ستيفن ألن، وهو منسق ميداني في منظمة اليونيسف، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تفكر فيما يجب القيام به في هذا الموقف".

وحتى إذا أمكن تجهيز المأوى، فإن توفير اللوازم الأساسية للمعيشة – كالبنية التحتية للمياه والمراحيض والعيادات – سيستغرق وقتاً أطول بكثير. ومشكلة الكهرباء خارج المناقشة: فقد مضى على مخيم الأزرق عامين، ولا يزال خارج الشبكة. في الوقت الحاضر، يمكن أن يستوعب المكان قرابة 50,000 شخص، على الرغم من أن قدرته الاستيعابية المتوقعة هي 100,000 شخص، بما في ذلك المواقع التي لم يتم الانتهاء من بنائها حتى الآن.

الحياة في طي النسيان

وكل يوم، تتضخم المناطق المجتمعية في القرية رقم 5. يجلس الرجال القرفصاء في مناطق الظل المحدودة، يمسكون بأوراقهم، وتتجمع حشود من مئات الأشخاص في المنطقة الموحلة قرب المباني الإدارية.

البعض يبحث عن مخرج، ويسعى إلى الاتصال بأفراد الأسرة في أماكن أخرى في المخيم أو في الأردن.  وآخرون يقفون في الطوابير انتظاراً للحصول على الحصص الغذائية، أو اللوازم الأخرى مثل البطانيات أو الحفاضات، في مراكز التوزيع التي فتحت أبوابها الأسبوع الماضي. ومن المألوف أن يقف المقيمون في القرية في طوابير الانتظار من الساعة 09:00 صباحاً حتى منتصف النهار للحصول على الخبز، ومع ذلك قد يعودون صفر اليدين. وتشير محاضر الاجتماعات الخاصة بتنظيم المخيم إلى أن عمليات توزيع الحصص الغذائية تواجه مشكلات في الآونة الأخيرة بسبب عدم القدرة على السيطرة على الحشود.

في "سوبر ماركت" القرية رقم 5، كشك معدني صغير له نافذة، وعفاف من بين الذين ينتظرون الحصول على المواد الغذائية.

وتقول الجدة التي وصلت إلى المخيم قبل أسبوع واحد، أنها غير قادرة على تأمين ما يكفي من الغذاء لإطعام أسرتها. وقد جاءت عفاف، التي كانت تمسك مجلداً بلاستيكياً مكتوباً عليه بخط واضح "قسائم غذاء"، مع سبعة أشخاص آخرين، بينهم أربعة أطفال.

وعن معيشتهم هنا، قالت: "لا نستطيع الطهي...في نهاية اليوم، نشرب الشاي فقط، مع قليل من الخبز. الحياة صعبة للغاية".

وعلى الرغم من أنه يوجد سوبر ماركت جيد في مخيم الأزرق، إلا أنه لا يسمح لهؤلاء اللاجئين بالخروج للتسوق هناك.

وأضافت عفاف: "الشبان لا يستطيعون القيام بأي شيء: إنهم محاصرون ... إنهم يريدون الخروج. يريدون العمل لإعالة أسرهم".

ما هي المرافق المتوفرة؟

العيادة الطبية الموجودة في القرية رقم 5 عبارة عن مجرد خيمة، رغم أن الاحتياجات الصحية هائلة: فهناك أشخاص مصابون بأمراض مزمنة تركوا من دون علاج لأشهر طويلة وهم على الحدود، وآخرون مصابون بصدمات نفسية جرّاء الحرب، وآخرون يعانون من أمراض بسبب الظروف الحياتية القاسية في المخيم. والعيادة مجهزة للتعامل مع الأمراض الشائعة مثل مشكلات الصحة العقلية الحادة، والإسهال، ولكن بالنسبة للأم التي تسعى للحصول على وسيلة تساعد طفلها على السمع، الذي فقده جراء القصف الجوي، فلن تجد المساعدة التي تنشدها.

وفي السياق ذاته، يتم تدريجياً إدخال أنشطة ودعم تعليمي ونفسي واجتماعي إلى القرية رقم 5 على الرغم من القيود المشددة المفروضة على الحركة والنشاط. وقد قال بعض العاملين في مجال المعونة، لكنهم اشترطوا عدم ذكر اسمائهم، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم قد منعوا من إجراء حوارات، باستثناء حوارات عابرة، مع اللاجئين في القرية رقم 5.

أما المدرسة فهي عبارة عن خيمة بيضاء توجد على حافة منطقة صخرية جرداء، أرضيتها مغطاة بحُصر رثة د ونوافذها البلاستيكية تعلوها طبقة رقيقة من الرمال. ولا يوجد في المدرسة أي أثاث أو معدات سوى متر مربع على الأرض توضع عليه الأقلام والورق والمواد التي تستخدم في تعليم الحِرف. يجلس الأطفال على الأرض، وينهضون للترحيب بشكل جماعي بأي زائر يدخل عليهم.

White tents
بيثان ستيتون/إيرين
خيام تستخدم في الأنشطة النفسية والاجتماعية، والتعليم غير الرسمي في القرية رقم 5

تعمل عبير مع فريق صغير، لتوفير مساحة للعب، أملاً في مساعدة الأطفال على تجاوز الصدمات التي مروا بها. لكن المركز بحاجة ماسة للموارد، فالتلاميذ قد استهلكوا بالفعل معظم المواد الحرفية التي أعطيت لهم.

وعلى الرغم من أن المدرسين والأطفال يشيدون بقدرات الشبان في المخيم، إلا أنه من الصعب الازدهار في هكذا مكان. المراهقون يقدمون أصدقاءهم على أنهم موهوبون في الكتابة أو الموسيقى. إحدى تلميذات عبير، كما تقول، موهوبة في فن التطريز. ولكن المركز لا يستطيع أن يوفر المرافق اللازمة لتنمية مهاراتهم.

وتوضح عبير: "بالطبع، لديهم مشكلات نفسية ... لقد عانوا كثيراً. هناك الكثير من الأشياء التي تدور في رؤوسهم، إنهم عاطفيون جداً. في بعض الأحيان، عندما يستمعون إلى أغنية أو يغنون، يمكنك أن تلمح تأثير الذكريات".

وعلى الرغم من أن اللاجئين محبطون ويكافحون للتعامل مع هذا الوضع الصعب، فإن الشعور الغالب على العديد منهم هو الارتياح.

وختاماً، تقول رنا، التي تنتظر موعداً للعمل في العيادة المتربة والحارة: "نحن هنا أفضل بكثير ... نحن نشعر بالأمان".

bs/as/ag-kab/dvh