عام جديد وتدهور جديد في أزمة اللاجئين في أوروبا

كريستي سيغفريد

محررة شؤون الهجرة

اتسمت بداية عام 2016 بحدوث تدهور آخر في استجابة أوروبا لأزمة اللاجئين. فهل ستشهد السنة المقبلة مزيداً من التسابق نحو القاع؟ أم ستتعلم الدول الأعضاء الدروس المستفادة من عام 2015 وتتوصل إلى توافق الآراء اللازم لإدارة وصول مئات الآلاف من اللاجئين الآخرين بطريقة إنسانية؟

جاءت أحداث كولونيا في ليلة رأس السنة الجديدة في أسوأ وقت ممكن بالنسبة للاجئين الذين يأملون في الحصول على حماية وحياة جديدة في أوروبا: فمع ظهور تقارير تفيد بأن طالبي اللجوء والمهاجرين كانوا من بين مرتكبي الاعتداءات الجنسية وعمليات السطو المسلح، بدأ رد فعل عنيف يسهل التنبؤ به يكتسب زخماً. وردت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باقتراح تشريع جديد يجعل من الأسهل ترحيل أولئك الذين يرتكبون جرائم، لكنها تقاوم حتى الآن ضغوطاً متزايدة لوضع حد لعدد طالبي اللجوء الذين ستقبلهم ألمانيا في عام 2016.

وبحلول الأسبوع الماضي، كانت ألمانيا الدولة الوحيدة تقريباً في أوروبا التي تتبع سياسة الترحيب باللاجئين إلى حد كبير. أما السويد، التي استضافت، جنباً إلى جنب مع ألمانيا وبضعة بلدان أخرى، الغالبية العظمى من أكثر من مليون طالب لجوء نجحوا في شق طريقهم إلى أوروبا في عام 2015، فقد بدأت العام الجديد بفرض قيود على الحدود حالت دون دخول الوافدين من الدنمارك الذين لم يتمكنوا من إبراز وثائق هوية. وحذت الدنمارك حذوها بسرعة عن طريق فرض قيود مماثلة على الحدود الجنوبية مع ألمانيا.

ولم تبد الدول الأعضاء الأخرى اهتماماً يُذكر بقبول نصيبها العادل من طالبي اللجوء. ونفذت العديد منها تشريعات تحد من نوع ومدة التصاريح التي تقدمها، وجعلت جلب اللاجئين لأفراد أسرهم لكي ينضموا اليهم أكثر صعوبة.

وربما يكون الأمر الأكثر فظاعة هو أن الحكومة الدنماركية تدرس إصدار قانون من شأنه أن يمنح السلطات صلاحية مصادرة المجوهرات وغيرها من الأشياء الثمينة من طالبي اللجوء الوافدين كوسيلة لتغطية مصاريف استضافتهم.

وعلق كريس بوليت، كبير مسؤولي الشؤون القانونية والسياسات لدى المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين ومقره بروكسل، على ذلك قائلاً: "نرى اتجاهاً متزايداً للاشتراك في سباق نحو القاع من حيث سياسات اللجوء على المستوى الوطني. يكاد الأمر يبدو كما لو كنا قد عدنا إلى الوراء 15 عاماً، أي قبل التوصل إلى سياسة اللجوء الأوروبية المشتركة. وبدلاً من إصلاح الوضع الحالي، أصبح الأمر برمته يتعلق بقول: لا تأتوا إلى بلدي".

وردد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي هذه الرسالة، وأعلنوا يوم الخميس أن الأولوية القصوى خلال الأشهر الستة المقبلة ستكون الحد من عدد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى أوروبا.

ولم يتوصل أحد إلى كيفية القيام بذلك حتى الآن، فيما عدا إلقاء المسؤولية على بلدان أخرى. مع ذلك، هناك مجموعة من الاجراءات المطروحة على الطاولة، والتي من المحتمل أن نسمع المزيد عنها مع اقتراب فصل الربيع، ومعها احتمال أن يعاود عدد الوافدين الجدد - الذي لا يزال مرتفعاً بعناد حتى الآن في منتصف فصل الشتاء - الارتفاع مرة أخرى إلى المستويات القياسية التي شهدناها في شهري سبتمبر وأكتوبر.

تعزيز الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي


ليست السويد والدنمارك سوى أخر البلدان التي أقدمت على تنفيذ الرقابة على الحدود، وهو إجراء طارئ مسموح به لمدة تصل إلى ستة أشهر، وفقاً لقانون حدود شنغن. وقد فرضت ألمانيا قيوداً على حدودها مع النمسا في شهر سبتمبر الماضي، ويُعد ذلك إلى حد كبير وسيلة لإدارة الوصول الفوضوي لحوالي 10,000 طالب لجوء يومياً عبر طريق البلقان من اليونان. وقد أدت المخاوف الأمنية التي سادت في أعقاب الهجمات الإرهابية على باريس في شهر نوفمبر إلى فرض فرنسا لقيود على الحدود الخاصة بها، في حين بادرت العديد من البلدان الواقعة على طريق البلقان - بما في ذلك مقدونيا وصربيا وكرواتيا وسلوفينيا - إلى السماح لمواطني سوريا والعراق وأفغانستان فقط بعبور الحدود منذ منتصف نوفمبر الماضي.

مع ذلك، ليس لهذه التدابير سوى تأثير محدود طالما لم يتم تأمين الحدود الخارجية لأوروبا. كما أن لها عواقب وخيمة على حرية تنقل مواطني الاتحاد الأوروبي، الذين ينتقل كثيرون منهم يومياً عبر الحدود الوطنية التي كانت غير مرئية في السابق. وبالتالي، تقدمت المفوضية الأوروبية باقتراح في شهر ديسمبر الماضي لتأسيس وكالة حرس حدود وخفر سواحل أوروبية - في الأساس فرونتكس، وكالة الحدود الحالية للاتحاد الأوروبي، ولكن بعد منحها أنياب. وفي الوقت الحالي، تعني ولاية فرونتكس المحدودة أنها لا تستطيع أن تفعل أكثر من مساعدة الدول الأعضاء عند استدعائها أما الوكالة الجديدة، التي سوف تقوم باستيعاب فرونتكس وتحصل على موارد أكبر، فسوف تكون لديها سلطة التدخل في مراقبة الحدود حتى من دون موافقة الدول الأعضاء. ولكننا لا نعرف بعد ما إذا كانت بلدان مثل اليونان ستقبل فكرة التنازل عن مراقبة الحدود لوكالة تابعة للاتحاد الأوروبي.

تكثيف الضغوط على تركيا


وفي أواخر شهر نوفمبر، وضعت أوروبا اللمسات الأخيرة على اتفاق تحصل بموجبه تركيا على مبلغ أولي قدره 3 مليارات يورو للمساعدة في دعم 2.2 مليون لاجئ سوري تستضيفهم، فضلاً عن حوافز متنوعة أخرى، في مقابل العمل على وقف تدفق المهاجرين واللاجئين الذين يستخدمون البلاد كنقطة إنطلاق إلى أوروبا.

وبصرف النظر عن الموجة الأولى من اعتقالات اللاجئين الذين يحاولون الإبحار في قوارب المهربين من الساحل التركي، لم يسفر الاتفاق حتى الآن عن النتائج المرجوة من قبل مسؤولي الاتحاد الأوروبي. فقد استمر وصول المهاجرين واللاجئين إلى اليونان خلال شهر ديسمبر بمعدل يومي يبلغ 3,300 شخص، على الرغم من الظروف الجوية القاسية في فصل الشتاء.

وفي هذا الشأن، نقل عن فرانس تيمرمانز، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، الأسبوع الماضي قوله: "نحن لسنا راضين على الإطلاق".

وسوف تصبح ميركل، التي أيدت عقد الصفقة مع تركيا، أكثر عزلة في نهجها تجاه أزمة اللاجئين في حال فشلها.

من جانبه، قال كارل كوب من منظمة حقوق الإنسان الألمانية برو أسايل (PRO ASYL): "الجميع يقولون بصفة رسمية الآن أنهم يريدون خفض الأعداد هذا العام".

"إن نهج ميركل هو العمل مع تركيا، وهو في الواقع خطأ فادح،" كما أضاف في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، مستشهداً بالحوافز التي يمنحها الاتفاق لتركيا نظير اعتراض و"سحب" الزوارق التي تقل لاجئين.

إعادة توطين اللاجئين على نطاق واسع

وتسعى ميركل أيضاً إلى إقناع الدول الأعضاء الأخرى بالانضمام إلى ألمانيا في قبول أعداد أكبر بكثير من اللاجئين مباشرة من تركيا مقابل مساعدتها في إبطاء تدفق طالبي اللجوء غير المنظم إلى أوروبا. لكن المؤشرات الأولية توحي بأن الدول لن تشارك في خطة إعادة التوطين الطوعية حتى ترى مزيداً من الأدلة على أن تركيا سوف تفي بالتزاماتها وفق هذه الصفقة.

مع ذلك، تتوقع إليزابيث كوليت، مديرة معهد سياسات الهجرة في أوروبا، أن يشهد عام 2016 تركيزاً متزايداً على كيفية إعادة توطين أعداد أكبر من اللاجئين.

وأفادت في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إن التحديات الرئيسية هي قابلية التوسع والإرادة السياسية".

إصلاح نظام دبلن

وفي شهر مارس المقبل، سوف تعلن المفوضية الأوروبية عن اقتراحها لإصلاح نظام دبلن، الذي يهدف إلى تحديد الدولة العضو المسؤولة عن البت في طلب اللجوء. وفي الممارسة العملية، غالباً ما تستخدم دول شمال الاتحاد الأوروبي نظام دبلن كوسيلة للتخلي عن المسؤولية عن طالبي اللجوء الذين يتم تسجيلهم مبدئياً في دول المواجهة، مثل إيطاليا واليونان.

وقد خضع النظام بالفعل لثلاث مراجعات، ودخل أحدث إصدار - دبلن 3 - حيز التنفيذ في يناير 2014. وفي شكله الحالي، لا يزال النظام يسمح للبلدان التي لم تتأثر إلى حد كبير بأزمة اللاجئين، مثل المملكة المتحدة، بإعادة طالبي اللجوء إلى الدول المثقلة بالأعباء والتي تعاني من نقص الموارد بالفعل، مثل إيطاليا وبلغاريا والمجر (اليونان معفاة من إعادة اللاجئين وفق نظام دبلن منذ عام 2011 بسبب مخاوف إزاء ظروف الاستقبال الخاصة بها).

ومن المرجح أن يشمل الإصلاح المقترح من قبل المفوضية الأوروبية عناصر مخطط التوطين التي تبنتها الدول الأعضاء في سبتمبر الماضي - والهدف الرئيسي منها هو تخفيف الضغط على إيطاليا واليونان عن طريق نقل 160,000 طالب لجوء إلى دول أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أنه لم ينتج عن هذه الخطة حتى الآن سوى نقل 272 طالب لجوء فقط إلى دول أخرى، في حين عرضت الدول الأعضاء 4,207 فرصة انتقال فقط.

وقالت كوليت أن "أي شخص تتبع تشريعات الاتحاد الأوروبي على مدار العقد الماضي يعرف أنه لا يوجد أمل حقيقي في نجاح مخطط الانتقال هذا في سياق أزمة. ومن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يحل محل مبدأ دبلن عند النظر إلى الأعداد التي تم نقلها إلى دول أخرى حتى الآنط.

وأضافت أنه عند المضي قدماً، "سينبع التوتر الحقيقي من ... الحفاظ على نظام التضامن الذي يمكن للجميع المشاركة فيه وينخفض فيه عدد المستغلين إلى الحد الأدنى".

العنصر المفقود

وحتى الآن، لا يزال تضامن الاتحاد الأوروبي هو العنصر المفقود في كل محاولات حل أزمة اللاجئين تقريباً. في بداية عام 2016، يبدو هذا التضامن أكثر صعوبة من أي وقت مضى نظراً لتنامي نفوذ الحكومات اليمينية الشعبوية في الكثير من بلدان أوروبا الوسطى ويستسلم القادة في كل مكان للضغوط الانتخابية التي تجعلهم يتخذون قرارات سياسة قائمة على الخوف وكراهية الأجانب.

"يبدو من غير المحتمل التوصل إلى حل وسط في الأشهر القليلة المقبلة. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، هذه ليست أزمة واحدة فقط، بل هي أزمة مؤسسات وأُطر الاتحاد الأوروبي،" كما أكدت كوليت.

وفي السياق نفسه، يرى كوب أن مفتاح إيجاد حلول فعالة يكمن في برلين وليس بروكسل.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه "من الواضح تماماً أن أعداداً أكبر من اللاجئين سوف تأتي - نحن الآن في فصل الشتاء ولا يزالوا يأتون. هذا يعني أنه إذا لم تتمكن ميركل من إبقاء الباب مفتوحاً في ألمانيا وإشراك المزيد من الشركاء في أوروبا، فإن الوضع كله سوف ينهار".

ks/ag-ais/dvh