نظرة إلى الوراء على فيروس الإيبولا

شهد العام الماضي تغيرات حادة لمنطقة غرب أفريقيا، حيث تفشى فيروس الإيبولا وانحسر أكثر من مرة. ولكن الآن، وبعد ما يقرب من عامين من مكافحة هذا الفيروس القاتل، تبدو المنطقة أخيراً خالية من فيروس الإيبولا، إذ لم تسجل أياً من الدول الثلاث الأكثر تضرراً وهي غينيا وليبيريا وسيراليون أي حالة نشطة منذ منتصف شهر نوفمبر.

وبينما يحذر الخبراء من احتمالية ظهور فيروس الإيبولا مجدداً في مرحلة ما، إلا أن الحكومات والعاملين في مجال الصحة والمجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية يقولون أنهم أصبحوا الآن أفضل استعداداً لوقف أي تفش جديد للمرض.

وعلى الرغم من أن المنطقة ربما تدخل عام 2016 خالية من فيروس الإيبولا، إلا أن الكثير من الأشخاص لا زالوا يعانون من آثاره. فقد أصيب أكثر من 28,600 شخص وتوفي 11,315، بينما فقد مئات الآلاف وظائفهم أو أحباءهم أو انقلبت حياتهم رأساً على عقب. وقد وصل إجمالي الخسائر الاقتصادية نحو 1.6 مليار دولار في عام 2015 وحده، وذلك وفقاً للبنك الدولي. وعلى الرغم من أن الأطفال عادوا أخيراً إلى المدارس هذا العام بعد شهور من تعطل الدراسة، إلا أن الأثر الطويل الأجل على الأطفال والتعليم سيظل غير معروف لسنوات قادمة. وفي حين أن الوصم بالعار قد تراجع، إلا أنه لم يتم بعد قبول الأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة أو العاملين في علاج فيروس الإيبولا في مجتمعاتهم المحلية.

والجدير بالذكر أن شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) قد غطت تفشي وانحسار الفيروس منذ البداية، أي منذ مارس 2014. وفيما يلي نلقي نظرة إلى الوراء على مجموعة مختارة من القصص المتعلقة بفيروس الإيبولا هذا العام:

الجيد

قبل تفشي فيروس الإيبولا، اعتاد الكثير من الغينيين الاعتماد فقط على رجال الطب المحليين أو ما يسمى بـ féticheurs لعلاج ما يعتريهم من علل وأمراض مختلفة. ولكن عندما شاهدت المجتمعات المحلية أن أفرادها وكذلك المعالجين التقليديين يتوفون من فيروس الإيبولا – وأن قوتهم لم تكن على ما يبدو قوية بما يكفي لمكافحة الفيروس- بدأ المزيد من المرضى يأخذون المشورة من العاملين في مجال الصحة، ويسعون للحصول على الرعاية من الأشخاص المرخص لهم من الأطباء والممرضين.

انظر: الجانب الإيجابي للإيبولا: الغينيون يتعلمون الثقة في المستشفيات


وقد ظلت الأسر ممنوعة لفترة طويلة بعد تفشي المرض من عقد المآتم التقليدية، بسبب مخاوف من أن يساعد اختلاط الناس في انتشار الفيروس. واعتقد الناس أنهم لن يتمكنوا أبداً من وداع أحبائهم بالشكل الذي ينبغي. ولكن مع إعلان المزيد من المجتمعات هذا العام خالية من فيروس الإيبولا واستئناف التجمعات العامة، وجد الكثيرون أخيراً هذه الفرصة.

انظر: بعد مرور عام، الغينيون يبدؤون أخيراً في دفن المتوفين بسبب الإيبولا


كما فقد عدد كبير من الناجين من الإيبولا، لاسيما في بداية تفشي المرض، وظائفهم، واستبعدوا من المشاركة في الفاعليات المجتمعية، وكانوا منبوذين غالباً حتى من قبل أسرهم. ولكن بفضل حملات التثقيف التي تمت على نطاق واسع، يتم الآن الترحيب بعودة الكثيرين منهم.

انظر: الناجون من الإيبولا في ليبيريا يجدون أملاً غير متوقع


السيء

يعرف سكان غرب أفريقيا بتفاعلاتهم الودية والشخصية، حتى مع الغرباء. ولكن فيروس الإيبولا الذي ينتقل عن طريق الاتصال الجسدي، غيّر كل ذلك. فنظراً لخوفهم الشديد من الاقتراب كثيراً من أي شخص، تخلى كثير من الناس عن التقليد الأكثر شيوعاً وهو المصافحة.

انظر: مذكرات الإيبولا في غينيا: في أرض المصافحات المفقودة

أعلنت منطقة جيكيدو في غينيا، التي بدأ تفشي الإيبولا فيها، أنها خالية من الفيروس في يناير 2015. ولكن هذا التقرير المصور والريبورتاج من جنيفر لازوتا، محررة شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في غرب أفريقيا، يظهر كيف بدأ الناس يدركون مدى الضرر الذي لحق بالمنطقة.

انظر: الإيبولا وأنا: حكايا من غينيا

انظر: ألم الوضع العادي الجديد: غينيا بعد فيروس الإيبولا

بدأت الأمور في التحسن في سيراليون وليبيريا بحلول منتصف العام، فقد انخفضت نسبة البطالة للمرة الأولى منذ بدء تفشي الفيروس، وأعيد فتح المدارس بعد تسعة أشهر من الإغلاق. ولكن العديد من الأسر تقول أنه ليس لديها ما يكفي من الطعام وأن معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة لا تزال مرتفعة. وتشير منظمة إنقاذ الطفولة إلى أن 10 بالمائة فقط من الطلاب قد عادوا بشكل مبدئي إلى المدراس، ذلك أن الكثيرين خائفون جداً، في حين تحول آخرون إلى بيع البضائع في الشوارع من أجل إعالة أسرهم.

انظر: فيروس الإيبولا في سيراليون: الطريق لا تزال طويلة
انظر: المدارس تعيد فتح أبوابها، ولكن فيروس الإيبولا يبقي التلاميذ في الشوارع
انظر: تأثير فيروس الإيبولا يصل إلى المدارس الليبيرية

القبيح

يُعتقد أن حوالي 17,000 شخص قد نجوا من فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا. ولكن محنتهم لم تنته بعد. فأكثر من نصفهم يقولون أنهم يعانون من ألام المفاصل المنهكة والصداع والشعور بالتعب وقد لاحظ 25 بالمائة على الأقل منهم درجة ما من تغير الرؤية، حيث أقترب العديد منهم الآن من الإصابة بالعمى، وذلك وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. ولا تزال خيارات الرعاية الصحية المتاحة لهم محدودة.

انظر: متلازمة ما بعد الإيبولا: الأمر لم ينته بالنسبة للناجين من الفيروس


خاطر أكثر من 20,000 ليبري بحياتهم لدفن الموتى خلال فترة تفشي فيروس الإيبولا. وترك العديد منهم وظائفهم السابقة من أجل المساعدة في احتواء الفيروس وتطوع آخرون ببساطة بوقتهم. والآن، وبسبب الوصمة الاجتماعية المستمرة، لا يستطيع هؤلاء الحصول على عمل جديد. ويواجه عمال الدفن في سيراليون نفس المصير: فبعد مضي أشهر على اكتشاف آخر حالة مصابة بفيروس الإيبولا، لا يزال المتطوعون منبوذين من قبل أسرهم ومجتمعاتهم.

انظر: وصمة العار تترك عمال دفن موتى الإيبولا دون دعم
انظر: بعد الإيبولا، عمال الدفن في سيراليون يخشون مستقبلاً قاتماً


فقد ما يقرب من 6,000 طفل في ليبيريا أحد أو كلا الأبوين بسبب الإصابة بفيروس الإيبولا. وفي حين أن العديد منهم وجدوا دعماً من الأصدقاء أو الأسرة أو الجيران، إلا أنهم لم يكونوا جميعاً محظوظين هكذا.

انظر:
ماذا حدث لأيتام الإيبولا في ليبيريا؟ 

كانت ليبيريا بحاجة ماسة للأطباء والممرضين قبل تفشي فيروس الإيبولا. بعد ذلك، توفي أكثر من 200 من العاملين في مجال الصحة جراء الإصابة بالفيروس. والآن، وفي وقت يحتاج فيه البلد لموظفين جدد في العيادات أكثر من أي وقت مضى، يقول كثير من الليبيريين أنهم خائفون جداً من دخول مهنة الطب. وفي سيراليون، حيث توفي أكثر من 220 من العاملين في مجال الصحة جراء الإصابة بالإيبولا، يساور العديد القلق بشأن أثره على النساء الحوامل. وقد حذر البنك الدولي من أن معدل الوفيات النفاسية في الدولة قد يزيد بنسبة تصل إلى 74 بالمائة بسبب أزمة الإيبولا.

انظر: فيروس الإيبولا يرعب الممرضين المتدربين في ليبيريا
انظر: ضحايا الإيبولا في المستقبل: النساء الحوامل


التطلع إلى المستقبل

تعهدت منظمة الصحة العالمية بإجراء إصلاحات داخلية عقب تعرضها لانتقادات واسعة حول استجابتها المتأخرة و"غير كافية" لتفشي فيروس الإيبولا. وفي حين أن ماتشيديسو موتي، المديرة الإقليمية الجديدة للمنظمة لقطاع أفريقيا، تقول أن المنظمة استخلصت وتعلمت من الدروس المستفادة وأصبحت أقوى بعد إجراء التغييرات، ولكن خبراء الصحة يرون أنه لا يزال أمام المنظمة طريق طويل تقطعه.

انظر: هل تستخلص منظمة الصحة العالمية الدروس والعبر من فيروس الإيبولا؟

jl/ag-kab/dvh