حل مشكلة المساعدات الإنسانية في اليمن

عندما حاولت الأطراف المتحاربة في اليمن تطبيق وقف إطلاق النار في المرة السابقة، لم يستمر لأكثر من بضع ساعات. ويعني هذا، جنباً إلى جنب مع التحديات المستمرة التي تواجهها المنظمات الإنسانية لإيصال المساعدات إلى الـ 21.2 مليون شخص الذين يحتاجون إليها، أن تلك المنظمات تتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوع الذي بدأ صباح يوم الثلاثاء بحرص شديد.

"إننا نأمل أن يوفر لنا وقف إطلاق النار فرصة تشتد الحاجة إليها للوصول إلى المناطق التي لا يمكن الوصول إليها في الوقت الحالي،" كما أفاد سجاد محمد ساجد: المدير القُطري لمنظمة أوكسفام في اليمن خلال حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، واصفاً توقعاته بأنها قائمة على التفاؤل المشوب بحذر.

ولكن نقص المساعدات يتجاوز مجرد الوصول إلى المناطق النائية أو الخطوط الأمامية المختلفة في هذا الصراع الممتد والمعقد.

أحضر محمد علي كباس أسرته - زوجته وأطفاله الستة، وشقيقه وزوجة شقيقه وأطفالهما السبعة - من صعدة، معقل المتمردين الحوثيين في شمال البلاد، إلى العاصمة قبل شهر من حديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

ومن بين ما يقدر بنحو 2.3 مليون يمني شردهم الصراع، تقيم العائلة مع نحو 150 نازحاً آخرين في أحد المراكز في صنعاء.

وقال كباس البالغ من العمر 43 عاماً: "لم نحصل على أي شيء: لا مراتب ولا طعام ولا أي شيء. وليس لدي [مصدر] للدخل".

في السياق نفسه، قال علي القرن، الذي يقيم في نفس مركز النازحين في صنعاء منذ ما يقرب من ستة أشهر، أن المساعدات الدولية لم تكن كافية.

ويساعد القرن في جمع المعونات من الجهات المانحة المحلية حتى يتمكن سكان المركز من الحصول على طعام. إنها الطريقة الوحيدة لتدبر أمورهم، حيث قال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "ليست لدي وظيفة، وفي هذه الأيام لن يستأجرنا أحد، حتى [لأداء الأعمال الوضيعة]".

أين المساعدات؟


وتعُتبر الثغرات في القدرة على إيصال المساعدات في اليمن سراً معلناً.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال جوليان هارنيس، المدير القطري لمنظمة اليونيسف في اليمن: "إن الاحتياجات هائلة، ولذلك لا يمكن للمنظمات الإنسانية أن تغطيها كلها".

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج حوالي 82 بالمائة من سكان البلاد إلى شكل من أشكال المساعدة، أي بزيادة قدرها 5.3 مليون شخص عن العام الماضي.


واتفق ساجد من أوكسفام مع هذا الرأي قائلاً: "لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الاحتياجات على الأرض والمساعدات الإنسانية التي يتم تسليمها في اليمن".

"وعلى الرغم من كل العمل الذي تقوم به ... المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة، لا يساورني شك في أن المساعدات لم تصل إلى [بعض الناس]. إن الاستجابة الإنسانية الحالية لا تزال بالفعل أقل بكثير من ما توجد حاجة إليه في هذه الفئة من الأزمات الإنسانية،" كما أضاف.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوقف الأخير في القتال يتزامن مع بدء محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة في سويسرا بهدف وضع نهاية للقتال المستعر منذ تسعة أشهر بين المتمردين الحوثيين وأنصار الرئيس عبد ربه منصور هادي، بما في ذلك التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية والذي يقصف البلاد منذ شهر مارس الماضي.

وقد لقي أكثر من 5,700 شخص مصرعهم، نصفهم على الأقل من المدنيين، خلال القتال والقصف. وهناك مزاعم بأن الحوثيين لديهم علاقات مع إيران ومتحالفون أيضاً مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي حكم اليمن لمدة 33 عاماً حتى تخلى عن السلطة لهادي في عام 2012. ولقد انتهزت جماعات متشددة أخرى، بما في ذلك تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ومؤخراً، ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، فرصة انتشار الفوضى لاحتلال أراض جديدة والحصول على دعم.

هل تكمن المشكلة في الإمدادات؟


في بداية النزاع، كانت المنظمات الإنسانية تشكو من أن التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية يستغل سيطرته على الموانئ لمنع استيراد الإمدادات الأساسية، بما في ذلك الإمدادات الإنسانية.

وقد علمت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من عدة مصادر في الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية أن مشكلة العرض هذه أصبحت أقل أهمية الآن. ولكن بعد دخول المساعدات إلى البلاد، لا تزال هناك مشاكل أخرى ينبغي التعامل معها.

"حتى عندما تصل الإمدادات، يصبح الوصول إلى الطرق عائقاً كبيراً. توجد أعداد كبيرة من نقاط التفتيش المسلحة التي تؤخر وصول الإمدادات، وفي بعض الحالات، تمنع وصولها تماماً،" كما أوضح داو محمد، المدير القُطري لمنظمة كير الدولية.

ويزداد الأمر صعوبة في مناطق مثل عدن، حيث تتقاتل جماعات متشددة متعددة من أجل فرض سيطرتها، أو في تعز، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها 200,000 نسمة، وقد اتهم رئيس الشؤون الانسانية بالأمم المتحدة ستيفن أوبراين الحوثيين الشهر الماضي بعرقلة المساعدات المتجهة إليها، مؤكداً أن المدينة في حالة "حصار فعلي".

انظر: الحياة تحت الحصار في اليمن


"على الرغم من المحاولات المتكررة التي بذلتها وكالات الأمم المتحدة والشركاء في المجال الإنساني للتفاوض على إيصال المساعدات والوصول إلى الناس، ظلت شاحناتنا عالقة عند نقاط التفتيش، ولم يتم السماح سوى بدخول مساعدات محدودة للغاية،" كما قال أوبراين في ذلك الوقت.

وبالإضافة إلى مناطق الأزمات، هناك أيضاً مجموعات محددة محرومة. وقد أشارت كل من اليونيسف ومنظمة أوكسفام إلى المهمشين كأقلية تحتاج إلى المزيد من المساعدة. وغالباً ما يُشار إلى هذه المجموعة بازدراء على أنهم "خدم" ويعانون من التمييز ضدهم بسبب بشرتهم الداكنة، ولقد تضرروا بشكل خاص من النزاع.

والجدير بالذكر أن المهمشين يُعاملون على أنهم ينتمون إلى طبقة دنيا، وكانوا يعيشون بالفعل على هامش المجتمع قبل الصراع. وقال هارنيس أنه في حين أن العديد من النازحين لجؤوا للإقامة مع أفراد عائلاتهم أو في المجتمعات المحلية، إلا أن المهمشين أكثر عرضة للعيش في العراء أو المباني العامة.

يذكر أن منظمة اليونيسف ستدشن برنامج تحويلات نقدية يستهدف هذه الفئة من السكان، بينما قال ساجد من أوكسفام أن منظمته تضاعف أيضاً جهودها الرامية إلى "التواصل معهم".

إذاً هل المشكلة هي التوزيع؟

كانت جميله المجاهد، مديرة مدرسة معاذ بن جبل في صنعاء، التي تُستخدم كمركز توزيع لإحدى المنظمات الإنسانية الكبرى، سعيدة بقدرتها على المساعدة، ولكنها كانت غاضبة من ما آلت إليه الأمور.

"فوجئنا عندما اتصلت بي المنظمة لفتح المدرسة وتلقي المساعدات، ومن ثم طلبوا منّا أن نوقع على وثيقة تفيد بأننا قد تسلمناها،" كما أخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

وأضافت أن "الفريق الذي يقوم بتوزيع المساعدات لم يتلق أي تدريب على كيفية توزيع المعونات أو الأشخاص الذين سيتعاملون معهم قبل بداية عملية التوزيع".

كما اشتكت المجاهد من أن العملية كانت غير منظمة ومربكة، وأنها لم تحصل على أجر كاف، خاصة مقابل تعطل العمل بمدرستها، التي شعرت بأنها تُركت في حالة فوضى.

من جانبها، قالت كل المنظمات الإنسانية التي تحدثت إليها شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنها تتحقق بعناية من شركائها المحليين المكلفين بتسليم المعونات، وهي المنظمات غير الحكومية والسلطات المحلية. لكن لدى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الأخرى قواعد أمنية مشددة تفرض قيوداً تتعلق بالأماكن التي يمكن أو لا يمكن لموظفيها الذهاب إليها. ولذلك، عندما تصل المساعدات إلى نقطة التسليم، لا تستطيع بعض الوكالات تتبع مسارها لمسافة طويلة.

وفي هذا الشأن، قالت رانيا راجي، مدربة الحماية المتجولة في منظمة أوكسفام، خلال مؤتمر في لندن الأسبوع الماضي بعنوان "حرب اليمن المنسية: الآثار المترتبة على الأمن والتنمية"، أن أحد أسباب عدم كفاية المساعدات هو تلك "القيود الذاتية".

وأشار هارنيس إلى أنه من الصعب على العاملين في الميدان العمل على الأرض لتحديد المحتاجين إلى المساعدة، وأيضاً متابعة العمل والتأكد من أنهم يحصلون عليها بالفعل. وأضاف أن عملية الرصد هذه تشكل "تحدياً كبيراً" لمنظمة اليونيسف.

وبالإضافة إلى تعزيز وجودها على الأرض، تعكف اليونيسف، جنباً إلى جنب مع شركاء آخرين، على وضع آلية إلكترونية من شأنها أن تسمح لها برصد إيصال المساعدات الإنسانية على نحو أفضل. وستكون هذه الآلية عبارة عن أحد التطبيقات التي ستسمح للشركاء المحليين بالإبلاغ عن الإمدادات التي سلموها على نظام يمكن للمنظمات الإنسانية رصده لحظياً.

ولكن هارنيس أضاف أن هناك مشكلة توزيع خطيرة أخرى، وهي تتعلق بانعدام الأمن في اليمن وانتشار الفقر وارتفاع أسعار الوقود: ففي بعض الأحيان، لايستطيع السكان المحليون ببساطة الوصول إلى الأماكن التي يتم تقديم المساعدة فيها.

وهذه المشكلة ملحوظة بشكل خاص في برامج التعليم والتطعيم، حيث قال أن هناك انخفاضاً في معدل ذهاب الأطفال إلى المدارس وعدد الأشخاص الذين يذهبون للحصول على الأدوية التي يحتمل أن تكون منقذة للحياة.

وأوضح هارنيس أن "المنظمات الإنسانية ... ستقوم بإيصال المساعدات إلى نقطة ما. لكن السؤال هو: هل يستطيع السكان الوصول إلى هذه النقطة؟ هذا تحد أكبر بكثير".

هل تذهب المساعدات إلى المكان الصحيح؟

"أنا لست نازحاً داخلياً ولست بحاجة إلى المساعدة، ولكن رئيس الحي وضعني على قائمة ما،" كما أوضح أصيل الورد البالغ من العمر 18 عاماً، الذي أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه حصل على صندوق مليء بالمساعدات الغذائية التي لم يكن بحاجة إليها حقاً.

وعلى نطاق أوسع، كانت هناك مخاوف بشأن تحويل المساعدات عن مسارها. وقال أوبراين أنه "يشعر بالقلق إزاء التقارير التي تفيد بأن بعض المساعدات الموجهة إلى [تعز] قد تم تحويل مسارها بعيداً عن الناس الذين كانت مخصصة لهم".

وقالت مصادر في الأمم المتحدة أن تحويل مسار المساعدات لم يكن قضية رئيسية، لكن هناك مفاوضات مستمرة مع جميع أطراف النزاع - بما في ذلك التحالف السعودي - لضمان تسليمها إلى مستحقيها في نهاية المطاف.

وقال ساجد من أوكسفام أن التأكد من عدم تحويل مسار المساعدات الإنسانية لا يزال صعباً: "إنه تحد، ونحن نعمل تحت ضغط كبير، ولكننا تمكنّا حتى الآن من ضمان استقلالنا من حيث التسليم وتحديد المستفيدين".

ومن الواضح أن أكبر عائق يواجه إيصال المساعدات هو القتال نفسه وانعدام الأمن الذي أحدثه في أجزاء عديدة من البلاد. وفي غضون ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم الثلاثاء، كانت هناك بالفعل عدة تقارير غير مؤكدة عن وقوع اشتباكات.

am/ew-b/as/ag-ais/dvh"