أهداف تنمية غير مستدامة: هل 222 مؤشراً أكثر مما ينبغي؟

هل تواجه أهداف التنمية المستدامة خطر الإخفاق تحت ثقل طموحاتها النبيلة؟

في خضم هرولة الإحصائيين لإعداد قائمة طويلة جداً من المؤشرات للأهداف الـ 17 والغايات الـ159 بحلول شهر مارس المقبل، يرى النقاد أن الاندفاع لتحقيقها جميعاً يمكن أن يكون خطأ مكلفاً. كما يشعرون بالقلق من أن تضطر الدول التي تواجه تحديات لوجستية هائلة في عملية تنفيذ الأجندة الضخمة وقياسها إلى "انتقاء" الأهداف أو استبعاد الأجندة برمتها.

ويحذر بعض الخبراء من أن المهمة الهائلة المتمثلة في توفير التمويل والبيانات والأدوات لقياس العديد من التحسينات النوعية في حياة الناس قد تلقي بظلالها على الضرورات الملحة للتنمية. كما أنها، في عالم اليوم المضطرب بفعل أزمات اللاجئين والحروب الأهلية والإرهاب العالمي، لم تعد تحظى سوى باهتمام ضئيل من وسائل الإعلام.

وفي حين أن الأهداف الإنمائية للألفية تركز على الكمية، فإن أهداف التنمية المستدامة تركز على الجودة. فعلى سبيل المثال، سيكون عدد خريجي المدارس أقل أهمية إذا كان تعليمهم قد قاد إلى حصولهم على فرص عمل أفضل. ولكن كيف تقوم دولة ما بقياس هذه التغيرات النوعية؟ يرى الإحصائيون أن على البلدان أن تعالج هذا التحدي أولاً إذا كانت تريد حقاً قياس التحسينات الحقيقية في حياة شعوبها.

تصنيفات حسب العمر والنوع الاجتماعي والجنس

في بانكوك الشهر الماضي، اتفقت اللجنة المشتركة بين الوكالات المكلفة من الأمم المتحدة وفريق الخبراء على مجموعة من 159 مؤشراً تعرف باسم "المؤشرات الخضراء" ترتبط بالأهداف الـ 17 والغايات الـ 159. ولا يزال هناك 63 مؤشراً إضافياً محل خلاف، مما يعني أنه يتعين القيام بمزيد من العمل في الأشهر المقبلة قبل الموافقة عليها.

وفي هذا الصدد، قالت شهيده بديع، مدير مرصد البيانات المفتوحة، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن عملية بانكوك (التي شاركت فيها): "ستكون جيدة بقدر النتائج التي تتوصل إليها" ومع ذلك قالت أنه نظراً لضيق الوقت فقط، لم يتم تخصيص سوى بضع دقائق فقط لمناقشة المؤشرات الخاصة بالأهداف القليلة الأخيرة في القائمة.

وستتطلب العديد من المؤشرات الرمادية "بيانات مُصنفة"، مما يعني تقسيم فئات منفصلة مثل العمر والنوع الاجتماعي والجنس. ويُعد هذا شرطاً أساسياً للفكرة المحورية التي تستند إليها أهداف التنمية المستدامة وهي: "لن نترك أحداً خلفنا". ولكن شهيده بديع قالت أن معظم الأدوات الإحصائية المستخدمة في قياس التنمية "قد وضعت منذ سنوات عديدة ولا توفر هذا المستوى من التصنيف".

وأضافت أنه من الأهمية بمكان أن تعمل الدول على تطوير نظمها الإحصائية، بغض النظر عن مدى صعوبة ذلك، لكي تتمكن من قياس التقدم المحرز بشكل صحيح. وهناك الكثير من الأدلة على أن توفر بيانات أفضل يقود إلى قرارات أفضل ومن ثم إلى تحقيق الأهداف بشكل أفضل، حسبما ترى شهيده بديع، التي تعترف بأن الإطار الجديد للتنمية يضع الدول تحت ضغط هائل.
وستحتاج الدول الأكثر تقدماً ما لا يقل عن عامين لقياس مؤشرات أهداف التنمية المستدامة الخاصة بها. أما بالنسبة لتلك البلدان التي لا تتوفر لديها إحصاءات في مواقعها على شبكة الإنترنت، فإن عملية الحصول على هذه المعلومات ستكون أصعب بكثير وأكثر استهلاكاً للوقت.

كما أنها ستكون مكلفة جداً. وتقدر دراسة أجرتها شبكة حلول التنمية المستدامة، وهي عبارة عن مبادرة عالمية للأمم المتحدة يقودها جيفري ساكس، أن تكلفة تطوير الأنظمة الإحصائية لدعم وقياس أهداف التنمية المستدامة للبلدان الـ 77 ذات الدخل المنخفض، تصل إلى مليار دولار سنوياً على مدار الـ 15 عاماً المقبلة.

الاندفاع الجنوني

وترى كيسي دانينج، محللة السياسات في مركز التنمية العالمية، ومقره واشنطن، أن الاندفاع للانتهاء من المؤشرات بحلول شهر مارس المقبل أمر مضلل. وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "المؤشرات هي التي ستعطي الثقل والمصداقية لأجندة التنمية الجديدة...عار أن يتم قضاء ثلاثة سنوات ونصف على مناقشة الأهداف والغايات ويتم تقرير المؤشرات في أشهر".

وقالت دانينج أن إنجاز مؤشرات الأهداف الإنمائية للألفية استغرق عامين ولا يزال يتم إضافة مؤشرات جديدة عقب مرور ثماني سنوات. مع ذلك، يجري تطوير مؤشرات التنمية المستدامة الأكثر تعقيداً في عُجالة وفق "خط زمني عشوائي".

وأضافت أن بعض الأهداف الأخيرة -والأحدث- التي يتم الهرولة لصياغتها، مثل السلام والنمو الاقتصادي والحكم الرشيد، تستحق المزيد من الوقت والتحليل. وقالت: "كنت آمل أن نرى عملية أكثر شمولاً ودراسة بدلاً من هذا الاندفاع الجنوني للانتهاء من هذه المؤشرات في أقرب وقت ممكن".

كما انتقدت العدد المذهل من المؤشرات. وأشارت إلى أنه بمجرد أن يتم الاتفاق على المؤشرات الرمادية، قد تكون هناك قائمة بأكثر من 220 مؤشراً: "لا يمكنني أن أتخيل الذهاب إلى وزير للمالية أو وزير للتخطيط التنموي بقائمة تضم (ما يزيد عن 200) مؤشراً يجب أن يتابعوها بشكل سنوي أو ربع سنوي، لا بد أنها ستكون محل رفض وسخرية".

في السياق ذاته، ترى شهيده بديع أن تحقيق المؤشرات وقياسها أمران متلازمان، وأن الدول ستحتاج إلى دعم كبير من الوكالات الدولية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية. وينبغي القيام بما يمكن أن يطلق عليه "ثورة بيانات" لدعم أهداف التنمية المستدامة.

وأوضحت أن بعض المؤشرات تقيس النتائج وليس المدخلات، وتتعلق أيضاً بالإشراف على العملية. فعلى سبيل المثال، ينص أحد مؤشرات الهدف رقم 17 على أنه يجب إتاحة الموارد اللازمة لتحسين القدرات الإحصائية في البلدان النامية.

كما ترد على بعض الانتقادات الموجهة من بعض الخبراء من أنه لا توجد مؤشرات لدعم الهدف 16 المتعلق بالحد من الصراع. وتجدر الإشارة إلى أن روبرت موجه من معهد إيجارابي قد قال في إحدى الدراسات أن اجتماع بانكوك قد فشل في "الاتفاق على مقياس أساسي أو منهجية لإحصاء حالات الوفاة الناجمة عن الصراعات. وهذا يتناسب مع بعض البلدان التي تنظر على المسألة بشكل سياسي للغاية. وقال في نشرة دورية إنه أمر غير مقبول.

ورداً على ذلك، قالت شهيده بديع: "لدينا 13 مؤشراً أخضر لتحقيق هذا الهدف الذي يسعى بجدية لقياس الصراع ... لا يمكن القول أنه لا يوجد مؤشرات كافية لهذا الهدف". ولكنها أضافت قائلة: "ينبغي القيام بمزيد من الجهد لتحويل المؤشرات الرمادية إلى خضراء". فعلى سبيل المثال، سيحتاج إيجاد طرق لقياس ضحايا العنف – الذي لا يزال مؤشراً رمادياً – إلى تصنيف حسب العمر والجنس والنوع الاجتماعي.

مؤشرات أقل؟

وتعتقد دانينج أن المؤشرات الموضوعة كثيرة جداً بشكل يفوق قدرة الدول على متابعتها، وتقترح تقليصها إلى قائمة تضم 50 أولوية كحد أدنى. وأضافت أنه خلافاً لذلك، ستضطر الدول للموازنة بين ما تختار التركيز عليه وسينتهي الأمر إلى الاهتمام بالمؤشرات عن تحقيق الأهداف: "هذه البيانات لا يمكن أن تأتي من فراغ – بل تتطلب توفر أنظمة وعمليات وبنية تحتية. وسوف تعني أن يُطلب من بعض البلدان العمل على تحقيق هذه الأولويات ولا يطلب من الأخرى".

وأوضحت أن توفير البيانات في العديد من الدول الهشة والتي تعاني من الصراعات غير موجود تقريباً، "فالعديد من هذه البلدان تفتقر إلى البيانات المتعلقة بالأمور الأساسية مثل تسجيل المواليد ووفيات الرضع. فكيف تستوفي المؤشرات الجديدة التي تتطلب بيانات أكثر من ذلك بكثير؟"

واتفق خبراء آخرون على أن الحجم الهائل للأهداف والغايات والمؤشرات سيقود بعض البلدان إلى "انتقاء" أولوياتها الإنمائية. وقد يكون هذا مهرب جيد لتلك البلدان التي لا تحرص على معالجة الأولويات المثيرة للجدل السياسي والملغمة مثل المساواة بين الجنسين.

وقال فيليب شنروك، مدير مجموعة بحوث أمريكا اللاتينية لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن مهمة قياس أهداف التنمية المستدامة أمر معقد. وفي ضوء احتلال الجودة موقعاً جوهرياً في أجندة التنمية، قال أن "القياس على نطاق متعدد الأبعاد" سيكون مطلوباً. ووصف التحدي بأنه "ليس مستعصياً على الحل"، لكنه يرى أن الافتقار إلى الموارد البشرية والتكنولوجية لقياس الأهداف يمثل تحدياً خطيراً.

ويرى شونروك أن الخطر يكمن في أن أهداف التنمية المستدامة لا تلقى استجابة سياسية وتفقد في نهاية المطاف زخمها وقوتها. وخطر "قيام الدول بالانتقاء هو أمر واضح ولكن يتم تجاهله أو عدم معالجته".

وفي ذات السياق، انتقد هانز هيرين، رئيس معهد الألفية، الاندفاع للوصول إلى خط النهاية، قائلاً أن التركيز على القياس سوف يسحب التركيز من المسألة الأكثر جوهرية وهو كيفية الوصول إلى الهدف. وقال هيرين: "دعونا ننفذها بالشكل الصحيح هذه المرة، حتى لو كان الأمر سيستغرق وقتاً أطول قليلاً".
ومع الإقرار بصعوبة الحصول على موافقة 193 دولة، قال أن تطبيق مبادئ توجيهية والمرونة والأدوات من شأنها أن تعزز هذه العملية.

يؤيد هيرين فكرة الإطار العالمي الذي يضع الحد الأدنى من المتطلبات لكنه يرى أن الدول بحاجة إلى أن تقرر بنفسها كيفية الوصول إلى الأهداف، في اتباع نهج القاعدة إلى القمة بدلاً من القمة إلى القاعدة: "يجب أن يكون الإطار مرناً بشكل كاف بحيث يتيح التكيف مع خصوصية كل بلد. ولكنني لست متأكداً تماماً إذا كانوا يعالجون هذا الأمر بشكل صحيح الآن".

وقال أنه من الممكن تحقيق وفورات ضخمة إذا قامت الدول بدراسة "العراقيل" الموجود في نظمها، وتوقفت عن الازدواجية والهدر. على سبيل المثال، أظهرت الأبحاث التي أجراها معهده أنه كان بإمكان غانا توفير 15 بالمائة من إنفاقها على الأهداف الإنمائية للألفية لو أنها ربطت بين أولوياتها الإنمائية على نحو أفضل. ولكن الإدارات تميل إلى العمل بشكل منفصل كجزر منعزلة. وسوف توجه البلدان التي تفتقر إلى القدرات صعوبة في مواءمة أهدافها.

وختاماً، قال هيرين: "نحن بحاجة إلى مناقشة هذه العملية بمزيد من التفصيل ... نحن بحاجة إلى أدوات لوضع تصورات لسيناريوهات مختلفة حول كيفية الوصول إلى بعض الأهداف، التي ستختلف من بلد إلى آخر. وهذا أكثر أهمية قبل أن نبدأ في وضع مزيد من المؤشرات".

pg/ag-kab/dvh