مشاكل قديمة في القدس القديمة

تقف فاتن غوشة، وهي أم فلسطينية لخمسة أطفال تبلغ من العمر 33 عاماً، على سطح منزلها المهدوم جزئياً في مدينة القدس القديمة ويمكن رؤية المسجد الأقصى من خلفها. تتذكر فاتن ما حدث قبل خمس سنوات عندما وصلت القوات الإسرائيلية في الخامسة صباحاً لهدم بناء مكون من غرفتين وحمام كان زوجها قد بناه وأنفق عليه مدخراتهما البالغة 700,000 شيكل (180,000 دولار) بأكملها.

ولتجنب الغرامة التي تفرضها بلدية القدس مقابل عملية الهدم، دعا الزوجان غوشة الرجال في أسرتهما للقدوم وهدم الجدران.

"كان الأطفال جميعاً يبكون. وجلب الأطفال الأكبر سناً المطارق وبدؤوا في الهدم مع والدهم،" كما قالت.

والآن تضطر الأسرة المكونة من تسعة أفراد، والتي تضم حماة فاتن وشقيقة زوجها، إلى تدبر أمورها في غرفة نوم واحدة فقط.

"من أجل حماية هذا المسجد سنواصل العيش هنا. نحن نعتبر أنفسنا ... مدافعين عن الأقصى،" كما أوضحت وهي تشير إلى القبة اللامعة في الأفق.

ويوضح تعليقها على الأقل بعض المشاعر التي أججت موجة العنف في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة التي بدأت الشهر الماضي وراح ضحيتها 16 إسرائيلياً، وأمريكي واحد، وإريتري واحد، وما لا يقل عن 90 فلسطينياً، من بينهم المهاجمين.

وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، يُعتبر المسجد الأقصى، الذي يوجد على أرض احتلتها إسرائيل في عام 1967، رمزاً سياسياً بقدر ما هو رمز ديني.

وكانت الاستفزازات الإسرائيلية المزعومة في المسجد الأقصى وجبل الهيكل - المُقدّس لدى كل من اليهود والمسلمين - بمثابة الشرارة التي أشعلت برميل البارود، الأمر الذي تسبب في هدم المنازل، وفرض الضرائب دون تقديم خدمات، ونقص الفصول الدراسية وترك المنطقة في فقر مدقع.

وبينما انتقل قدر كبير من العنف إلى الضفة الغربية (على الرغم من وقوع حادث طعن يوم الإثنين في القدس الغربية)، لا تزال القدس الشرقية هي النقطة المحورية للاحتجاجات، والقضايا التي يواجهها الفلسطينيون هناك واضحة كالشمس داخل أسوار البلدة القديمة، حيث بدأ اشتعال الموقف.

مشاكل رخص البناء

تقدم الزوجان غوشة بطلب للحصول على رخصة لبناء الغرفتين اللتين تم هدمهما في نهاية المطاف، لكنه رُفض. وترى منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك جمعية حقوق المواطن في إسرائيل (ACRI)، أنه يكاد يكون من المستحيل على الفلسطينيين الحصول على تصاريح.

فقد تم تخصيص 14 بالمائة فقط من القدس الشرقية الفلسطينية للاستخدام السكني، أي أن أقل من ثمانية بالمائة من إجمالي مساحة القدس مخصصة لثلث سكانها.

وفي عام 2014، دمرت القوات الإسرائيلية 98 مبنى فلسطينياً في القدس الشرقية بحجة أنها بُنيت دون تصاريح، وكان من بينها اثنان في البلدة القديمة، مما أدى إلى تشريد سبعة أشخاص، من بينهم خمسة أطفال.

من جانبها، تصر بلدية القدس على أن الفلسطينين من سكان القدس الشرقية يمكنهم الحصول على تراخيص بناء. وتشير المدينة إلى إحصاءات عام 2014: من بين 108 طلباً لإصدار تصاريح بناء في القدس الشرقية، تم منح 85 تصريحاً.

ورداً على سؤال عما إذا كانت هذه التصاريح قد مُنحت للسكان الفلسطينيين أو المستوطنين الإسرائيليين اليهود الذين يعيشون في القدس الشرقية، قال بن أفراهامي، المتحدث باسم البلدية أن هذه المعلومات ليست متوفرة لديه.

والحقيقة هي أن العديد من الفلسطينيين يشعرون قبل تقديم الطلبات أنهم لن يحصلوا على تصاريح. ووفقاً للإحصاءات التي أجرتها جمعية حقوق المواطن، تم بناء ما يقدر بنحو 39 بالمائة من المنازل في القدس الشرقية دون تصريح.

وأفاد أفراهامي في حديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "هذا لا يرجع إلى رغبتنا في أن نجعل حياتهم أكثر صعوبة. إنها مشكلة تتعلق بالطابو [تسجيل الأراضي]. إن إثبات الملكية أمر معقد جداً". وأضاف أنه لتحقيق هذه الغاية، شكلت المدينة لجنة خاصة لدراسة حالات أولئك الذين يدعون ملكية الأرض، ولكنهم يفتقرون إلى كافة الوثائق، ولكن ليس في كل القدس الشرقية.

نقص الخدمات

بعد الهدم، وإزالة سقف الطابق العلوي ومعظم الجدران، أضاف الزوجان غوشة الصفيح في محاولة لحمايتهم من الرياح والأمطار، ولكنه ليس كافياً. فخلال العواصف الشتوية القوية، تتسرب المياه إلى المنزل. كما فرضت عليهما المدينة غرامة بسبب وضع الصفيح.

وتدفع الأسرة أيضاً ضريبة الأرنونا، وهي ضريبة على الأملاك، إلى البلدية. ويُعد دفع هذه الضرائب من الأهمية بمكان لسكان القدس الشرقية لأنه يساعدهم على إثبات أن المدينة لا تزال هي مركز حياتهم - وهي حالة يجب عليهم الوفاء بها من أجل الاحتفاظ بحقهم في الإقامة، وبالتالي، الحصول على بطاقات هوية إسرائيلية. وقد أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، المسؤول عن تنسيق أعمال الأمم المتحدة في حالات الطوارئ، أن أكثر من 14,000 فلسطيني قد فقدوا حق الإقامة في القدس منذ عام 1967.

وعندما سُئلت فاتن عن الخدمات التي تحصل عليها مقابل الضريبة، تساءلت: "أي خدمات؟"

وتوافقها الرأي جهاد يوسف البالغة من العمر 49 عاماً والتي قامت بتربية أطفالها الستة في البلدة القديمة، ووُلدت ونشأت داخل جدرانها.

تتذكر جهاد محاولتها لإلحاق ابنها إبراهيم بالمدرسة التي تديرها الحكومة بالقرب من منزلهم. لم تكن هناك أماكن متاحة، ولذلك اضطرت لإلحاقه بمدرسة خاصة كلفتها 3,000 شيكل (770 دولاراً) سنوياً.

وتشير تقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن المدينة بحاجة لتوفير 2,200 فصل دراسي إضافي لتلبية الاحتياجات التعليمية للمجتمع الفلسطيني. وتقول البلدية أنها تتصدى لهذه المسألة، وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في بيان أرسلته بالبريد الإلكتروني: "نحن نبني 100 فصل دراسي جديد في القدس الشرقية كل عام، وهذا أكثر من أي قطاع آخر في القدس".

وهناك نقص في الخدمات الأساسية الأخرى أيضاً حيث يحق للفلسطينيين من سكان القدس الشرقية الاستفادة من نظام الرعاية الصحية العام في إسرائيل، ولكن هناك عيادة واحدة فقط تقدم خدمات مجانية لرعاية ما قبل الولادة والرضع وطب الأطفال في البلدة القديمة، وهي تقع في الحي اليهودي. وبالمثل، توجد في القدس الشرقية 7 عيادات من هذا النوع، و26 عيادة في الأحياء اليهودية في المدينة، ثلاثة منها تخدم الأسر الفلسطينية أيضاً.

وتضم المناطق العربية - وهي الأحياء الإسلامية والمسيحية والأرمنية - كثافة سكانية أعلى والعديد من المباني الموجودة هناك في حالة سيئة. واعتباراً من عام 2002، وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، كان ثلث المنازل الفلسطينية في البلدة القديمة يفتقر إلى المياه الجارية ولم تكن حوالي 40 بالمائة منها متصلة بنظام الصرف الصحي.

أوقات صعبة

لا تفصل منزل غوشة عن طريق الواد سوى مسافة قصيرة. إنه شارع ضيق مرصوف بالحصى ويؤدي إلى المسجد الأقصى، ثالث أقدس موقع في الإسلام، وكذلك الحائط الغربي، الذي يقدسه اليهود والذي وقع فيه أول طعن بسكين في شهر أكتوبر الماضي.

يمتلك نبيل أبو سنينة وشقيقه سعادة مخبزاً على هذا الطريق، وبحسب تقديراتهما، فقد انخفضت المبيعات بنسبة 90 بالمائة منذ بدء الاضطرابات.

وتاريخياً، كانت هذه المنطقة مركزاً للتجارة الفلسطينية، ولكن الموردين في الضفة الغربية يجدون صعوبة في الوصول إلى الأسواق والباعة المتجولين بسبب صعوبة الحصول على إذن من الحكومة الإسرائيلية للدخول والتنقل عبر نقاط التفتيش، وخاصة منذ بناء الجدار الفاصل الذي يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية ويقتطع جزءاً من القدس الشرقية. وقد اختفى الآن العديد من المشترين الذين كانوا يأتون إلى البلدة القديمة بهدف التسوق.

وبحسب تقديرات جمعية حقوق المواطن، انخفضت نسبة الأشخاص الذين يعيشون في أحياء القدس الشرقية خارج الجدار العازل ويقومون بالتسوق في القدس منذ اكتمال الجدار من 18 بالمائة إلى 4 بالمائة. وأكدت الجمعية أن "النشاط التجاري في وسط القدس الشرقية والبلدة القديمة تضرر بشكل خاص، وأصبح تسريح العمال أكثر تواتراً".

وتجدر الإشارة إلى أن معدل البطالة بين الرجال الفلسطينيين في القدس الشرقية يصل إلى حوالي 40 بالمائة. وبحسب بعض التقديرات، ترتفع معدلات البطالة في البلدة القديمة إلى 50 بالمائة.

وفي هذا الشأن، قال سعادة أبو سنينة البالغ من العمر 32 عاماً: "تغلق [القوات الإسرائيلية] الشوارع وقتما تشاء. إنهم يضايقوننا ويدخلون إلى متاجرنا. وقد تعرض العديد [من الرجال الفلسطينيين] إلى التفتيش بعد التجريد من الملابس أثناء دخولنا إلى البلدة القديمة سيراً على الأقدام".

ونظراً لركود المبيعات في الوقت الحالي، يشعر الأخوان أبو سنينة بالقلق من عدم قدرتهما على دفع ضريبة الأملاك على مخبزهما، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان المخبز في نهاية المطاف.

وفي السياق نفسه، قال زياد حموري، مدير ومؤسس مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، الذي يقدم المساعدة القانونية لفلسطينيي القدس الشرقية، أن أكثر المشاكل شيوعاً هي عمليات هدم المنازل، وعدم القدرة على دفع ضريبة الأملاك، وإلغاء تصريح الإقامة. وقد تم هدم ثلاثة منازل في المدينة في اليوم السابق لحديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

دائماً ما ترفع البلدية دعوى قضائية ضد المقدسيين الذين يتأخرون عن دفع ضرائبهم، وتلجأ إلى مصادرة السيارات والحسابات المصرفية والأجور، ولكن هذه الظاهرة تؤثر بشكل أكبر على السكان الفلسطينيين لأنهم، إلى حد كبير، أكثر فقراً من نظرائهم اليهود وأكثر عرضة للتخلف عن دفع ضريبة الأملاك في المقام الأول.

ويشعر حموري بقلق خاص إزاء المحاولات الأخيرة التي بذلتها المدينة لمصادرة الممتلكات الفلسطينية وبيعها في مزاد لسداد الديون الناجمة عن عدم دفع ضريبة الأملاك.

"يريد [الإسرائيليون] نتيجة سياسية لهذا الظلم الاقتصادي. إن الهدف هو دفع الناس إلى مغادرة المدينة [إلى ما وراء الجدار العازل]، ولكن أولاً إلى خارج البلدة القديمة،" كما أوضح.

مع ذلك، فإن عائلة غوشة المكونة من 9 أفراد ليست في عجلة من أمرها للذهاب إلى أي مكان آخر. وتقول فاتن أنها ما زالت مصممة على البقاء في المنزل الذي تملكه عائلة زوجها منذ عدة عقود، على الرغم من أنها تعترف بسأم أن "العيش في البلدة القديمة يشبه الاختناق".

mg/as/ag-ais/dvh