المهاجرون بسبب تغير المناخ في بنجلاديش

اعتاد الأمين العمل في زراعة الأرز في السهول الخصبة في الدلتا الشاسعة لنهر الغانج في بنجلاديش، ولكن مياه النهر أغرقت أرضه وأصبح الآن يجر عربة صغيرة في أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة المترامية الأطراف، دكا، لكسب قوت يومه.

الأمين، الذي يستخدم اسماً مفرداً فقط، هو من بين نحو 350,000 شخص، بحسب تقديرات البنك الدولي، الذين يهاجرون إلى العاصمة دكا سنوياً. يأتي معظم هؤلاء المهاجرين من الدلتا، حيث يتسبب ارتفاع مستوى المياه، وكثرة العواصف، وارتفاع ملوحة التربة، في تدمير الأراضي الزراعية.

يعيش الأمين الآن مع أسرته المكونة من سبعة أفراد في كوخ من غرفة واحدة في أحد الأحياء الفقيرة المزدحمة يسمى بهولا، وقد سُميت المنطقة بهذا الاسم بعد أن هجرها معظم سكانها عندما تآكلت موارد رزقهم التي كانت تعتمد على زراعة الأرض.

وعلى الرغم من أن منزل الأمين لا يزال قائماً بجوار ضفة النهر حيثما كانت توجد مزرعته، لكنه أصبح الآن مهجوراً. وتعليقاً على الوضع الحالي، قال الأمين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): لا نذهب إلى هناك في الأعياد لأنه لم يعد هناك ما يمكننا العودة من أجله".

ونظراً للتحول الدائم الذي يطرأ على المجاري المائية في الدلتا، من الصعب أن نقطع على وجه اليقين بأن الأمين قد فقد الأراضي الزراعية التي يمتلكها بسبب الآثار الناجمة عن تغير المناخ. مع ذلك، لا شك أن هذه الظاهرة تعصف بقوة ببنجلاديش وسكانها الذين يصل عددهم إلى 157 مليون نسمة. ونظراً لطبيعة أرض الدلتا المنخفضة والمكتظة بالسكان، وساحلها الذي تضربه الأعاصير، تُعد بنجلاديش واحدة من البلدان الأكثر عُرضة لارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف التي تزداد كثافة وتكراراً.

وفي هذا السياق، يصنف المرصد الألماني (Germanwatch)، وهو مؤسسة تعمل في مجال المناصرة والبحوث، بنجلاديش في المرتبة السادسة في قائمة الدول العشر الأكثر تأثراً بتغير المناخ بين عام 1994 و2013. وتوقع تقرير صدر عن البنك الدولي في عام 2013 "ارتفاع مستوى سطح البحر ودرجات الحرارة وزيادة كثافة الأعاصير، بشكل يهدد الإنتاج الغذائي وسبل كسب العيش والبنية التحتية، فضلاً عن تباطؤ وتيرة الحد من الفقر".

وتساهم تلك الآثار بالفعل في ظاهرة الهجرة الجماعية إلى المدن. وتوقعت دراسة نشرت في مجلة البيئة واقتصاديات التنمية في عام 2012، أن يدفع تغير المناخ في بنجلاديش ما بين 3 إلى 10 ملايين شخص إلى الانتقال للعيش في أمكان أخرى على مدى السنوات الـ 40 المقبلة.

وقد أعلنت جهات أخرى عن نتائج مماثلة، إذ قال روبرت واتكينز، المنسق المقيم للأمم المتحدة، في بيان له في شهر سبتمبر: "تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050، من المحتمل أن يصبح واحد من بين كل سبعة أشخاص في بنجلاديش، مشرداً من جراء تغير المناخ، ومن المتوقع أيضاً أن ينتقل هؤلاء إلى المراكز الحضرية التي تواجه صعوبات كبيرة بالفعل في تلبية احتياجات العدد الهائل من السكان".

تنامي الأحياء الفقيرة


ومثل الأمين وأسرته، ينتقل معظم المهاجرين للعيش في العاصمة دكا، التي يقطنها قرابة 14 مليون شخص وتعتبر وفقاً للبنك الدولي من بين المدن الضخمة الأسرع نمواً في العالم. وفي ظل وجود 2,600 شخص يعيشون في الميل المربع الواحد، تُعد بنجلاديش واحدة من البلدان الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، وتبلغ الكثافة السكانية في الأحياء الفقيرة 200 ضعف هذا الرقم، وفقاً للدراسة التي أجراها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في عام 2009. وتواجه المدينة حالياً صعوبات جمة في استيعاب الوافدين الجدد. ومن المتوقع أن يصبح الوضع أكثر صعوبة مع استمرار النمو السكاني وارتفاع حدة آثار تغير المناخ.

ويشير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى أن قرابة 60 بالمائة من الأحياء الفقيرة في دكا معرضة للفيضانات المتكررة. وفي ظل ارتفاع مستويات مياه البحر وذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا والأنهار التي تصب في منطقة الدلتا، سوف يزداد خطر الفيضانات، مما يجلب المزيد من المخاطر الصحية للمقيمين في تلك المناطق.

وأضاف التقرير أن "مياه الفيضانات في الأحياء الفقيرة يمكن أن تختلط بمياه الصرف الصحي، مما يؤدي إلى تفشي الأمراض المنقولة عبر المياه، مثل الإسهال والتيفوئيد والجرب ... ومن المحتمل أن يحدث تلوث في إمدادات المياه أيضاً أثناء الفيضانات، في ظل احتمال تعرض المواسير للعطب أو حدوث تسريب في المناطق الفقيرة".

علاوة على ذلك، يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى أن حجم الأحياء الفقيرة في دكا قد تضاعف خلال العقد الماضي، وأن الحكومة قامت بتشييد السدود والجدران الخرسانية ومحطات الضخ في بعض الأجزاء الأكثر ازدحاماً في المدينة.

استجابة الحكومة

وبالإضافة إلى الاستجابة لكوارث محددة، تعترف الحكومة بأن تغير المناخ يشكل تهديداً. وقد قدمت الأمم المتحدة جائزة "أبطال الأرض" لرئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد، في شهر سبتمبر، وذلك "تقديراً لمبادرات الدولة الرامية إلى التصدي لتغير المناخ".

وأشارت الأمم المتحدة على وجه التحديد إلى أن بنجلاديش تخصص حوالي سبعة بالمائة من ميزانيتها السنوية، أي ما يعادل مليار دولار، للتكيف مع تغير المناخ. بل إنها قامت بتعديل دستور البلاد في عام 2011 لتوجيه الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البيئة.

وعلى الرغم من أن الجهات الدولية المانحة توفر 25 بالمائة من ميزانية التكيف مع تغير المناخ في بنجلاديش، إلا أن وزير البيئة والغابات كمال الدين أحمد يقول إدأن على تلك الهيئات أن تقدم المزيد، لاسيما الدول الأكثر ثراء التي يعتبرها المسؤولة عن معظم الانبعاثات التي تتسبب في احترار كوكب الأرض.

وفي هذا الصدد، قال أحمد لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "على الدول الغنية التي تعد المتسبب الرئيسي في تغير المناخ أن تدفع أكثر للتكيف مع تغير المناخ في بنجلاديش حتى نتمكن من تدشين مشاريع جديدة واختبار أساليب جديدة للتكيف".

ومن المقرر أن يجتمع الشهر المقبل، ممثلون من الحكومات في جميع أنحاء العالم في باريس بغية التوصل إلى اتفاق بشأن الحد من الانبعاثات التي تسهم في الاحترار العالمي. وسوف يبدأ تنفيذ الاتفاق المزمع عند انتهاء سريان الالتزامات الحالية بحلول عام 2020.

وأضاف أحمد: "يجب أن يتوصل قادة العالم، في باريس، إلى اتفاق للحد من انبعاثات غازات الدفيئة (للحد من الاحترار العالمي بمقدار) 1.5 إلى 2 درجة مئوية من أجل إنقاذ بنجلاديش من مزيد من الكوارث".

ولكن هذه الجهود أصبحت، بالنسبة للكثيرين، متأخرة جداً.

بالعودة مرة أخرى إلى قرية في بهولا، كانت فاطمة زوجة الأمين تعمل في مزرعة الأسرة وتقوم على رعاية أطفالها. أما الآن، حيث تعيش في دكا، فإنها تترك أطفالها الخمسة في الكوخ المسقوف بالصفيح لتنظيف منزل شخص آخر. وجاء تعليقها على ذلك بسيطاً وقاسياً في آن واحد: "لقد غيرت الطبيعة مصيري ومكانتي الاجتماعي".

mh/jf/ag-kab/dvh"