المدنيون في الرقة على خط النار

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

تعد مدينة الرقة التي تقع في شمال شرق سوريا مركز قوة شديد الأهمية بالنسبة لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، بل من فرط أهميتها، يصفها العديدون بأنها "عاصمة" الجماعة. وقد اختارت فرنسا قصفها مراراً وتكراراً لكي تنتقم لضحايا هجمات باريس التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع.

فقد وعد الرئيس فرانسوا أولاند يوم الإثنين، بعد يوم من قصف طائرات حربية فرنسية للمدينة، بتصعيد الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية و"تدمير" تلك الجماعة.

ولم ترد تقارير عن سقوط قتلى مدنيين خلال الغارات الليلية، ولكن لا يزال الكثير من المدنيين في تلك المنطقة. كيف يتدبرون أمورهم؟ لا يخرج من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية سوى القليل من المعلومات الثمينة، ولكن إليكم ما استطعنا التأكد منه:

السكان المدنيون

قبل أن تبدأ الحرب في سوريا في عام 2011، كان عدد سكان الرقة يُقدر بنحو 220,000 نسمة. وعندما أحكم تنظيم الدولة الإسلامية سيطرته على عاصمة المحافظة في أوائل عام 2014، فر العديد من السكان إلى خارج البلاد أو انضموا إلى 6.5 مليون سوري نزحوا داخل بلدهم بسبب العنف.

وقد تم استبدال بعض السكان المحليين عبر تدفق الأشخاص الموالين لتنظيم الدولة الإسلامية، المقاتلون وأسرهم، وهذا يعني أن الخبراء لا يستطيعون تحديد عدد الناس الذين يعيشون هناك اليوم بالضبط.

ولا يعني الاستيلاء على المدينة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية أن جميع المقيمين فيها حالياً يدعمون التنظيم، كما أوضح كولومبو ستراك، محلل شؤون الشرق الأوسط في المؤسسة البحثية أي اتش إس (IHS).

بدلاً من ذلك، تعلم العديد من الأشخاص الذين بقوا في الرقة كيفية التعامل مع القواعد الصارمة وتجنب لفت الانتباه إليهم. وفي حديث إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال ستراك: "إنهم يحاولون تحقيق أفضل النتائج الممكنة في ظل هذا الوضع. ولا يريدون مغادرة منازلهم وبالكاد يتدبرون أمورهم".

وأوضح أن هذا يعني تحمل عقوبات يومية تقريباً تشمل الإعدام والجلد والتشهير بالسجناء في الأماكن العامة، "ولكن في خضم كل هذا، الحياة تستمر إلى حد ما".

وتجهر مجموعة من النشطاء المجهولين الذين لديهم وجود واضح على مواقع التواصل الاجتماعي ويطلقون على أنفسهم اسم "الرقة تُذبح بصمت"، بمعارضتهم لكل من تنظيم الدولة الإسلامية ونظام الرئيس بشار الأسد.

الفصل

وقد تعرضت الرقة للقصف مرات عديدة من قبل التحالف الدولي الذي يحارب تنظيم الدولة الإسلامية، والذي أصبحت فرنسا فجأة عضواً أكثر وضوحاً فيه. وتتباهي الجيوش المشاركة في الائتلاف بدقة الضربات التي تتجنب سقوط ضحايا من المدنيين، ولكن شكوكاً أُثيرت حول هذا النوع من الروايات.

وفي هذا الشأن، قال غادي صاري، الباحث في برنامج الشرق الاوسط وشمال أفريقيا في المعهد الملكي للعلاقات الدولية، شاتام هاوس، أن أحد الأسباب الأخرى لعدم سقوط ضحايا من المدنيين في غارة ليلة الأحد قد يكون انعدام الثقة بين تنظيم الدولة الإسلامية والسكان المحليين الذين يحكمهم.


من جانبها، أعلنت فرنسا أنها استهدفت مركز قيادة آخر تابع لتنظيم الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى مركز تجنيد ومستودع أسلحة ومعسكر تدريب خلال الغارة الجوية التي نفذتها مساء الأحد.


"كانت تلك الأماكن معروفة بأنها مقرات حكومية قبل أن يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية ... ومعظمها من الأماكن التي يتجنبها المدنيون لأن التنظيم متواجد بها، وهو لا يريد أن يتجول المدنيون في تلك المنطقة،" كما أفاد ساري.

بالإضافة إلى ذلك، تتعرض الرقة للقصف بانتظام رداً على عمليات تنظيم الدولة الإسلامية على الساحة الدولية، "وينبغي أن يتساءل المرء عما إذا كان [تنظيم الدولة الإسلامية] يتوقع ذلك،" كما قال ساري.

وأضاف أن بعض منشآت تنظيم الدولة الإسلامية تقع خارج مركز المدينة، في الريف، مما يساعد مرة أخرى على الحد من الخسائر في صفوف المدنيين.

ولكن العدد القليل نسبياً من الضحايا من غير المقاتلين جراء ضربات التحالف قد لا يدوم. وقد افترض ستراك أن حاجة الحكومة الفرنسية إلى إظهار ردها القوي أمام شعبها قد تشهد تحولاً في سياسة الاستهداف.

"في السابق، كانوا ينفذون الضربات فقط على أساس معلومات استخباراتية جيدة للغاية وعندما يعلمون أنهم يستطيعون الحد من الخسائر بين المدنيين. يمكن تخفيض هذه العتبة، وسيؤدي ذلك إلى زيادة الوفيات في المناطق المبنية مثل الرقة،" كما أفاد.

المشاكل الاقتصادية

وبالإضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان المعروف أنها مستشرية داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، قال ستراك أن الحياة اليومية بالنسبة للمدنيين في الرقة أصبحت أكثر صعوبة.

"لقد تأثر دخل تنظيم الدولة الإسلامية بسبب استمرار غارات [التحالف]،" كما قال ستراك، موضحاً أن القضايا التي تواجه السكان المحليين هي زيادة التجنيد في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، ورفع الضرائب، وخفض رواتب المقاتلين.

بالإضافة إلى ذلك، لا تكاد وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية تستطيع تقديم أي مساعدة للسكان المحليين.

مع ذلك، قال مصدر في الأمم المتحدة لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه لم يحدث نزوح كبير نتيجة للقصف الأخير لمدينة الرقة.

وأعرب ستراك عن قلقه من أن المدنيين في الرقة يمكن أن يدفعوا الثمن في الأيام المقبلة بطرق أخرى، حتى لو لم يتأثروا مباشرة بضربات الطائرات الحربية مساء الأحد، وربما يتم إعدامهم كمخبرين يُشتبه في عملهم لحساب الغرب أو يُستخدمون كدروع بشرية.

وفي حين تتعالى في العواصم الغربية الأصوات المطالبة بعمل عسكري أكبر، يحث آخرون قادة العالم على تفادي ردود الفعل غير المحسوبة التي قد تخدم مصالح المتطرفين.

وفي رسالة إلى شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) بالبريد الإلكتروني، قالت هانيا مرتضى من جماعة الدعوة المسماة "من أجل سوريا" ومقرها في المملكة المتحدة: "يريد تنظيم الدولة الإسلامية أن يتعرض للقصف من قبل فرنسا. وكل قتيل مدني لا مفر من سقوطه سوف يدفع بالمزيد من الناس إلى براثن المتطرفين.

وأضافت أن "ما من شأنه أن يصيب تنظيم الدولة الإسلامية بالإحباط حقاً هو أن تتم مضاعفة الجهود لإحلال السلام في سوريا، من خلال تسريع انتقال السلطة من يد رجل قتل أعداداً أكبر بكثير من المدنيين، هو بشار الأسد".

as/ag-ais/dvh