الأفغان يفرون بأعداد كبيرة وألمانيا توصد الباب في وجوههم

بلال سرواري

مساهم في إيرين

لطالما أراد محمد خالد، الذي نشأ في أسرة فقيرة في ولاية لوغار في أفغانستان أن يصبح طبيباً، ولم تدخر أسرته جهداً في دعمه لتحقيق هذا الحلم. باعت الأسرة بعض الأراضي الزراعية الثمينة وكانت مستعدة للتخلي عن بعض الوجبات حتى توفر له الأموال اللازمة لدراسة الطب.

تخرج خالد عام 2013، ولكن فرح أسرته بتخرجه لم يدم طويلاً، فالوضع الاقتصادي في أفغانستان مترد ومصاب بحالة شلل بسبب الحرب، وكذلك النظام الطبي. كافح خالد من أجل العثور على فرصة عمل، وتمكن أخيراً من الحصول على وظيفة غير طبية مع إحدى المنظمات غير الحكومية الدولية التي انسحبت من الدولة بعد أشهر في وقت لاحق.

انظر التحقيق المصور: الأفغان على الطريق إلى أوروبا

أصيب خالد باليائس، وقرر مثل عدد متزايد من الأفغان، الفرار من وطنه الذي مزقته الحرب. دفع 7,000 دولار، التي اقترضتها أسرته، لأحد مهربي البشر. وكان من المفترض أن يأخذه المهرب عبر طريق معروف جيداً عبر الحدود من ولاية نمروز إلى إيران، ثم إلى تركيا، وبعد ذلك إلى أوروبا.

غادر خالد في مطلع شهر أكتوبر. وقالت والدته وهي تشهق بالبكاء: "بعد مضي ثلاثة أسابيع، عاد خالد إلينا ولكن في كفن".

توفي خالد في قرية في إيران بالقرب من الحدود مع تركيا من الإرهاق والجفاف على ما يبدو بعد رحلة طويلة سيراً على الأقدام. عثر أحد الرجال المسافرين في المجموعة مع خالد على رقم هاتف الأسرة في جيبه الخلفي. وقام المهرب، الذي يرشد المجموعة عبر الطريق، بالترتيب لإعادة الجثمان إلى نمروز، ومن هناك تسلمته أسرته.

تزايد حالات النزوح الجماعي




وعلى الرغم من أن الرحلة محفوفة بالمخاطر، إلا أن عدد الأفغان الذين يُقدمون على مثل هذه الرحلة إلى أوروبا قد ازداد خلال العام الماضي.

وقد وردت تقارير عن أن المهاجرين يتعرضون لهجمات عنيفة من قطاع الطرق وهم يحاولون عبور إيران. وصرح مسؤولون في السلطات الصحية في نمروز لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، شريطة عدم ذكر اسمائهم بسبب حساسية هذا الموضوع، أنهم عالجوا أشخاصاً عائدين كانوا مصابين بطلقات نارية من قبل شرطة الحدود الإيرانية.

وإذا ما نجح المهاجرون الأفغان في الوصول إلى أوروبا، فسوف يواجهون استقبالاً بارداً بشكل متزايد، حتى في ألمانيا التي تعتبر حتى الآن الدولة الأكثر ترحيباً باللاجئين. فقد أعلن وزير الداخلية توماس دي ميزيير قبل أسبوعين أن ألمانيا سوف تشدد سياستها فيما يتعلق بالتعامل مع طلبات اللجوء المقدمة من الأفغان. وقال أن الكثيرين ممن يتقدمون بطلبات لجوء هم من أفراد الطبقة الوسطى في أفغانستان، ويجب أن يبقوا في وطنهم للمساعدة في إعادة بناء بلدهم.

لكن يبدو أن الوضع في أفغانستان لا يزداد إلا سوءاً. ولم يتمكن الرئيس الأفغاني أشرف غني، الذي تولي مقاليد السلطة في البلاد قبل عام، من كبح جماح الفساد أو فرض سيطرة الحكومة على جزء كبير من الدولة حتى الآن. وعلى الجانب الآخر، تشن حركة طالبان، التي أصبحت أكثر جرأة بعد انسحاب معظم القوات الأمريكية، هجمات مضادة عقب 14 عاماً من الإطاحة بها من على رأس السلطة في البلاد. يأتي هذا في الوقت الذي يحرز فيه تنظيم الدولة الإسلامية نجاحات، بينما تقوم الميليشيات الموالية للحكومة بسوء معاملة المدنيين وابتزازهم.

في السياق ذاته، ذكر تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان أنه "من المتوقع أن عدد القتلى المدنيين في الحرب هذا العام أو يتجاوز العدد القياسي المرتفع الذي تم توثيقه في عام 2014". فقد لقي 1,592 شخصاً مصرعهم وأصيب 3,329 غيرهم في الأشهر الستة الأولى من العام حتى شهر يونيو. ولا تتوفر أية إحصائيات رسمية عن الفترة منذ شهر يونيو حتى الآن، حيث تخوض القوات الحكومية معارك عنيفة ضد حركة طالبان في شمال أفغانستان.

وفي ظل تصاعد أعمال العنف، ارتفع عدد الأشخاص الذين يفرون من أفغانستان. فقد أصبحت أفغانستان تحتل الآن المرتبة الثانية بعد سوريا من حيث عدد مواطنيها الذين يصلون إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويشكل الأفغان 19 بالمائة تقريباً من إجمالي 800,000 المهاجرين واللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا عن طريق البحر حتى الآن من هذا العام، أي ما يعادل حوالي 150,648 شخصاً.

وقد تلقت دول الاتحاد الأوروبي في عام 2013، وفقاً للمفوضية، 22,580 طلب لجوء من الأفغان. وفي العام الماضي ارتفع هذا العدد إلى 39,140 طلباً.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام فقط، قفزت طلبات اللجوء المقدمة من مواطنين أفغان إلى دول الاتحاد الأوروبي إلى 88,205 طلباً، وفقاً للمفوضية. وحدثت الزيادة الحادة بدءاً من منتصف العام، حيث بلغت الطلبات المقدمة في شهر أبريل 5,505 طلباً، تلاها قرابة 9,000 طلب في شهر مايو، و13,215 طلباً في شهر يونيو.

وفي حين أن معظم طالبي اللجوء من الأفغان يدخلون أوروبا عبر اليونان، حيث يستقلون قوارب من تركيا، فإن معظمهم يتوجهون إلى ألمانيا. والجدير بالذكر أن ألمانيا استقبلت عدداً كبيراً من المهاجرين واللاجئين يفوق أي دولة أوروبية أخرى، ويشكل الأفغان فيها ثاني أعلى عدد من طالبي اللجوء بعد السوريين.

ألمانيا تستقبل طلبات تفوق طاقتها


وصرح السفير ماركوس بوتزيل، سفير ألمانيا لدى أفغانستان، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن هناك 82,817 أفغانياً وصلوا إلى بلاده حتى الآن من هذا العام، منهم 31,051 شخصاً وصلوا في شهر أكتوبر فقط. وعلى الرغم من أن معدل الموافقة على طلبات اللجوء المقدمة من المواطنين الأفغان تصل إلى 43 بالمائة، إلا أن بوتزيل يقول أن السلطات الألمانية تستقبل عدداً كبيراً من طلبات اللجوء "يفوق طاقتها"، وهناك تراكم كبير.

ويرى بوتزيل أن إجمالي عدد الوافدين إلى ألمانيا قد يصل إلى قرابة مليون شخص بنهاية العام. وتخشى الحكومة والشعب أن لا تستطيع المؤسسات في ألمانيا التعامل مع هذا التدفق الكبير للمهاجرين واللاجئين وأن لا تتمكن من دمجهم.

وتعليقاً على ذلك، قال بوتزيل: "المزاج بين السكان يتغير ... وبدلاً من الترحيب بهم، بدأ الناس يخافون منهم أكثر فأكثر".

وأضاف بوتزيل أن ألمانيا تتفهم الأسباب التي تدفع الناس إلى مغادرة أفغانستان: "الوضع الأمني السيء، والوضع الاقتصادي المتردي، والآفاق المستقبلية الضعيفة، وعدم الثقة في حكومة الوحدة الوطنية". ولهذا السبب تبقي ألمانيا على قواتها في أفغانستان لفترة أطول مما كان متوقعاً وتنفق قرابة 430 مليون يورو سنوياً على التنمية الاقتصادية: "مع ذلك، نتوقع أن تتخذ الحكومة الأفغانية مزيداَ من الجهود لإقناع الشباب بالبقاء هناك، وإعادة بناء وطنهم".

في هذه الأثناء، تسعى وزارة اللاجئين والإعادة إلى الوطن في أفغانستان للقيام بذلك، فقد بدأت منذ شهرين حملة لرفع الوعي العام لتحذير مواطنيها من مخاطر محاولة السفر إلى أوروبا.

"الطريق إلى أوروبا محفوف بالمخاطر ومليء بالأخطار" هكذا كتب مواطن أفغاني في النمسا في مقابلة نشرت في صفحة الوزارة على الفيسبوك. "لقد أنفقت كل الأموال التي ادخرتها، والآن أنا عالق هنا".

ولكن الحملة على ما يبدو لم تحدث حتى الآن تأثيراً كبيراً، إذا ما حكمنا عليها من خلال مئات الناس الذين يصطفون يومياً خارج الإدارة المركزية للجوازات في العاصمة كابول. وتصدر الإدارة الآن 2,000 جواز كل يوم، مقارنة بـ 700 جواز يومياً قبل سبعة أشهر، وفقاً لمسؤول طلب عدم الكشف عن اسمه، لأنه غير مرخص له بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

وأكد أشخاص يتقدمون بطلبات للحصول على جوازات سفر لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنهم يدركون جيداً مخاطر السفر إلى أوروبا ولكنهم على استعداد للقيام بالرحلة على أي حال.

وقال حشمت علي، البالغ من العمر 35 عاماً، وهو يقف في طابور مع أطفاله الصغار الثلاثة: "هناك أعمال عنف كثيرة في أفغانستان ... إذا بقيت هنا، سوف أموت على أي حال. لذا، لماذا أجرب فرصتي؟".

bs/jf/ag-kab/dvh

"