الطقس القاتل في العراق

وقع فؤاد عيسى العزاوي وزوجته وأطفاله الثمانية ضحية التشريد ثلاث مرات، بسبب الحرب والظروف الجوية.

هربت الأسرة من مدينتها المنصورية، شمال شرق بغداد، عندما استولى عليها ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في يونيو 2014. وعندما نجح الجيش العراقي في طرد التنظيم منها، عادت أسرة العزاوي لتجد بيتها المبني حديثاً قد تحول إلى أطلال، فانتقلوا إلى كوخ صُنعت معظم أجزائه من الطين.

ولكن حتى هذا المأوى المتواضع جرفته الأمطار الغزيرة التي غمرت أجزاءً كبيرةً من البلاد منذ أواخر الشهر الماضي، مما أثر على ما يقدر بنحو 84,000 نازح وأجبر رئيس الوزراء حيدر العبادي على إعلان حالة الطوارئ في المناطق الأكثر تضرراً.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال المزارع البالغ من العمر 41 عاماً: كنا سعداء عندما تحررت المدينة من تنظيم الدولة الإسلامية، وكنا نظن أننا سنظل سعداء منذ ذلك الحين فصاعداً، لكن ... الفيضان كان أسوأ من تنظيم الدولة الإسلامية".

فقد انهار السقف الطيني فوق زوجته الحامل فأجهضت، وأصبحت الأسرة بلا مأوى وأصابها اليأس مرة أخرى.

وقال العزاوي: "لم يعد لدي منزل، ولا أعرف ماذا أفعل أو إلى أين أذهب".

المطر القاتل

وتجدر الإشارة إلى أن العراق هو ثاني أخطر بلد في العالم، وفقاً لمؤشر السلام العالمي، ولا يسبقه في ذلك سوى سوريا. وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى مقتل 559 مدنياً بسبب الإرهاب والصراع المسلح في العراق في شهر أكتوبر وحده.

ولكن ما ليس معروفاً عنه هو أن مناخه القاسي وأمطاره الغزيرة والارتفاع الشديد في درجات حرارته يمكن أن تكون قاتلة أيضاً. فقد لقي 58 شخصاً على الأقل مصرعهم جراء الفيضانات الأخيرة، معظمهم صعقاً بالكهرباء في العاصمة. وتم الإبلاغ عن حالة وفاة أخرى في كلار، وهي بلدة في إقليم كردستان شبه المستقل، حيث تسببت الفيضانات في انهيار منزل رجل بينما كان بداخله.

كما قطعت المياه الطرق في مختلف أنحاء البلاد وطفحت المجاري. وقد سارعت الحكومة بتشكيل فرق إنقاذ.

وكانت الأمطار الغزيرة مدمرة بشكل خاص في بغداد، حيث لعبت البنية التحتية المتداعية، التي أضعفها 30 عاماً من الحرب والفساد المستشري، دورها أيضاً.

والجدير بالذكر أن هذا النمط من فقدان الملكية الجماعي المتصل بالطقس يتكرر كل بضع سنوات.

وقد أثرت أمطار هذا العام أيضاً على شمال العراق، مما تسبب في فيضانات في مدينتي أربيل والسليمانية في إقليم كردستان. وأفاد عمال الإغاثة أن منسوب المياه بلغ 1.5 متراً داخل بعض المنازل. وأفادت التقارير الواردة من كلار أن السلطات المحلية قد حذرت المدنيين من ارتفاع منسوب المياه عن طريق إطلاق بعض الطلقات النارية.

الأكثر ضعفاً

نزح نحو 3.2 مليون عراقي من جراء أعمال العنف منذ يناير 2014.

ويعيش واحد من كل خمسة أشخاص (حوالي 21 بالمائة) في ما تسميه المنظمة الدولية للهجرة "المأوى الحرج"، بما في ذلك المباني غير المكتملة والمستوطنات غير الرسمية، مما يجعلهم مُعرضين بشكل خاص للبرد القارس.

انظر: من الإيجار إلى المخيم إلى الإيجار مرة أخرى

ويمكن رؤية مثال صارخ على وجه الخصوص بالقرب من كلار، حيث أفادت منظمة أوكسفام أن حوالي 1,500 نازح داخلياً يعيشون في أكواخ طينية مخصصة للماشية. وقد تمكنت المنظمة الخيرية البريطانية من تقديم الأغطية البلاستيكية لتوفير أغطية بدائية لمعظم هذه الأسر قبل هطول أشد الأمطار غزارة، ولكن ظل 360 شخصاً معرضين للخطر لأن أوكسفام لم تتمكن من الوصول إليهم في الوقت المناسب.

وفي محافظتي بغداد والأنبار، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها ساعدت 22,500 نازح تم نقلهم إلى المدارس والمساجد والمباني العامة الأخرى عندما غمرت المياه أماكن لجوئهم المؤقتة.

لكن المساعدات تأخرت لعدة أيام لأن مكاتب المنظمة الخيرية ومساكنها في بغداد لم تنج من الطوفان. وفي تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر رالف الحاج: "اضطررنا لضخ المياه خارج المكاتب لمدة ثلاثة أيام متتالية".

كما تعرقلت الجهود الإنسانية الأخرى. وقال فابيو فورجيون، رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الفيضانات ... خلقت مشكلة وصول. وبالكاد تمكنّا من العمل في المناطق الواقعة بين بغداد والأنبار، وفي أبو غريب".

وتستطيع منظمة أطباء بلا حدود الآن التحرك مرة أخرى، ولكنها لا تزال على أهبة الاستعداد لأن موسم الأمطار قد بدأ لتوه.

وما زاد الطين بلة أن العراق يكافح أيضاً تفشي وباء الكوليرا الذي يمكن أن يتفاقم بسبب الفيضانات - وقد أصيب بالكوليرا أكثر من 2,200 شخص حتى الآن. وأعربت منظمة اليونيسف عن قلقها من أن "انتشار هذا المرض قد يزداد بسبب الأمطار الغزيرة الأخيرة واستمرار انعدام الأمن".

ولكن أشخاصاً آخرين قللوا من أهمية هذا التهديد. وقال فورجيون: "لا نعتقد حقاً أنه سيكون لهذا [الفيضان] عواقب ضخمة على انتشار الكوليرا. أنا لا أقول أن الوضع تحت السيطرة، لكن العمل الذي تم القيام به حتى الآن فعال للغاية". وتعمل منظمة أطباء بلا حدود ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسف جنباً إلى جنب مع وزارة الصحة للحد من انتشار المرض.

الارتفاعات والانخفاضات

والمطر ليس مصدر القلق الوحيد المتعلق بالطقس في العراق. فقبل ثلاثة أشهر فقط، عانت البلاد من موجة حارة كبرى: وصلت درجات الحرارة في شهر أغسطس إلى 52 درجة مئوية في الجنوب، مما أثار احتجاجات غاضبة بسبب فشل الحكومة في توفير ما يكفي من الكهرباء لتشغيل أجهزة تكييف الهواء.

من جانبه، وصف فورجيون هذه الارتفاعات والانخفاضات الجوية القاسية بأنها "مصدر قلق كبير" لمنظمة أطباء بلا حدود. وأضاف أن "هذا له تأثير كبير على حالة النازحين ... الالتهابات وحالات الإسهال يمكن أن تكرر كثيراً بسبب التعرض لدرجات الحرارة العالية".

وقد بدأ البرد القارس بالفعل في الشمال. وأصبحت البرودة الشديدة والثلوج قاب قوسين أو أدنى من كردستان، حيث يتخذ حوالي 250,000 لاجئ سوري وما يقرب من مليون نازح عراقي ملاذاً لهم.

وتستضيف محافظة دهوك الجبلية الكردية، التي تعاني من طقس سيء بشكل خاص في الشتاء، ما يقرب من 427,000 نازح عراقي. وعلى الرغم من أنهم لا يعيشون جميعاً في خيام، إلا أن الآلاف ينامون في المباني غير المكتملة، بلا نوافذ أو أبواب لحمايتهم من البرد القارس.

ومن المتوقع هطول المزيد من الأمطار أيضاً في مطلع الأسبوع المقبل.

وكما قال أحد عمال الإغاثة: "لقد عانى العراقيون من صيف صعب للغاية ... أما بالنسبة لفصل الشتاء، فهذه مجرد بداية".

cc/as/ag-ais/dvh

"