تعلم اللاجئين في ألمانيا: مشوار شاق وطويل

عندما وصل عبدالله يوسف، وهو سوري من حمص، إلى ألمانيا، كانت من أهم أولوياته تسجيل ابنته زينة في إحدى الجامعات الألمانية في أسرع وقت ممكن.

ولكن مر اثنا عشر شهراً ولم تلتحق زينة التي تبلغ 18 عاماً وتأمل في أن تصبح طبيبة أو مهندسة طبية، في أي مؤسسة للتعليم العالي حتى الآن.

واضطر عبدالله لدى وصوله إلى ألمانيا، للانتظار لما يقرب من ستة أشهر حتى يتم الانتهاء من دراسة طلب اللجوء الذي قدمه. ثم حصلت زينة على صفة اللاجئ وتصريح إقامة، وهما شرطان للالتحاق بالمؤسسات الأكاديمية. عقب ذلك، أمضى عبدالله أشهراً في محاولة استخراج الشهادات من المدارس التي تخرجت منها زينة في سوريا وتركيا لإثبات أنها أكملت تعليمها في المدارس الثانوية. ودفع عبدالله المئات من اليورو للحصول على هذه الوثائق وترجمتها من اللغتين العربية والتركية إلى اللغة الألمانية. وأخيراً، قبل أربعة أسابيع، أرسلت زينه وعبدالله آخر الشهادات المطلوبة إلى مؤسسة Uni-Assit- الرابطة الألمانية المسؤولة عن تقييم الشهادات المدرسية والجامعية الدولية. وهما الآن بانتظار الرد.

متحدثاً من أحد مرافق إسكان اللاجئين في هامبورج، قال عبدالله الذي يشعر بالإحباط من طول الإجراءات وتعقيدها، لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): الإجراءات تستغرق وقتاً طويلاً في ألمانيا ... كنت أعتقد أن لدينا إجراءات معقدة في سوريا، ولكن اتضح لي أن الإجراءات في ألمانيا أكثر تعقيداً".

عقبات كثيرة جداً

والعقبات التي تواجه أسرة عبدالله يوسف هي تجربة مشتركة يواجهها اللاجئون في ألمانيا، وفقاً لنوربرت تروسين، مسؤول الحماية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في برلين. وفي هذا الصدد، قال تروسين لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن عدم وجود شهادات – فضلاً عن الحواجز اللغوية وعدم التوافق بين نظم التعليم في جميع أنحاء العالم – تتسبب في حدوث تأخيرات كبيرة تضعف الحماس لدى اللاجئين، الذين يأملون في مواصلة تعليمهم في ألمانيا.

وأضاف تروسين أن "اللاجئين يجلبون الكثير من الإمكانات إلى بلد اللجوء"، مشيراً إلى أنه من مصلحة المجتمعات المضيفة أن توفر للاجئين فرصة لتقديم تلك الإمكانات.

والجدير بالذكر أن سوق العمل في ألمانيا تحتاج إلى قرابة 140,000 شخص من مهندسين ومبرمجين وفنيين، وفقاً لرابطة أصحاب العمل في ألمانيا – وهي منظمة تمثل المجموعات ذات المصلحة في الصناعة والتجارة والقطاعات الأخرى. وقال أولريش غريللو، رئيس الرابطة الاتحادية للصناعة الألمانية، لوكالة فرانس برس مؤخراً أنه إذا استطاعت ألمانيا دمج اللاجئين بسرعة في سوق العمل فإننا "بهذا لن نساعد اللاجئين فقط، بل نساعد أنفسنا أيضاً". مع ذلك، سوف يتعين على العديد من هؤلاء اللاجئين البدء في الدراسة أو استكمالها بعد أن انقطعوا عنها بسبب فرارهم من بلدانهم الأصلية، قبل أن يتمكنوا من البدء في التنافس على الوظائف.

ولا يوجد حالياً أرقام موثوق بها حول عدد اللاجئين المسجلين في التعليم العالي في ألمانيا، بحسب توماس بوم من رابطة رؤساء الجامعات الألمانية (HRK)، وهي رابطة تمثل الغالبية العظمى من مؤسسات التعليم العالي في ألمانيا. وأشار بوم إلى أن مئات اللاجئين قد حضروا الفاعليات الأخيرة التي أقيمت في الجامعات بغية الحصول على معلومات حول كيفية التسجيل بها.

وتجدر الإشارة إلى أن رابطة رؤساء الجامعات الألمانية ورابطة أصحاب العمل والرابطة الاتحادية للصناعة الألمانية قد انضموا معاً لمطالبة الحكومة بسرعة معالجة العقبات التي تعترض سبل حصول اللاجئين على التعليم العالي، مثل الحاجة إلى الحصول على تصاريح الإقامة والمساعدات المالية. وقال بوم لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن المؤسسات الأكاديمية الألمانية تشعر بمسؤولية اجتماعية فيما يتعلق بضرورة المساعدة في دمج اللاجئين في المجتمع الألماني، وهي مؤهلة للقيام بذلك الدور.

وأضاف قائلاً: "لدينا في الجامعات دورات لتعليم اللغة، ودورات تكميلية، ودورات إعداد للدراسات الخاصة ... وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي هو توفير الدعم المالي لهذه البرامج القائمة. إن الجامعات بحاجة إلى الدعم المالي لتقديم جميع هذه الدورات والبرامج للعدد الكبير المتوقع من الطلاب اللاجئين".

وعلى الرغم من أن الدراسة في الجامعات مجانية في ألمانيا – أو بتكلفة منخفضة جداً – للاجئين، كما هو الحال بالنسبة لجميع الطلاب، إلا أن الجامعات بحاجة للحصول على تمويل إضافي من الدولة لكي تتمكن من تقديم مزيد من الدورات التدريبية والتحضيرية، وفقاً للبروفيسور هورست هيبلر، رئيس رابطة رؤساء الجامعات الألمانية، الذي قال في حديث صحفي أن تكلفة تمويل هذه الدورات للاجئ الواحد فقط تبلغ حوالي 4,000 يورو في السنة.

جامعة كيرون بديل مجاني


وتتوقع الحكومة الألمانية إنفاق قرابة 8 مليار يورو في عام 2016 على إدارة هذا التدفق غير المسبوق من طالبي اللجوء. وسيتم تخصيص حوالي نصف هذه الميزانية للمقاطعات الاتحادية الـ 16 في البلاد لتوفير الإسكان والرعاية الاجتماعية والتعليم لـ 758,000 طالب لجوء وصلوا إلى ألمانيا منذ بداية العام. مع ذلك، من غير الواضح بعد كم من هذا التمويل سيستخدم لإتاحة التعليم العالي لعدد أكبر من اللاجئين وطالبي اللجوء – مثل التوأم كيرولس وأندرو موسى، اللذين جاءا من مصر إلى ألمانيا في مارس 2014.

وكان التوأم قد فرا من مصر لأسباب سياسية. فقد كانا في السابق يدرسان في جامعة القاهرة ولكنهما لا يستطيعان التقدم لمواصلة دراساتهما في جامعات ألمانية لأنهما لا يزالان ينتظران قراراً بشأن طلبات اللجوء، ولا يمتلكان تصاريح الإقامة الطويلة الأجل اللازمة لذلك.

ولكنهما تمكنا، حتى بدون تصاريح الإقامة، من الالتحاق بالجامعة. فقد سجلا مؤخراً في جامعة كيرون، وهي جامعة غير ربحية أنشأت حديثاً بمبادرة بهدف توفير فرصة الدراسة للاجئين والحصول على شهادات معترف بها مجاناً من خلال مجموعة من الدورات التدريبية عبر الإنترنت أو دون الاتصال بالانترنت.

والجدير بالذكر أن جامعة كيرون تتعاون مع مؤسسات أكاديمية في شتى أنحاء ألمانيا وكذلك مع جامعات أمريكية مثل جامعة هارفارد وجامعة ييل لتقديم دورات في اللغة الإنجليزية والألمانية. وتوفر جامعة كيرون لطلابها أيضاً إمكانية الحصول على الدعم النفسي والتوجيه عن طريق شبكة من المتطوعين.

وفي هذا السياق، أوضح ماركوس كريبلر، أحد مؤسسي كيرون، قائلاً: "لدينا الكثير من الشركاء الذين يوفرون لنا سبل الوصول الكاملة لمرافقهم، ومن ثم يمكن لطلابنا الذهاب إلى تلك الجامعات دائماً، واستخدام غرف الحاسوب، وحضور ورش العمل".

والشرط الوحيد لقبول الطلاب في جامعة كيرون، خلافاً لسائر مؤسسات التعليم العالي في ألمانيا، هو إثبات أنه طالب لجوء أو لاجئ معترف به.

وقد تمكنت كيرون حتى الآن من جمع تمويل يوفر منحاً دراسية لـ 197 لاجئاً، بما في ذلك كيرولس وأندرو موسى.

ويعتزم كيرولس أخذ دورات عبر شبكة الإنترنت من جامعة كيرون للعامين المقبلين، ثم الالتحاق بالدراسة في الحرم الجامعي في إحدى الجامعات الشريكة لها في السنة الثالثة والأخيرة. وقد نجح الشاب، البالغ من العمر 22 عاماً، في تعلم التحدث بالألمانية بطلاقة، وينوي الاستفادة من هذه الفرصة على أفضل وجه ممكن.

وحول طموحاته الدراسية، قال: "في البداية، أعتقد أن عليّ أن أحسن مهارات اللغة الإنجليزية ... وبعد ذلك سأحاول الحصول على شهادة في إدارة الأعمال".

"عندما لا يذهب المرء إلى الجامعة، يشعر أنه لا شيء. لكن عندما يذهب إلى الجامعة يشعر أن لديه فرصة لكسب المال الذي يؤهله ليحقق ذاته".


yb/ks/ag-kab/dvh

"