ضياع فرص تعليم الأطفال السوريين في تركيا

إليونورا فيو

صحفية مساهمة في إيرين

منذ فترة ليست بالبعيدة، كان لدى سوريا نظام تعليم يُعد موضع حسد العالم العربي بأكمله، وانعكس ذلك على معدل الإلمام بالقراءة والكتابة الذي كان يبلغ 90 بالمائة. لكن التعليم أصبح ضحية أخرى من ضحايا الحرب الأهلية التي دخلت الآن عامها الخامس.

يعيش الآن ما يقرب من نصف الأربعة ملايين سوري الذين فروا من بلادهم في تركيا المجاورة، حيث رحبت السلطات في البداية بمئات الآلاف من اللاجئين في مخيمات على مقربة من الحدود السورية. ولكن منذ ذلك الحين، ضاق الكثيرون منهم بالحياة في المخيمات وانتقلوا إلى المدن بحثاً عن حياة أكثر كرامة.

وتستضيف مدينة اسطنبول وحدها أكثر من 330,000 سوري، وفقاً لإحصاءات وزارة الداخلية التركية لعام 2014، ولكن نظراً لتخصيص معظم المساعدات الدولية لأولئك الذين يعيشون في المخيمات، لا يحصل اللاجئون المقيمون في المناطق الحضرية سوى على القليل من المساعدة، ويعيشون في ظروف سيئة تزداد سوءاً كلما طال بقاؤهم في المنفى، ويُحظر عليهم الالتحاق بقطاع العمل الرسمي، ويدفع أطفالهم الثمن الأكبر لهذا الإهمال القسري.

وفي وقت سابق من هذا العام، في الفترة التي سبقت الانتخابات، تراجعت الحكومة التركية عن خطط لمنح السوريين في البلاد، الذين يتمتعون بحالة حماية مؤقتة فقط، الحق في العمل. وعلى الرغم من أن الحكومة أصدرت تشريعات تهدف إلى تحسين فرص حصولهم على الرعاية الصحية والتعليم، إلا أن المنظمات غير الحكومية العاملة في الميدان تؤكد أن الغالبية العظمى من الأطفال السوريين لا يزالون غير ملتحقين بالمدارس.

"لسوء الحظ، وعلى الرغم من هذه القواعد التنظيمية الجديدة، لا يمتلك سوى 20,000 من أصل 80,000 طفل [سوري] فرصة الالتحاق بالمدارس في اسطنبول، ولا يلتحق سوى أقل من 30 بالمائة منهم بالمدارس التركية المجانية،" كما أفاد سليمان العراج، وهو موظف سوري في اللجنة السورية للتعليم (SCE)، التي تقدم خدمات التعليم في كل من تركيا والمناطق التي يسيطر عليها الجيش السوري الحر في سوريا، وذلك بتمويل من مؤسسة قطر الخيرية والبنك الإسلامي.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المدارس التركية تفتقر ببساطة لمساحات كافية لقبول المزيد من الأطفال، كما أن الفروق اللغوية وافتقار السوريين للوثائق المطلوبة أو المعلومات المتعلقة بإجراءات التسجيل تشكل عقبات أخرى.


ليس لدى الناس وظائف، وعندما تتوفر لهم وظائف، يتقاضون رواتب هزيلة ويقعون ضحية للاستغلال، ولا يستطيعون دفع الرسوم الدراسية لأطفالهم

وفي هذا الشأن، أشارت كارين توماس، مؤسسة منظمة اسطنبول للمشاريع الصغيرة، وهي منظمة غير حكومية مقرها في الفاتح، وهو أحد أحياء الطبقة العاملة ويضم عدداً كبيراً من السكان السوريين، إلى أن "عدم تمتع البالغين بالحق في العمل له تأثير مباشر وقوي على حق أطفالهم في التعليم".

وأضافت في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): " ليس لدى الناس وظائف، وعندما تتوفر لهم وظائف، يتقاضون رواتب هزيلة ويقعون ضحية للاستغلال، ولا يستطيعون دفع الرسوم الدراسية لأطفالهم. والنتيجة هي أن العديد من الأطفال الصغار إما يظلون في المنازل لرعاية أشقائهم ومنازلهم، أو يُجبرون على العمل والتسول في الشوارع لتوفير بعض الدخل لأسرهم".

واعترف العراج بأنه بالنسبة للعدد القليل من الأطفال السوريين في اسطنبول الذين يتم قبولهم في المدارس التركية المجانية التي تتبع المنهج الوطني، "غالباً ما يكون من الصعب عليهم مواكبة زملائهم بسبب حاجز اللغة، ولا ينجح سوى واحد فقط من كل 10 تلاميذ [في امتحانات نهاية الفصل الدراسي]".

وفي سياق متصل، توجد 60 مدرسة سورية عبر المدينة (يُشار إليها رسمياً باسم "مراكز تعليم مؤقتة") حيث يجري التدريس باللغة العربية باستخدام منهج أعدته الحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة، ولكن 6 منها فقط مجانية. ويُقام بعضها داخل المساجد والمباني الخاصة أو العامة، ولكن في كثير من الأحيان لفترة محدودة من الزمن قبل نقلها إلى مكان آخر. وتوفر اللجنة السورية للتعليم الكتب المدرسية مجاناً لتلك المدارس، وقد تم تعديل محتواها من قبل الجيش السوري الحر لتطهيرها من ما يعتبرونه دعاية للنظام السوري.

تعمل ريما عدادي كمُعلّمة سورية في مدرسة داخل مسجد صغير في الفاتح، وتقول أن "المشكلة في هذه المدرسة هي أن كل فصل يتكون من أطفال من مختلف الأعمار،" مضيفة أن الحضور متقطع لأن الأطفال غالباً ما يُجبرون على العمل والمساهمة في دخل الأسرة.

وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية أن "[هناك أيضاً] أطفالاً يعانون من صدمات مختلفة ويجب أن يتلقوا الدروس على أيدي مُعلّمين متخصصين".

وبالإضافة إلى المدارس التركية والسورية، يوجد العديد من المدارس الخاصة التي تمولها المنظمات العلمانية أو الدينية، والتي تُكلّف ما بين 590 و690 دولاراً لكل طفل في العام الدراسي الواحد. وغالباً ما تتأسس هذه المدارس بناءً على مبادرات مجتمعية مرتبطة بالمعارضة السورية في تركيا، وعلى الرغم من أنها عادة ما تُدار بشكل جيد، لكنها لا تزال غير مسجلة وغير معترف بها من قبل الحكومة التركية.

من جانبه، قال العراج من اللجنة السورية للتعليم أن الأسر السورية التي تضم العديد من الأطفال وليس لديها دخل منتظم قد تستطيع إرسال طفل واحد إلى المدرسة "في أفضل سيناريو. أما السيناريو الأسوأ، فهو أنهم إذا كانوا يعيشون بعيداً عن المدرسة ويجب دفع أموال إضافية لاستخدام وسائل النقل، يتخلون عن الفكرة برمتها".

وشدد العراج على أن الأطفال السوريين غير الملتحقين بالمدارس يصبحون "فريسة سهلة للجماعات المتطرفة والإجرامية التي تزدهر في جميع أنحاء المدينة".

والجدير بالذكر أن منظمة اسطنبول للمشاريع الصغيرة تدير مشروعاً تعليمياً يهدف إلى مساعدة السوريين، لاسيما الأمهات غير المتزوجات اللاتي يكافحن من أجل تغطية نفقات الأسرة، وتسجيل أطفالهن في المدارس التي توفر المناهج باللغة العربية.

وقالت توماس:"نوفر أيضاً فصول تعليم اللغة التركية لهم ولأطفالهم حتى يتمكنوا من التأقلم على حياتهم اليومية والاندماج في المجتمع التركي".

وأضافت أنه نظراً لمحدودية التمويل، "نفعل كل ما بوسعنا، ولكنه للأسف ليس سوى قطرة [في المحيط] مقارنة بكارثة تعليم السوريين التي نواجهها".

وأفادت توماس خلال حديثها مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنه "لا يوجد سوى حل واحد يمنع ظهور جيل كامل من الشباب السوريين بلا تعليم أو آفاق لمستقبلهم داخل أو خارج وطنهم في نهاية المطاف، وهو أن الحكومة التركية يجب أن تعطي السوريين الحق في العمل، وبالتالي تمنحهم فرصة لبناء حياة كريمة هنا. وحتى ذلك الحين، يجب على المجتمع الدولي أن يقدم لهم المساعدة المالية، ويضع التعليم مرة أخرى على رأس أولويات السوريين - كما كان عليه الحال قبل الحرب".

ev/ks/ag-ais/kab"