القانون اللبناني يُجبر اللاجئين على الاختفاء عن الأنظار

سامية كلاب

صحافية مساهمة في إيرين

 

انتظر إبراهيم خارج مركز الخدمات القانونية مع ممتلكاته الأهم بالنسبة له - بطاقة الهوية السورية، وجواز السفر، ووثيقة تثبت وضعه كلاجئ مسجل لدى الأمم المتحدة، وتعهد مُصدّق عليه بعدم العمل في لبنان - وكانت كلها في حقيبة تسوق مُجعّدة.

تنطبق كافة الشروط على هذا الأب لخمسة أطفال البالغ من العمر 47 عاماً والقادم من حلب ولذلك يحق له الحصول على تصريح إقامة في لبنان، ولكن عندما قدم طلبه الأخير قيل له أن وعده بالبقاء بدون عمل لا يمكن تصديقه، وبالتالي فإنه بحاجة إلى مواطن لبناني ليكفله.

ولذلك، فقد فعل ما يفعله معظم اللاجئين الآخرين: أصبح يقيم في لبنان بصورة غير قانونية.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك مجموعة معقدة من القوانين تجعل الحصول على الإقامة القانونية في لبنان صعباً للغاية لدرجة أن ما يُقدّر بنحو ثلثي اللاجئين السوريين في البلاد يفتقرون إلى الوثائق الصحيحة الآن، مما يعرضهم لخطر الاعتقال طوال الوقت.

جازف إبراهيم من أجل الحصول على مشورة قانونية، ومرّ من نقاط التفتيش التابعة للجيش اللبناني في طريقه عبر سهل البقاع الشرقي، ولكنه لم يجد راحة تُذكر. قال المحامي أنه لا يوجد شيء يمكن القيام به: إما إيجاد كفيل أو الاختباء،" كما قال في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، وهو لا يزال ممسكاً بحقيبة التسوق.

لاجئون جدد وقانون جديد

ويتدفق السوريون عبر الحدود إلى لبنان منذ بدء الحرب في بلادهم قبل أربع سنوات، ويبلغ عدد أولئك الذين تم تسجيلهم لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حوالي 1.2 مليون نسمة.

وقد صاحب هذا التدفق مخاوف من أن الاقتصاد اللبناني لا يمكنه استيعاب عبء الوافدين الجدد، الذين يرى البعض أيضاً أنهم يشكلون تهديداً للوضع الأمني الهش في البلاد.

وفي محاولة لوقف تدفق اللاجئين وتتبع أماكن وجودهم، بادر لبنان في يونيو 2014 بحظر عودة اللاجئين السوريين مجدداً إلى البلاد إذا زاروا وطنهم. ثم، في شهر يناير من هذا العام، تبنّت الحكومة مجموعة جديدة من القواعد التي تحكم دخول وخروج جيرانهم السوريين.

ويمكن للسوريين المسجلين لدى المفوضية الآن إطالة أمد إقامتهم القانونية في لبنان لمدة عام واحد، ولكن فقط إذا تعهدوا بعدم العمل. أما السوربون غير المسجلين كلاجئين، فيحتاجون إلى كفيل لبناني، إذا كانوا يريدون البقاء في البلاد.

انظر: السوريون في لبنان مهددون بفقدان وضع اللجوء

لكن اللاجئين وعمال الإغاثة يقولون أن بعض مسؤولي الأمن العام، وهو المكتب الحكومي المختص بمنح تصاريح الإقامة، لا يطبقون القانون بحذافيره. وتبدو هذه المشكلة حادة بشكل خاص في سهل البقاع، حيث تتركز غالبية اللاجئين ويُطلب منهم باستمرار تسمية كفيل محلي.

كان هذا ما حدث مع إبراهيم: "قالوا لي لا يمكن تجديد الإقامة إلا إذا وجدت كفيلاً،" كما أوضح. ولكن هذه ليست مهمة سهلة، كما اكتشف إبراهيم. "يجب أن يكون شخصاً أثق به، وليس شخصاً يحاول استغلال أسرتي".

ويتابع المجلس النرويجي للاجئين، الذي يدير مركز الخدمات القانونية في سهل البقاع الذي لجأ إليه إبراهيم، هذه المشكلة المتنامية. وقالت محامية المجلس النرويجي للاجئين باتريشيا الصافي: "معظم اللاجئين الذين أقابلهم غير قانونيين، وأعتقد أن هذه نتيجة مباشرة لذلك القانون".

وقالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دانا سليمان أن المفوضية على دراية بالشكاوى المتعلقة بتطبيق القانون. وأضافت في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "اللاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية قد أبلغوا عن ممارسات متفاوتة من قبل السلطات".

وعلمت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من مصدر في المديريّة العامّة للأمن العام في بيروت أنه قد تكون هناك أسباب محددة في بعض الحالات تجعل السلطات تطلب من اللاجئين في سهل البقاع العثور على كفيل. وأوضح المصدر أن "ضابط الأمن العام قد يكون لديه سبب للاعتقاد بأن [اللاجئ] يعمل على الرغم من أنه يقول أنه لا يعمل".

تكاليف التجديد

وقالت الصافي أن العديد من اللاجئين الذين تقابلهم لا يحاولون حتى تجديد تصاريح إقامتهم لأنهم لا يستطيعون دفع النفقات.

وينبغي دفع رسوم قدرها 200 دولار عند تقديم الطلب، بالإضافة إلى التصديق على التعهد بعدم العمل، ورسائل من المُلّاك والمختار - وهو مسؤول حكومي محلي - تحيط الحكومة علماً بمكان إقامة اللاجئ. ويمكن أن يصل إجمالي التكاليف إلى 600 دولار، كما أفادت الصافي، بينما لا يزيد متوسط أجر اللاجئين السوريين في لبنان عن 250 دولاراً شهرياً. وبحسب تقديرات المجلس النرويجي للاجئين، لا يتقدم 35 بالمائة من اللاجئين بأي طلبات إلى الحكومة لأنهم لا يستطيعون تدبير النقود اللازمة لدفع الرسوم.

"إن متطلبات تجديد الإقامة باهظة التكاليف بالنسبة للاجئين السوريين،" كما أكدت سليمان من المفوضية، مشيرة إلى أن 70 بالمائة من اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر.

وفي السياق نفسه، قالت هالة الحلو، وهي مسؤولة في وزارة الشؤون الاجتماعية التي تختص بشؤون اللاجئين: "يمثل توفير المال مشكلة منذ فترة طويلة". ولكن ليس للحكومة خطط لإلغاء الرسوم. وبدلاً من ذلك، فإنها تتطلع إلى الجهات المانحة التي قد تساعد في دفع تلك الأموال نيابة عن اللاجئين، كما أفادت الحلو.

نتائج غير مقصودة

وقد تسبب التطبيق الخاطئ لقوانين الإقامة في صعوبات جمة للاجئين السوريين تمنعهم من البقاء بطرق قانونية، وكان لها تأثير معاكس: أرادت الحكومة مراقبة اللاجئين، ولكنهم الآن اختفوا عن الأنظار.

من جانبها، قالت الصافي أن أفضل نصيحة يمكن أن تقدمها للاجئين هي "عدم التنقل كثيراً".

وأضافت قائلة: "لا يستطيع اللاجئون أن يعملوا، ولا يمكنهم العودة، ولا يستطيعون مغادرة منازلهم، [ولكنهم] في نهاية المطاف يحتاجون إلى تناول الطعام".

واتفق جورج غالي، الباحث في مجموعة مراقبة حقوق الإنسان المعروفة باسم تحرك من أجل حقوق الانسان (ALEF)، مع هذا الرأي قائلاً: "إن لبنان في الواقع يزيد وضعه الأمني سوءاً لأنه يدفع المزيد من اللاجئين إلى الاختفاء عن الأنظار عن طريق فرض شروط صارمة للحصول على تصاريح الإقامة".

وأضاف أن أولئك الذين يقومون بالتوقيع على التعهد بعدم العمل يُجبرون على العيش في "وضع اقتصادي متردي".


لا يستطيع اللاجئون أن يعملوا، ولا يمكنهم العودة، ولا يستطيعون مغادرة منازلهم، ولكنهم في نهاية المطاف يحتاجون إلى تناول الطعام

وصلت يسرا وصفاء، اللتان ترتبطان بعلاقة نسب والقادمتان من حماة في سوريا، إلى لبنان منذ ثلاث سنوات مع أسرتيهما، وهما تمثلان حالة كلاسيكية لتأثير القانون. لقد تم تسجيلهما لدى المفوضية، ولكنهما لم تحاولا التقدم بطلب إلى الحكومة للحصول على تصاريح إقامة. أخبرهما كل شخص يعرفانه أن ذلك أمر ميؤوس منه ما لم يتم تحديد كفيل، وقد باءت محاولاتهما لايجاد كفيل بالفشل.

ويتعرض زوجاهما، زياد وأحمد، لخطر الاعتقال كل يوم عندما يذهبان إلى العمل اليدوي باليومية.

إنهما ينتظران على الرصيف حتى يأتي شخص ما ويعرض عليهما العمل، ويكسب كل منهما ما بين 10,000 و20,000 ليرة لبنانية (7-14 دولاراً) يومياً، إذا حصلا على عمل.

أحياناً تأتي الشاحنة كل يوم تقريباً. وأحيانا لا تأتي لمدة أسبوع. وقالت صفاء: "أشعر بالخوف عندما يخرجان كل صباح. ماذا سيحدث إذا لم يعودا؟ ماذا سأفعل حينئذ؟"

sk/as/ag-ais/dvh"