العقبات أمام توطين عمليات الإغاثة الطارئة

منذ بضع سنوات، في عام 2006، التقيت بصحافي من سريلانكا في مكتب الأمم المتحدة في جنيف. كنا هناك لتغطية محادثات السلام بين الحكومة ومتمردي "نمور التاميل" في سريلانكا. وعلى الرغم من أن المحادثات قد باءت بالفشل، إلا أن المحادثات مع زميلي كانت شيقة. كانت كارثة التسونامي في آسيا ماثلة في ذهنه وكذلك تصوره لاستجابة الأمم المتحدة في سريلانكا.

وعن ذلك قال: "لقد جاءوا وتوجهوا مباشرة إلى تجار السيارات الفخمة واشتروا مجموعة كبيرة من سيارات الدفع الرباعي وقادوها". تعليقاته تلك لم تكن مديحاً لهم، فقد كان ينظر إلى العاملين في الأمم المتحدة كغرباء متحفظين ومتغطرسين.

وبعد عقد من الزمن تقريباً، أضحت كلمة 'محلي' كلمة رنانة داخل قطاع العمل الإنساني لأن الجهات المحلية الفاعلة غالباً ما تكون أكثر فعالية في الاستجابة للأزمات الإنسانية. مع ذلك فهي لا تحصل عادة إلا على قدر ضئيل من التقدير والمال مقابل ما تبذله من جهود. "التوجه نحو توطين" عمليات الإغاثة عن طريق بناء القدرات المحلية وتمويل المنظمات المحلية مباشرة سيكون أحد المحاور الرئيسية التي ستركز عليها القمة العالمية للعمل الإنساني المقرر عقدها في اسطنبول في العام القادم.

ولكن لماذا لم يحدث هذا حتى الآن؟

صدر الأسبوع الماضي في جنيف، طبعة هذا العام من "تقرير الكوارث في العالم"، وهو تقرير مستقل يصدر سنوياً بتكليف من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر لدراسة الاتجاهات الرئيسية في مجال الاستجابة الإنسانية، ويحاول الإجابة على هذا السؤال.

الوقت والمال

التمويل هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل العديد من المنظمات الإنسانية المحلية لا تزال في "طريق الكفاح"، كما قال روبرت تكنر، الأمين العام للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر. لا تحصل المنظمات المحلية سوى على 0.2 بالمائة من إجمالي المعونة الطارئة المقدمة إلى الأمم المتحدة والوكالات الدولية والإقليمية والوطنية التي تبلغ قيمتها 20 مليار دولار سنوياً، وذلك وفقاً لبرنامج "المساعدة الإنسانية العالمية".

انظر: الاقتصاد الإنساني

ويرى مو حمزة، محرر التقرير، أن أحد الأسباب وراء ذلك هو تطبيق المعايير الخاصة بمنح التمويل نفسها سواء كانت المنظمة لاعباً كبيراً يعمل بملايين الدولارات في مجال العمل الإنساني أو منظمة غير حكومية صغيرة تعمل على مستوى القرية.

وقال حمزة، الذي يعمل أيضاً أستاذاً لإدارة مخاطر الكوارث في جامعة كوبنهاغن: "تخيل منظمة غير حكومية أفغانية صغيرة تخضع لحوالي 20 تقييماً بغية التأكد من أن لديها المؤهلات المناسبة للحصول على التمويل".

وأضاف ديفيد لوكويرسيو، رئيس قسم السياسات العامة في تحالف المعايير الإنسانية الأساسية: "يتعين علينا تكييف مستوى متطلبات [الإبلاغ] بحيث يتناسب مع مستوى التمويل...في الوقت الحالي، يجب على كل منظمة الخضوع للتقييمات ذاتها".

وعلى الرغم من أن التقرير يشدد على ضرورة الشفافية المالية والمساءلة، إلا أن حمزة يرى أنه من غير المعقول تطبيق اختبارات مكافحة الاحتيال وغسيل الأموال وحتى تمويل الإرهاب على منظمة محلية غير حكومية صغيرة بالمستوى ذاته الذي يتم تطبيقه على وكالة معونة دولية.

فجوة تنظيمية

ويصف التقرير القانون الدولي الذي يحكم الاستجابة للكوارث بأنه "مجزأ".

ويبدو أن الوكالات الإنسانية الدولية تنظر إلى الحكومات على أنها إما غير راغبة أو غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات شعوبها، وأن الجهات الفاعلة الوطنية والمحلية على حد سواء ليس لديها القدرة على الاستجابة المناسبة.

تنظر الوكالات الإنسانية الدولية على ما يبدو إلى الحكومات على أنها إما غير راغبة أو غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات شعوبها، وأن الجهات الفاعلة الوطنية والمحلية على حد سواء ليس لديها القدرة على الاستجابة الملائمة

وعلى الرغم من أن الأُطر القانونية الموجودة تسند الدور الأساسي في الاستجابة للكوارث إلى حكومات البلدان المتضررة، إلا أن "العديد من (الحكومات) تشعر بأنها لا تتولى حقاً القيادة" وليس لديها القدرة على الوصول إلى هيئات صنع القرار الدولية مثل اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات، وهي عبارة عن تجمع لوكالات الأمم المتحدة، وحركة الصليب الأحمر، واتحادات المنظمات غير الحكومية التي تعمل بمثابة هيئة لصنع السياسات المركزية للمجتمع الإنساني. بالإضافة إلى ذلك، لا توضح الأنظمة الدولية على وجه التحديد المنظمات المحلية غير الحكومية أو منظمات المجتمع المدني.

ويؤدي الإخفاق في فهم الأنظمة المحلية التي تنظم ما يمكن أن تستطيع وكالات الإغاثة الدولية القيام به أو عدم القيام به في دول محددة إلى عرقلة التعاون الفعال بين الجهات الفاعلة الدولية والوطنية.

ففي أعقاب التسونامي الذي ضرب آسيا في عام 2004، على سبيل المثال، وجدت الوكالات الإنسانية الدولية أن المعدات الإلكترونية الحيوية، مثل الهواتف التي تعمل عبر الأقمار الصناعية، ظلت عالقة لأيام على الحدود، لأنه لم يتم تقديم التصاريح ذات الصلة لاستيرادها أو منحها.

السياسة وأصحاب المصالح

وفي الدول الفاشلة، التي تعاني من الصراعات الأهلية المعقدة، أو التي تؤدي فيها الكوارث إلى تشابك مختلف المصالح المحلية، التي تنطوي على الحقوق الخاصة بالمياه أو الأراضي على سبيل المثال، يمكن أن تصبح الشراكة مع الجماعات المحلية أكثر تحدياً.

وفيما تصفه وكالات الإغاثة بأنه "مشكلة معقدة"، قد يؤدي العمل مع مجموعة محلية واحدة إلى استعداء أخرى. وتحديد ما قد يبدو وكأنه الحل الأمثل قد يضر فعلاً – أو يُنظر إليه على أنه مضر – لمصالح إحدى المجموعات.

وحذر لوكويرسيو من مغبة "المبالغة في قدرة الجهات الفاعلة المحلية ... لأن أوضاعها مختلفة جداً".

ويمكن أن تشكل السياسات الوطنية في البلدان المتلقية عقبة كبيرة أيضاً. فربما يُنظر إلى بعض وكالات الإغاثة المحلية باعتبارها الشريك الأمثل من قبل الجهات الدولية، في حين تكون غير معترف بها – أو مقيدة أو حتى محظورة – من قبل الحكومات الوطنية.

فقد ثبت أن بعض القضايا مثل الحقوق بين الجنسين، والوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية والمساعدة المقدمة لمتعاطي المخدرات بالحقن، صعبة جداً في بعض السياقات. وعلى الرغم من النداءات المتعالية التي تحث على الشفافية والانفتاح والتعاون، تتردد معظم المنظمات الإنسانية الدولية في انتقاد سياسات الحكومة المحلية بشكل علني.

وحول هذا الأمر، قال حمزة: "السياسة لعبة مختلفة تماماً ... لست متأكداً من أن بوسع المجتمع الدولي الانخراط في ذلك".

الإدارة عن بُعد

وهناك أيضاً أجزاء من العالم، ولعل سوريا خير مثال على ذلك، حيث تجد المنظمات الإنسانية الدولية أنه من المستحيل تقريباً العمل بسبب الوضع الأمني. ومن ثم تتحمل الجهات المحلية الفاعلة عملية الإغاثة بالكامل، مع جميع المخاطر الملازمة لها. وفي حين أن الوكالات الدولية تقوم بتوفير الأموال واللوازم ولكنها تقوم بتوجيه العملية من مسافة آمنة من بلد آخر أو من وراء الأسلاك الشائكة للمجمع.

ويصف حمزة هذه العمليات بأنها "حقيقة لا مفر منها"، ولم تعد الخيار الأخير.

لكن الإدارة عن بُعد لم تكن ما يريده الداعون لإصلاح النظام الإنساني عندما دعوا إلى تحويل ميزان القوة إلى الجهات المحلية الفاعلة. ففي الواقع، عادة ما يبقى التمويل وعملية صنع القرار في أيدي الوكالات الدولية.

وبدلاً من ذلك، يدعو تقرير الكوارث في العالم لعام 2015 إلى إقامة شراكة أكثر انصافاً، يتم فيها الاعتراف بالقدرات المحلية وتعزيزها قبل وقوع الكوارث، بما يتماشى مع خطوات مثل تأييد المنظمات الإنسانية لمبادئ الشراكة في عام 2007.

مع ذلك، يرى التقرير أنه لاتزال هناك حاجة لحدوث تحول في طريقة تفكير الوكالات الإنسانية الدولية التي "تنظر على ما يبدو إلى الحكومات على أنها إما غير راغبة أو غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات شعوبها، وأن الجهات الفاعلة الوطنية والمحلية على حد سواء ليس لديها القدرة على الاستجابة الملائمة".

تقرير ايموجين فولكس

if/ha/ag-kab/dvh