كيف تضر أزمة اللاجئين في أوروبا بالمنظمات غير الحكومية السورية

اسأل أي منظمة إنسانية عاملة في سوريا عن أكبر مشاكلها، وستكون المشكلة التي تأتي في المقدمة غالباً هي: لا يمكننا إيجاد موظفين، أو بشكل أكثر دقة، لا يمكننا الاحتفاظ بالموظفين.

فقد سافر أكثر من 100,000 سوري إلى أوروبا هذا العام في ظل تبدد الآمال في انتهاء الحرب قريباً. وبالنسبة للمنظمات الأهلية، سواء السورية أو الدولية، يشمل ذلك العديد من موظفيهم الأكثر تأهيلاً، الأمر الذي يترك فجوات كبيرة في قدرات هذه المنظمات على مساعدة المحتاجين.

وفي هذا الصدد، قال أورهان محمد، رئيس وحدة تنسيق الدعم، وهي منظمة إنسانية موالية للمعارضة السورية الرسمية، أنه يفقد واحداً أو اثنين من "أفضل" موظفيه كل شهر، بما في ذلك، مدير الفريق الطبي، مؤخراً. وقال لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "الأطباء والمهندسون والأشخاص الذين يمكنك الاعتماد عليهم، يغادرون إلى أوروبا".

"وعلى الرغم من أننا نجد بدائل لهم، إلا أننا نحتاج إلى بناء قدراتهم، حتى لو كانوا أطباء. وهذا الأمر يستغرق وقتاً طويلاً، وليس لدى الناس في (سوريا) هذا الوقت".

وفي ذات السياق، قال براق الباشا، مدير شبكة إغاثة سوريا، وهي عبارة عن مظلة تمثل أكثر من 60 من مجموعات المساعدة، أن جميع المنظمات غير الحكومية السورية تعاني بشدة هذا العام بشكل خاص: "تخيل أنني مدير مشروع مدته سنة وبعد ستة أشهر قررت السفر. من الذي سيواصل البرنامج؟"

الأمور تزداد صعوبة

وهناك مجموعة متنوعة من الأسباب للنزوح الكبير وغير العادي الذي حدث خلال هذا العام لموظفي المنظمات غير الحكومية، التي شهدت اتجاهات قصيرة الأجل نتيجة لأزمة الهجرة إلى أوروبا إضافة إلى بعض المشكلات الطويلة الأجل.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستجابة الإنسانية للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة داخل سوريا تنطلق من مدينة غازي عنتاب التركية، التي تقع على بعد حوالي 60 كيلومتراً من الحدود.

وقال يقظان الشيشكلي، المؤسس المشارك لمؤسسة مرام، وهي منظمة غير حكومية يديرها أمريكيون من أصل سوري أن تكلفة المعيشة قد زادت بشكل كبير هناك.

"لقد وصل متوسط إيجار الشقة الاستوديو ذات الغرفة الواحدة 1,000 ليرة تركية (333 دولاراً). وقبل عامين كانت تتراوح تكلفة الشقة ذاتها ما بين 600-700 ليرة تركية (199-233 دولاراً).

"إننا نخسر الكثير من الموظفين. نحاول أن نوفر رواتب أفضل، ولكننا نخسر الخبراء: موظفو الهلال الأحمر السوري السابقون، ذوو التعليم العالي أو المهارات اللغوية. هؤلاء يرحلون باحثين عن حياة أفضل".

ومسألة الرواتب مسألة صعبة بصفة خاصة ويصعب حلها على نحو مُرضي. وكما هو شائع في قطاع المعونة على الصعيد العالمي، غالباً ما يحصل الموظفون الدوليون على أجور أكثر من نظرائهم المحليين. وقد منعت المنظمات غير الحكومية أيضاً موظفيها الدوليين من الذهاب إلى سوريا بسبب تنامي مخاطر الاختطاف. وقد يعني هذا بالنسبة للموظفين السوريين أنهم سيحصلون على رواتب أقل للعمل في ظل مخاطر أكبر.

وتعليقاً على هذا الوضع، قال الباشا: "الموقف هو نفسه، ولكن إذا كان الشخص أجنبي، فسوف يتقاضى 2,000 دولار، في حين يحصل السوري على 1,000 دولار فقط ... ولذلك يقول السوري لنفسه: 'ما الفرق بينه وبيني؟ إنها بلادي، أنا أعرف الأرض، أنا أعرف اللغة'. كما أن السوريين الذين يعملون مع المنظمات غير الحكومية الدولية يتحدثون اللغة الإنجليزية بشكل جيد جداً. ما الفرق بيننا؟"

وبالإضافة إلى هذه المظالم، قال الشيشكلي أن هناك قضايا طويلة الأجل تؤثر في الوضع هنا أيضاً، لاسيما في ظل تنامي شعور السوريين بالإحباط إزاء إمكانية تحقيق السلام. وأضاف أن "الأمر لا يتعلق بالمال فقط ... أنت بحاجة إلى الحصول على جواز سفر. كما أنك بحاجة للاهتمام بمستقبل أطفالك. وإذا كان لديك جواز سفر سوري الآن، فلا قيمة له".

الاحتياجات الطبية

والموقف صعب للجمعيات الخيرية الطبية بشكل خاص لأن الكثير منها يعمل في أخطر الأماكن داخل سوريا.

وقد تعرضت المستشفيات بشكل منتظم لضربات جوية من الحكومة السورية، غالباً بالبراميل المتفجرة– وهي عبارة عن قنابل قوية مصنوعة من براميل معبأة بالمتفجرات والشظايا – تُلقى من طائرات الهليكوبتر بقليل من الدقة.

ومنذ العام الماضي، قُتل ما لا يقل عن 194 شخصاً من أفراد الطواقم الطبية وتعرض 104 مرفق طبي لهجمات، غالبيتها من قبل الحكومة، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

وفي هذا الصدد، قال زيدون الزعبي، المدير التنفيذي لاتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية، وهي منظمة طبية سورية غير حكومية تقدم المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء الدولة، أن هناك حملة منظمة تستهدف المرافق الطبية.

"أرادت إحدى المستشفيات الانتقال إلى مكان آخر بعد استهدافها عدة مرات بالبراميل المتفجرة. وعندما انتقلت إلى ذلك المكان، كان على مقربة من قاعدة عسكرية [للمتمردين]. وعندما انتقلت إلى هناك، قال لهم الجيش 'لا، لا تقتربوا منا، لا نريد أن نخاطر بحياتنا من أجلكم'. لكم أن تتخيلوا! قاعدة عسكرية أقل خطورة من مستشفى ... هؤلاء الأطباء الذين يواصلون عملهم فيها هم في الواقع ينتظرون الموت".

ومن الواضح أن هناك أعداداً كبيرة من الأطباء يتركون المهنة. وأوضح الزعبي أنه "في وسط مدينة حلب، يوجد حوالي 58 طبيباً، بما فيهم الطلاب، يتعين عليهم خدمة نحو 300,000 شخص ... وخلال هذا الصيف فقدنا سبعة منهم، حيث سافروا إلى أوروبا عبر البحر".

وأضاف أنه كثيراً ما تكون الجهات المانحة الدولية غير مستعدة لدفع رواتب الأطباء خوفاً من الوقوع تحت طائلة التشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب، مفضلين بدلاً من ذلك الخيار "الأسهل" الذي يتمثل في دفع ثمن المعدات والمواد الاستهلاكية والأدوية.

ويمكن أن تواجه المنظمات التي تتلقى تمويلاً من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى اتهامات بدعم الإرهاب إذا ما اتضح أن المساعدات التي تقدمها قد ساعدت بطريقة ما جماعات تعرف بأنها إرهابية. ويشمل هذا تنظيم "الدولة الإسلامية" وجبهة النصرة أيضاً، التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا التي تسيطر على مناطق واسعة في حلب والمناطق المحيطة بها. وقد تبنت منظمات غير حكومية كثيرة الرأي القائل بأن توفير السلع التي يمكن أن ترصد عن كثب أكثر أماناً من دفع الرواتب، لأن هؤلاء الموظفين قد يضطرون إلى دفع ضرائب إلى المتمردين الإسلاميين.

وهذا النقص في الرواتب الثابتة، كما أفاد الزعبي، يجعل توظيف الأطباء أمراً في غاية الصعوبة.

ويرى آدم كوتس، أحد الخبراء في مجال الصحة العامة والمتخصص في أثر الأزمة في سوريا، أنه لا توجد هناك أي إحصاءات موثوق بها عن عدد الأطباء والعاملين في المنظمات غير الحكومية الذين تركوا عملهم واتجهوا إلى أوروبا، ولكن من الواضح أنها أصبحت مشكلة رئيسية.

أما أولئك الذين فروا إلى الدول المجاورة، بما في ذلك الأردن ولبنان وتركيا، فإنهم غير قادرين على مساعدة اللاجئين بسبب قوانين العمل، وفي نهاية المطاف يضطر كثيرون منهم إلى السفر إلى أوروبا.

وختاماً، قال كوتس "يجب أن تتاح الفرصة للأطباء السوريين في البلدان المجاورة لممارسة عملهم والاندماج في الاستجابة الإنسانية، ولكن لم يفكر أحد في كيفية تحقيق ذلك بسبب قوانين العمل في بعض المناطق مثل لبنان وبسبب معارضة النقابات الطبية".

jd/ag-kab/dvh