كيف ستأوي ألمانيا جميع اللاجئين الوافدين إليها؟

مع وصول 18,000 طالب لجوء إلى ميونخ خلال عطلة نهاية الأسبوع، سارعت السلطات المحلية للعثور على أسرّة لهم جميعاً. وتحولت مواقع المعارض التجارية ومعرض سيارات مهجور وحتى عربات السكك الحديدية إلى أماكن إقامة طارئة. ولكن مع استمرار وصول قطارات محملة بالوافدين الجدد، تتضاءل الخيارات وقد وصل النقص في مساكن اللاجئين إلى مستويات الأزمة.

وتجدر الإشارة إلى أن ألمانيا سجلت 218,221 طلب لجوء في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، متجاوزة بالفعل إجمالي عدد الطلبات المقدمة في عام 2014. ومن المتوقع أن تتلقى ما يقرب من 800,000 طلب لجوء بحلول نهاية عام 2015، وفقاً للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين.

وقد صرحت سيلفيا كوستنر، المتحدثة باسم مكتب ولاية برلين للصحة والرعاية الاجتماعية، وهي الهيئة المسؤولة عن تسجيل طالبي اللجوء الجدد في العاصمة الألمانية، بأن المسؤولين في المدينة يبحثون باستمرار عن المرافق التي يمكن أن تُستخدم كسكن مؤقت أو دائم للاجئين.

وأضافت كوستنر في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "نستقبل حوالي 500 شخص جديد كل يوم، جديد تماماً، يأتون إلى مكتبنا لتسجيل أسمائهم! وفي يوم الجمعة، فتحنا مكاناً جديداً للطوارئ يمكن أن ينام فيه 1,000 شخص، وقد أصبح الآن كامل العدد".

يتقاسم مروان* البالغ من العمر 26 عاماً غرفة مساحتها 20 متراً مع شقيقه الأصغر وثلاثة سوريين آخرين في بنسيون سياحي في برلين تم تحويله إلى مساكن للاجئين.

وقال مروان في حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من غرفة نوم مزدحمة لا تحتوي على أثاث كثير وبها خزانة واحدة فقط، وثلاجة صغيرة، وأسرّة فردية قابلة للطي: "لا يوجد لدينا مطبخ، ولذلك ننفق الكثير من مالنا على الوجبات السريعة وعلب التونة".

لكن مروان يعلم جيداً أنه واحد من المحظوظين. فقد وصل إلى ألمانيا في ديسمبر الماضي، بعد أن قطع رحلة طولها 3,700 كيلومتر من وطنه الذي مزقته الحرب دون الغرق في بحر ايجه في طريقه إلى اليونان، أو الإيقاف من قبل الشرطة في المجر. واستطاع أن يصل إلى الدولة التي أصبحت الوجهة الأكثر شعبية في العالم الغربي بالنسبة للأشخاص الفارين من الحرب والاضطهاد. والأهم من ذلك أنه فعل ذلك قبل أن تصل طلبات اللجوء إلى المستويات الحالية.

أما إذا كان مروان وشقيقه قد وصلا إلى ألمانيا اليوم، لكان من غير المحتمل أن يحصلا على سريرين في بنسيون.

يجري استيعاب العديد من طالبي اللجوء الذين وصلوا في الأشهر الأخيرة في حاويات أو في خيام كبيرة كانت تستخدم من قبل الجيش.

لكن المسارعة في الاستجابة قد أنتجت المزيد من الحلول غير المألوفة. ففي فيلمرسدورف، وهي منطقة في جنوب برلين، تم تكييف مبنى مجلس المدينة لاستضافة 500 طالب لجوء. ويستضيف سياسي من براندنبورغ يدعى مارتن باتزلت، وهو عضو في حزب المستشارة أنجيلا ميركل، لاجئين إريتريين في بيته. وذكرت وسائل الإعلام الألمانية مؤخراً أن إدارة مدينة برلين تدرس تحويل مطار قديم إلى أكبر منشأة لاستقبال اللاجئين في أوروبا، بسعة تتراوح بين 3,000 و 4,000 شخص.

وفي أعقاب التسجيل الأولي لدى السلطات في برلين، يتم نقل العديد من طالبي اللجوء إلى أجزاء أخرى من البلاد لأن القانون الألماني ينص على تقسيمهم بشكل عادل بين الولايات الاتحادية الـ16 وفقاً لعدد سكان كل منها. وتوجد الآن المئات من أماكن إقامة اللاجئين التي توفرها الدولة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق التي لا يتمتع سكانها المحليون بنفس التنوع العالمي أو كرم الضيافة تجاه الأجانب بصفة عامة كما هو الحال في برلين.

وقد شهدت المناطق الريفية، وخاصة في الجزء الشرقي من البلاد الذي يتسم بتنوع ديموغرافي أقل، ارتفاعاً كبيراً في عدد الهجمات المعادية للأجانب التي تستهدف طالبي اللجوء. واندلعت احتجاجات عنيفة وهجمات على مأوى لطالبي اللجوء في هيديناو الشرقية، بالقرب من الحدود التشيكية، وإضرام نيران متعمد في منشأة كان من المقرر استخدامها كمأوى مؤقت لطالبي اللجوء في ناوين، غرب برلين. وقد زارت ميركل مركز اللجوء في هيديناو وحثت الألمان على الوقوف ضد الاحتجاجات "المخزية" المعادية للمهاجرين.

أما في برلين، فيشارك الكثير من المواطنين الألمان في المبادرات الشعبية التي تتصدى لأزمة السكن على وجه التحديد. مرحباً باللاجئين - المعروفة أيضاً باسم " إير بي إن بي للاجئين" (Airbnb for refugees) - هي عبارة عن منصة يمكن للألمان من خلالها أن يقدموا بعض الغرف في شقق مشتركة لطالبي اللجوء واللاجئين.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت ماريكه غيلينغ، إحدى مؤسسي منظمة مرحباً باللاجئين: "نريد أن نعطيهم الفرصة للعيش في سياق طبيعي، كما نعيش نحن. هؤلاء أشخاص يستحقون أن لا يضطروا إلى العيش في مخيمات للاجئين خارج المدن وبعيداً عن كل شيء، بل يستحقون أن يعيشوا بيننا".

كما تم مؤخراً إطلاق مبادرة أخرى تهدف إلى توفير السكن للاجئين وسلاسة اندماجهم في المجتمع الألماني، وهي مبادرة منزل اللاجئين المشترك (Refugio Sharehaus). الكاتب الألماني سفين لاغر هو مدير هذه المبادرة التي يعيش من خلالها 40 شخصاً - لاجئين ومهاجرين من مختلف البلدان وكذلك ألمان - في مبنى واحد ويتعاونون لتطوير المشاريع الاجتماعية وتنظيم الأحداث في نفس الحي.

وقد هنأ لاغر الحكومة الألمانية على قبول أعداد كبيرة من طالبي اللجوء، لكنه قال أن تسكينهم في المخيمات كان خطأ من شأنه أن يؤدي إلى العزلة الاجتماعية.

"علينا أن نفهم أن استضافة الناس في مكان كبير مع 1,000 شخص آخرين يخلق الكثير من المشاكل،" كما أخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

لا يوجد اندماج مع السكان المحليين في البنسيون الذي يقيم به مروان، السوري البالغ من العمر 26 عاماً. تضم تلك المنشأة حوالي 50 سريراً ويشغلها بالكامل طالبو لجوء من سوريا وعدد من الدول الأفريقية. ويدرس مروان وبعض السكان الآخرين اللغة الألمانية في المدارس القريبة كجزء من دورات الإدماج التي تقدمها الدولة. كما يخطط لتعلم اللغة الألمانية بطلاقة ومن ثم الانخراط في جامعة هومبولت في برلين لاستكمال دراسات الاقتصاد التي كان قد بدأها في دمشق.

وفي هذا الصدد، قال مروان: "لقد كانت ألمانيا كريمة معنا. إنهم يعطوننا بقدر ما يستطيعون".

ولكن لديه رغبة واحدة أخرى يود نقلها إلى الحكومة الألمانية: لم شمله مع والدته وشقيقه وشقيقته، الذين لا يزالون في سوريا، قبل فوات الأوان.

"توجد عائلتي الآن في مدينة يحاصرها الجيش. ليس لديهم طعام ولا كهرباء. وأرجو أن تسمح لنا الحكومة هنا في ألمانيا بإحضار أسرتنا إلى هنا،" كما قال وشقيقه إلى جانبه.

*تم تغيير اسمه حفاظاً على سلامة عائلته في سوريا

yb/ks/ag-ais/dvh