هل سيسمح تنظيم الدولة الإسلامية بتنفيذ حملة لمكافحة شلل الأطفال؟

في خضم الحرب الأهلية الوحشية في سوريا، كان الإعلان في أواخر يناير الماضي عن قهر البلاد لمرض شلل الأطفال على نحو فعال مرة أخرى بمثابة نقطة مضيئة نادرة. وكان هذا نتيجة لحملة تطعيم لم يسبق لها مثيل في جميع أرجاء البلاد تقريباً، بما في ذلك المنطقة الشرقية الشاسعة التي يسيطر عليها ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.

ولكن حتى هذا الإنجاز الصغير قد أصبح مهدداً الآن لأن المتشددين الإسلاميين شنوا حملة قمعية ضد جماعات الإغاثة، وفرت منظمات أخرى خوفاً من تدابير مكافحة الإرهاب.

ولكن قبل بدء حملة كبيرة لتطعيم الأطفال في جميع أنحاء البلاد، ما هي فرصة تحصين أكثر من مليون طفل يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا؟

النجاح السابق

في أكتوبر 2013، وللمرة الأولى منذ عام 1999، أكدت سوريا عودة ظهور مرض شلل الأطفال، وهو مرض غير قابل للشفاء ويصيب المرضى بالوهن، ولكن يمكن الوقاية منه بسهولة. ويزدهر هذا الفيروس الذي ينتقل عبر المياه في المناطق التي تعاني من سوء الصرف الصحي وسوء التغذية وضعف أنظمة الصحة العامة. وتعتبر سوريا والعراق المتضررتان من النزاع، وكذلك البلدان المجاورة التي تستضيف لاجئين في أماكن مكتظة، أرضاً خصبة لانتشار الفيروس.

وتجدر الإشارة إلى أن الإعلان عن ظهور المرض في عام 2013 أدى إلى تنفيذ حملة تطعيم كبرى، وفي يناير 2015، أصبحت منظمة الصحة العالمية قادرة على الإعلان عن عدم ظهور أي حالات جديدة لمدة عام كامل.

ولكن ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، الذي فرض سيطرته على مساحات شاسعة من شرق سوريا وغرب العراق في الصيف الماضي، يعرض هذا النجاح للخطر.

وقد ازداد موقف تلك الجماعة المتشددة من المنظمات غير الحكومية تصلباً مع مرور الوقت. ففي البداية، وعلى الرغم من طرد بعض المنظمات الإنسانية، فقد تمكنت منظمات أخرى عديدة من البقاء، شريطة أن يكون عملها إنسانياً بحتاً.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في أواخر عام 2014، قال أورهان محمد، رئيس وحدة تنسيق الدعم (ACU)، وهي منظمة إنسانية موالية للمعارضة السورية الرسمية، أن تنظيم الدولة الإسلامية سمح لفرق التطعيم ضد شلل الأطفال بالدخول.

ولكن الوضع تغير هذا العام. ففي شهري فبراير ومارس، شن مسلحو التنظيم حملة قمعية ضد المنظمات الإنسانية، سواء الأجنبية أم السورية، التي تعمل داخل أراضيه. ولم يتبق سوى عدد قليل من تلك المنظمات التي تنشط في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ويفرض المتشددون الآن مطالب سياسية لا ترغب المنظمات الإنسانية في تلبيتها.

وأوضح محمد أنهم "لا يريدون ترك الأطباء يعملون بأنفسهم لتوفير اللقاحات. إنهم يريدون وضع أمير من دولة خلافتهم للإشراف على الأطباء، ونحن لا نقبل ذلك".

وفي السياق نفسه، قال بُراق الباشا، العضو المنتدب لشبكة إغاثة سوريا، وهي مظلة تمثل أكثر من 60 منظمة غير حكومية سورية، أنه قد شهد أيضاً زيادة في العداء للمنظمات الإنسانية منذ بداية العام، مضيفاً أن "[أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية] يعتبرون أنفسهم دولة. ويعتبرون أي شخص من المنظمات غير الحكومية كافراً أو جاسوساً، ولذلك أوقفوا المشاريع".

كما توقف عدد من المنظمات غير الحكومية الدولية التي تتلقى تمويلاً من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى عن العمل في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية بسبب المخاوف من قانون مكافحة الإرهاب، حيث يمكن أن تصبح المنظمات الإنسانية أكثر عرضة للملاحقة القانونية إذا اعتُبرت داعمة لمنظمة إرهابية. وفي عام 2011 في الصومال، قالت المنظمات غير الحكومية أن تشريعات مماثلة منعتها من أداء العمل الذي كان يمكن أن ينقذ حياة آلاف الأشخاص الذين ماتوا من جراء المجاعة.

وفي حين أن وحدة تنسيق الدعم لا تعمل في الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، لكن تلك المنظمة تترأس فريق العمل المعني بالتطعيم في سوريا. وأوضح محمد أن ما يقرب من عام قد مر منذ تطعيم الأطفال في بعض المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، وأصبحت هناك الآن "فرصة كبيرة" لتفشي المرض.

والجدير بالذكر أن العدد الدقيق للأشخاص الذين يعيشون في سوريا والعراق تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية غير معلوم، لكنه قد يصل إلى 10 ملايين نسمة. وتشير الأدلة إلى أن بعض النازحين السوريين يتعمدون الانتقال إلى الهدوء النسبي في تلك المناطق، وفي كثير من الأحيان يفعلون ذلك هرباً من البراميل المتفجرة التي تلقيها القوات الحكومية السورية.

من جانبه، قال آدم كوتس، خبير الصحة العامة المتخصص في تأثير الأزمة السورية، أن هناك مخاوف محددة بشأن مدينة دير الزور، حيث تأكد تفشي مرض شلل الأطفال في عام 2013.

وأضاف أن "هناك قلقاً كبيراً نظراً لانقطاع التطعيم وحقيقة أن سلالة فيروسات التفشي [الأصلي] تركزت في دير الزور، التي تخضع الآن لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية".

أمل جديد؟

مع ذلك، قال محمد أن المنظمات غير الحكومية قد لاحظت وجود رغبة جديدة لاجراء محادثات من جانب تنظيم الدولة الإسلامية في الأسابيع الأخيرة.

ومن المقرر أن تبدأ حملة التطعيم المخطط لها في نهاية هذا الأسبوع، وتبادر المنظمات غير الحكومية السورية من جديد بمحاولة تشجيع المسلحين على السماح لها بالعمل.

وفي هذا الإطار، أفاد محمد من وحدة تنسيق الدعم أنهم "اليوم يبدون أكثر مرونة ويعطون إشارات بأنهم قد يمنحونا تصريحاً. وإذا فتحوا هذا الباب، سوف تدخل منه [فرق التطعيم] ... [ولكنهم] حتى اليوم لم يمنحوا هذا التصريح".

وقال رئيس منظمة طبية سورية تعمل داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية - الذي لم يشأ الكشف عن اسمه لأسباب أمنية - أن بعض الوسطاء يعملون جاهدين لتشجيع المتشددين على السماح بتنفيذ حملة التطعيم مرة أخرى.

وأضاف قائلاً: "من الصعب علينا حقاً أن نعرف لأنه لا يمكن التنبؤ بأفعال تنظيم الدولة الإسلامية قط - ولا نعرف كيف سيكون رد فعلهم. ولكن يجب أن لا نفشل، ينبغي علينا تحقيق النجاح. ونأمل في أن نتمكن من ذلك".

jd/ag-ais/dvh