لا يمكننا تحمل سنة أخرى كهذه'

آني سليمرود

محررة شؤون الشرق الأوسط

ستبدأ الدراسة في الوقت المحدد.
ربما لا يعتبر هذا خبراً بالنسبة للبعض، ولكنه بالنسبة لنصف مليون طفل من اللاجئين الفلسطينيين هو خبر بكل تأكيد.

فقد أعلنت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الأربعاء الماضي أنها نجحت في تخطي أزمة العجز المالي الذي يبلغ 101 مليون دولار، وأنه لن يكون هناك تأخير في بدء العام الدراسي.

فبعد حملة يائسة لحشد التمويل، قامت دول الخليج العربي والولايات المتحدة بسد الفجوة التمويلية، ولكن مع تزايد عدد اللاجئين، وتنامي الاحتياجات وقلة التمويل من الجهات المانحة الجديدة، تظل المشاكل الأساسية كما هي. ومن الواضح أنه سيتعين على الوكالة إجراء تغييرات جذرية لتجنب الوقوع في نفس المأزق العام المقبل.

التقت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) مع بيير كرينبول، المفوض العام لوكالة اﻷونروا لمعرفة كيف تغلبت الوكالة على ما وصفها بأنها أخطر أزمة مالية تواجهها"، وما يجب القيام به لتجنيبها المشكلات للأبد.

وتناول كرينبول، في مقابلة شاملة معه، أحجام الفصول الدراسية الجديدة، والوضع المالي للمنظمة والاحتجاجات ضد قيادته.

لقد أعلنت يوم الأربعاء الماضي أن مدارس الأونروا ستبدأ العام الدراسي في الوقت المحدد. هل لديك الآن التمويل الكافي لضمان بقائها مفتوحة طوال العام الدراسي؟

أعتقد أننا في وضع جيد هذه السنة لأن لدينا 80 مليون دولار تقريباً من أصل مبلغ 101 مليون دولار الذي نحتاجه. ونحن بانتظار مساهمة من الاتحاد الأوروبي... وقد نحتاج إلى جهة مانحة أخرى أو اثنتين، ولكن أعتقد أننا في وضع لا بأس به.

لقد قمت بزيادة عدد الطلاب في الفصول التي تخطط لها مدارس الأونروا إلى 50 طفلاً. كيف سيؤثر هذا على المعلمين الذين تتعاقدون معهم؟

نحن لا نعرف حتى الآن لأن عملية تشكيل الفصول لم تكتمل بعد. ولا يزال المختصون يضعون اللمسات النهائية عليها. سوف يتم الانتهاء منها قريباً في الضفة الغربية وغزة، بعدما تأكدنا أن الدراسة ستبدأ في وقتها. ولا تزال هناك مناقشات حول هذا الموضوع، بين المعلمين والنقابات وغيرها، ولكن ينبغي أن نفهم قبل كل شيء، أن الحد الأقصى الذي يتمثل في وجود 50 طالب في الفصل كان موجوداً قبل سنوات، وبالتالي فإنه ليس أمراً جديداً. سيتراوح متوسط عدد الطلاب على الأرجح ما بين 41 و42 طالباً. وقد وصل عدد الطلاب في السنوات السابقة إلى ما بين 37 و38 طالباً. من الواضح أن هناك زيادة في عدد الطلاب في الفصل الواحد، ومن ثم قد يقل عدد المدرسين في بعض الأماكن، ولكن في الوقت الراهن لا توجد لدينا صورة كاملة عن الوضع.

يبدو أن هذه مشكلة مستمرة مع الأونروا، يأتي التمويل في اللحظة الأخيرة وتواجهون أزمة مالية كل بضع سنوات. نحن نعلم أن الاحتياجات تتزايد والتمويل يتناقص، إذاً ما هي التغيرات الطويلة الأجل التي تدرسون اتخاذها في طريقة عمل الوكالة بغية تجنب مثل هذه المشكلات في المستقبل؟


هناك عدد قليل جداً من الوكالات في منظومة العمل الإنساني التي لا تواجه عجزاً في الميزانية أو عجزاً في التمويل مقارنة بالاحتياجات، ولكن الشيء الجديد في هذا العام، الذي لم يحدث من قبل، هو أن ذلك وضع أنشطتنا الأساسية – لاسيما برنامج التعليم الرئيسي – في خطر. وهذه سابقة لم تحدث من قبل. لذا أريد أن يتفهم الجميع أن هذا ليس مجرد عجز مالي آخر، ولكننا اقتربنا أكثر مما ينبغي وأكثر من أي وقت مضى من حدوث تأخير في العام الدراسي – ليس بسبب الحرب على غرار ما حدث في قطاع غزة في العام الماضي – ولكن بسبب نقص التمويل. وهذا أمر لم يكن ينبغي أن يحدث.

لا ينبغي أن نصل مرة أخرى إلى وضع يعرّض السنة الدراسية للخطر. وهذا سيتطلب، مرة أخرى، اتخاذ عدد من الإجراءات الداخلية والاتصال بالجهات المانحة، وسيتم عقد سلسلة من الاجتماعات مع جامعة الدول العربية، ومن المؤكد أيضاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسوف نحاول عقد اجتماعات وزارية في الأسبوع المخصص للاجتماعات الرفيعة المستوى حتى نتمكن من إجراء مناقشات سليمة مع الدول المانحة والمؤسسات الأكثر انخراطاً معنا في السابق لنقول لها: "هذا [التدبير لخفض التكاليف] هو إسهامنا ولكننا الآن نعول حقاً عليكم لإنشاء نموذج أكثر قابلية للتنبؤ لتمويل الخدمات الأساسية التي تقدمها الأونروا"، لأنه لا يمكن أن نسمح بعدم الاستقرار وعدم اليقين والقلق... أن يحدث مرة أخرى.

نحن لا نشكو من مستويات التمويل المقدمة لنا، لأن لدينا مبلغ 1.2 مليار دولار [سنوياً]، وهذا مبلغ كبير. ولكننا نسعى لسد الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة لدى المجتمع المحلي وزيادة المساهمات ولكن على مستوى أدنى من الجهات المانحة. نحن بحاجة إلى زيادة القدرة على التنبؤ. الصعوبة التي تواجهها الأونروا هو أن لديها برامج طويلة الأجل، لأننا لسنا وكالة للاستجابة للحالات الطارئة فقط، فبعض نفقاتنا لا تتذبذب. إنها مستمرة، عمل الوكالة أشبه بوزارة في أي دولة.

هل يمكنك أن تخبرنا عن بعض التفاصيل المحددة حول تدابير خفض التكاليف التي تعتزمون تنفيذها على المستوى الداخلي في الاونروا؟

لا نستطيع ذلك الآن، لأننا نقوم حالياً بإعداد ميزانية عام 2016. وعندما ننتهي منها سوف نخبركم.

لم نسمع عن أي تغييرات أو خفض للنفقات؟

حسناً، أنتم تسألونني في اليوم التالي مباشرة لحل المشكلة (أجريت المقابلة في 20 أغسطس). لذا، عليكم أن تقبلوا بهذا الآن، وسأكون على أتم الاستعداد لتزويدكم بقائمة التغييرات بمجرد تقريرها.

هناك العديد من المقترحات حول الكيفية التي يمكن أن تساعد في تعزيز كفاءة الأونروا. على سبيل المثال، كثيراً ما يُقترح أنه نظراً لأن غالبية اللاجئين الفلسطينيين في الأردن هم أيضاً مواطنون أردنيون فإنهم مؤهلون للحصول على خدمات الدولة، ومن ثم يمكن أن توفر الأونروا ميزانية ضخمة إذا أنهت خدماتها هناك.

نحن لسنا [على وشك إنهاء] خدماتنا في أي من المجالات التي نعمل فيها لسببين مختلفين. الأول هو أن لدينا تكليف للعمل هناك، وفي بعض الأحيان ينسى الناس ذلك البعد. نحن مكلفون بتقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين في هذه المجالات الخمس ... وفي نهاية المطاف، تكليفنا هو تكليف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن ثم لا يمكننا إعادة تصميم المجالات التي تعمل فيها ونقوم بهذا النوع من التفريق.

أعتقد أنه سوف يكون من قبيل التقليل المجحف من الضغوط التي تعاني منها الدولة المضيفة، نتيجة لعوامل عدم الاستقرار في المنطقة. ما رأيناه مع برنامج التعليم هو أن التقليص من الخدمات المقدمة إلى اللاجئين الفلسطينيين، والفشل في حماية كرامتهم والجوانب الأخرى لحقوقهم هو خطر لا يمكن أن يتحمله العالم، لأن المشكلة لا تقتصر بحد ذاتها على الصراع الذي لم يُحل هنا بين إسرائيل وفلسطين فيما يتعلق بالاحتلال والأمور الأخرى، بل إن هناك أيضاً حالة من عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط التي ينبغي أن تقود الناس للتفكير بعناية شديدة في التكاليف التي قد تترتب على تقليص الخدمات المتوفرة حالياً للاجئين الفلسطينيين، الذين يعانون بالفعل من محدودية الفرص في الحياة ومن مستقبل صعب للغاية. أعتقد أنه إذا طلب أحد من السلطات الأردنية ذلك، فستعترض بشدة على أي خفض للنفقات، لذا فإننا لا نسعى على الإطلاق للمضي في هذه الإجراءات.

ماذا عن استطلاع الموارد المالية، بحيث يُطلب من اللاجئين الفلسطينيين الذين يمكن أن يدفعوا مقابل الخدمات المساهمة ببعض المبالغ أو إعادة تقييم من يستحقون الخدمات بناء على الحاجة؟

نحن كوكالة نعمل منذ عدة سنوات بناء على حقيقة أن الشخص يتمتع بصفة (لاجئ)– هذا لا يعني أنه لكونه لاجئاً مسجلاً فإن الجميع يتقدم للحصول على الخدمات. ولعل أفضل مثال على ذلك سوريا قبل الحرب. فقد كان هناك 560,000 لاجئ فلسطيني في سوريا، وكان عدد صغير جداً منهم يتقدمون للحصول على خدمات الأونروا بخلاف إرسال أطفالهم إلى المدارس... وبخلاف ذلك، كان معظم اللاجئين مكتفين ذاتياً لأنه كان يتم الترحيب بمعظم اللاجئين الفلسطينيين في سوريا: كانوا يعملون، وكانت لديهم أعمال تجارية خاصة بهم، وكانوا مكتفين ذاتياً.

لقد التقيت بالكثير من الناس في غزة الذين اعتادوا توظيف نحو 10 أو 20 أو 50 شخصاً في أعمالهم وكانوا يغطون احتياجاتهم، واليوم يعتمدون على الأغذية التي توزعها الأونروا. لماذا؟ ليس لأنهم لاجئين فقط، ولكن لأن هناك حصاراً. ومن ثم، فالظروف هي التي تملي ذلك: الحصار في غزة، والصراع في سوريا. واليوم، يعتمد مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بنسبة 95 بالمائة على الأونروا. ولم يكن الحال هكذا سابقاً. لذلك أقول لمن ينظر إلى الأونروا وإلى الذين يستحقون وإلى استطلاع الاحتياجات، لكي نكون صادقين فعلاً، أنه إذا أعددنا الميزانية على أساس الاحتياجات فسنحتاج إلى ميزانية أكبر بكثير.

هل توجد أي ديون على الأونروا؟

لا، لا توجد أي ديون مستحقة على الأونروا، ولكن ليس لدينا احتياطيات، وهذه قضية أكبر... لقد عملت في وكالات أخرى في منظومة العمل الإنساني، وبالنسبة لمنظمة دولية تنفق 1.2 مليار دولار سنوياً ولا يوجد لديها سوى مليون دولار كاحتياطي يعني أنه إذا أوصدت الجهات المانحة أبوابها تماماً، فلن نستطيع أن نعمل لأكثر من ساعات، وبالتالي هذا أمر غير قابل للاستمرار. يجب أن نتمكن من إعادة بناء قاعدة مالية أكثر صلابة.

في إطار تدابير خفض التكاليف الخاصة بكم، قمتم بالاستغناء عن الكثير من الموظفين الدوليين. وبعض من هؤلاء العاملين كانوا ناجحين بشكل خاص في حشد التمويل. ونظراً لأن هذا يعني تمويل أقل على المدى الطويل، أليس هذا بمثابة بتر الساق للحفاظ على الجسد؟

كل عملية نضطر فيها للاستغناء عن عقد أحد العاملين تؤلم الوكالة، وتؤلم الأشخاص المعنيين. كان هناك شخص موهوب جداً في مكتبي التنفيذي، وقررنا الاستغناء عنه... ولكن عندما تكون في أزمة حجمها 100 مليون دولار، يتعين أن تتضمن خياراتك قرارات تُنفذ على الجميع.

حشد التمويل هو من المجالات التي لم نستطع الاحتفاظ بها لأنه عندما يكون برنامج التعليم في خطر، لا يكون هناك أي مجال يمكن الاحتفاظ به بعد الآن... لذلك لم يكن لديّ شك في أننا كنا بحاجة إلى اتخاذ هذه القرارات الصعبة. كان الأمر مؤلماً وعندما تتخذ هذا النوع من القرارات يحق للناس الاعتراض عليها. وأنا أتفهم تماماً أنه عندما يتخذ المرء قرارات صعبة فلن تكون هذه القرارات محل توافق من قبل الجميع، والأمر لا يتعلق فقط بالمعنيين شخصياً بها بل حتى من الآخرين. وكما رأينا في الأسابيع الأخيرة، كانت هناك مناقشات قوية جداً بين الموظفين، وعلى صفحات الفيسبوك، وكانت هناك مظاهرات سلمية، أعتقد أنها جيدة لأنها علامة على التضامن، ولكن كانت هناك أيضاً بعض الانتقادات الواضحة جداً للإدارة، والقيادة، والأفراد، وإليّ أيضاً، وأنتم تعرفون أنه عندما يدخل المرء في مثل هذه الأزمة فسوف يتعرض لبعض من هذا. وأنا أتقبل ذلك تماماً.

تم اختصار أجزاء من هذه المقابلة تجنياً للإطالة

"