الاتحاد الأوروبي يدفع ثمن عدم التخطيط لتدفق المهاجرين

تشير التوقعات على نطاق واسع إلى أن وصول المهاجرين إلى أوروبا في عام 2015 سيتجاوز المستويات القياسية التي تم تسجيلها في عام 2014، نظراً لتصاعد الصراعات في سوريا وأماكن أخرى، ولكن يبدو أن العدد الهائل من الوافدين عن طريق البحر إلى اليونان في الأسابيع الأخيرة قد باغت العديد من المراقبين.

فقد سجلت اليونان أكثر من 50,000 وافد في شهر يوليو، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، متجاوزة في شهر واحد الـ43,500 الذين وصلوا خلال عام 2014 بأكمله. ومن المرجح أن تكون الأرقام المسجلة في شهر أغسطس أعلى من ذلك. ففي الأسبوع قبل الماضي وحده، عبر 21,000 مهاجر، يشكل اللاجئون من سوريا وأفغانستان والعراق غالبيتهم العظمى، المسافة القصيرة نسبياً في البحر الأبيض المتوسط التي تفصل تركيا عن الجزر اليونانية، مثل كوس وليسفوس وخيوس.

وفي هذا الإطار، قال وليام سبيندلر، المتحدث باسم المفوضية: لقد حذرنا منذ عدة أشهر من أزمة اللاجئين المتصاعدة [في اليونان]. لقد شاهدنا أعداداً كبيرة من الوافدين في الأشهر الأولى من العام، ولذلك كان من المتوقع أن تزداد أعدادهم في أشهر الصيف. ونتوقع أن تستمر هذه الأعداد في الوصول حتى شهر أكتوبر المقبل على الأرجح، لكنها لن تتوقف".

وعلى الرغم من تحذيرات المفوضية، لم تستعد اليونان جيداً للتعامل مع هذا التدفق، إذ يفتقر هذا البلد بالفعل إلى نظام لجوء يعمل بشكل صحيح ولا توجد مرافق استقبال رسمية إلا على ثلاثة جزر فقط.

وأضاف سبيندلر في حديثه مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "لقد كانت ظروف الاستقبال في اليونان دون المستوى لعدة سنوات. هذه مشكلة هيكلية، وليست ناجمة عن الأزمة الاقتصادية الحالية".

وتشير تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن العدد التراكمي للوافدين عن طريق البحر هذا العام يصل إلى حوالي 265,000، وقد استقبلت إيطاليا 104,000 مهاجر منذ بداية العام عبر الطريق الأوسط الغادر في البحر الأبيض المتوسط، الذي راح ضحيته بالفعل 2,200 شخص هذا العام.

وكشفت فرونتكس، وهي وكالة حماية الحدود في الاتحاد الأوروبي، يوم الثلاثاء الماضي عن تقديراتها للعدد الإجمالي للمهاجرين الذين تم اكتشافهم على حدود الاتحاد الأوروبي خلال الفترة من يناير إلى يوليو، الذي يبلغ 340,000 مهاجر، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في الفترة نفسها من عام 2014.

وتدعو الوكالة، التي تعتمد على الدول الأعضاء لتخصيص المعدات والقوى العاملة اللازمة لتمكينها من مساعدة دول المواجهة، مثل اليونان، إلى تقديم مزيد من الدعم.

"إذا كانت لديك مثل هذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين، فمن الضروري أن تكون قادراً على السيطرة على هذه التدفقات، وأن تتأكد من التعرف عليهم جميعاً والكشف عن هوياتهم،" كما أفادت المتحدثة باسم فرونتكس، إيزابيلا كوبر، في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) مشيرة إلى أن مخصصات الدول الأعضاء ليست كافية حتى الآن لتوفير الدعم اللازم لليونان.

الانتقال الذاتي الفوضوي

وبعد أشهر من المفاوضات المكثفة، أسفر اقتراح من المفوضية الأوروبية بأن تقبل الدول الأعضاء 40,000 طالب لجوء من اليونان وإيطاليا في غضون عامين بهدف تخفيف الضغط عليهما عن التعهد بتوفير 32,000 مكان فقط. ولم تبدأ عمليات الانتقال بعد، وفي هذه الأثناء، "ينتقل المهاجرون من تلقاء أنفسهم، ويتكبدون الكثير من الضيق والمشقة في بعض الأحيان، وبمساعدة المهربين في أحيان أخرى، ولا يذهبون بالضرورة إلى الأماكن التي سوف يجدون فيها المساعدة التي يحتاجون إليها،" كما أشار سبيندلر.

وبالنسبة لغالبية المهاجرين الذين يصلون إلى اليونان، تكون الوجهة التالية هي المجر - الحافة الجنوبية لمنطقة شينجن في الاتحاد الأوروبي. وقد تم تسجيل أكثر من 110,000 طلب لجوء في المجر هذا العام، أي بزيادة خمسة أضعاف عن عام 2014، وأصبحت مراكز الاستقبال غير قادرة على تحمل هذه الضغوط. ويغادر أكثر من 80 بالمائة من المهاجرين البلاد في غضون أيام من وصولهم، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة. ويواصل بعضهم السفر حتى النمسا فقط، حيث نظام اللجوء غير قادر على استيعابهم أيضاً، ولكن أعداداً أكبر بكثير تتجه إلى ألمانيا.

وقد قامت الحكومة الألمانية الأسبوع الماضي بمراجعة تنبؤاتها السابقة باستقبال 450,000 طلب لجوء في عام 2015، لرفعها إلى ما يقرب من 800,000. ومن غير الواضح كيف ستمتص حتى دولة بحجم ألمانيا وثروتها هذه الأعداد، بالنظر إلى أن العديد من طالبي اللجوء يقيمون بالفعل في خيام ويتلقون مساعدات من المتطوعين.

وعلق سبيندلر على ذلك بقوله أن المفوضية تود أن ترى توزيعاً أكثر تنظيماً للمهاجرين يمكن أن يمنح السلطات الوطنية والمحلية الوقت الكافي للتخطيط المسبق. في الوقت الراهن، "تُترك البلدان، وفي بعض الحالات المدن، للتصرف بطرقها الخاصة من أجل التأقلم مع هذا الوضع قدر الإمكان".

وأضاف أن تقديم المزيد من الدعم للبلدان النامية التي تستضيف غالبية اللاجئين، كتلك المجاورة لسوريا، يمكن أن يقطع أيضاً شوطاً طويلاً نحو الحد من التحركات الثانوية نحو أوروبا.

وأكد أن "جميع المنظمات الإنسانية تجد صعوبة في جمع الأموال لعملياتها في تلك البلدان، وبالطبع هذا له تأثير لأن الناس إذا لم يحصلوا على ما يكفي من الغذاء، فقد يدفعهم ذلك إلى التحرك نحو أوروبا".

مطلوب نهج مشترك

وفي وقت سابق من هذا الشهر، وافق الاتحاد الأوروبي على تخصيص تمويل يبلغ 2.4 مليار يورو (2.6 مليار دولار) على مدار 6 سنوات لمساعدة دول مثل اليونان وإيطاليا على مواجهة الارتفاع الكبير في أعداد المهاجرين، ولكن سبيندلر أفاد أن الاتحاد عليه واجب ولديه الموارد اللازمة للقيام بأكثر من ذلك.

وقال أن "هناك مبادرات جيدة جداً ولكنها يمكن أن تصبح أكثر فعالية بكثير إذا ما تبناها الاتحاد الأوروبي ككل،" مشيراً إلى عملية بحرنا للإنقاذ البحري التي تنفذها إيطاليا كمثال على ذلك، حيث أنقذت آلاف الأرواح في العام الماضي، ولكنها تفتقر إلى الدعم الكافي من الدول الأعضاء الأخرى للاستمرار في عملها.

وقد انتقدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فضلاً عن العديد من منظمات الدفاع عن اللاجئين وحقوق الإنسان الأخرى التحركات التي قام بها العديد من الدول الأعضاء للاستثمار في زيادة الرقابة على الحدود وبناء الحواجز بدلاً من تحسين ظروف استقبال اللاجئين وأنظمة البت في طلبات اللجوء.

وقد التقت وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي مع نظيرها الفرنسي يوم الخميس للتوقيع على اتفاق يشمل إجراءات أمنية إضافية لمنع ما يقرب من 3,000 مهاجر يخيمون في كاليه من الوصول إلى بريطانيا.

في الوقت نفسه، تقوم المجر ببناء سياج على حدودها مع صربيا تم تصميمه لمنع دخول الآلاف من المهاجرين الذين يصلون عن طريق البلقان. وتريد الحكومة فرض عقوبة السجن لمدة تصل إلى أربع سنوات على أولئك الذين يتلفون الجدار.


تركيز أوروبا على عدم السماح للناس بالدخول، بدلاً من إدارة أزمة اللاجئين العالمية المتزايدة هو نوع من الفشل.

من جانبه، قالت غوري فان غوليك، نائب مدير برنامج أوروبا وآسيا الوسطى في منظمة العفو الدولية، في بيان لها يوم الأربعاء الماضي أن "تركيز أوروبا على عدم السماح للناس بالدخول، بدلاً من إدارة أزمة اللاجئين العالمية المتزايدة هو نوع من الفشل".

"من الواضح أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى نهج أكثر شمولية، بدلاً من ردود الفعل الجزئية حتى الآن، ويجب توفير طرق آمنة وقانونية لدخول أوروبا حتى لا يضطر الناس للمخاطرة بحياتهم خلال الرحلة،" كما أضافت.

وتتفق كوبر من فرونتكس مع الرأي القائل بأن مراقبة الحدود ليست هي الدواء الشافي، "ولكنها قطعة واحدة من لغز أكبر".

وأخبرت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الطريقة الوحيدة لإدارة هذه التدفقات هي تحقيق الاستقرار في بلدان المنشأ، من أجل تفكيك شبكات تهريب البشر وأيضاً إيجاد نهج أوروبي مشترك عندما يتعلق الأمر باللجوء والإدماج".

ks/ag-ais/dvh
"