هل حان الوقت لإصلاح النظام الإنساني؟

لويز ريدفرز

Freelance journalist and regular IRIN contributor

يتحدث خبراء سياسات المعونة عن تحسين سبل إيصال المساعدات وعمل الأشياء بشكل أفضل، وإيجاد مصادر تمويل جديدة، والأهم من ذلك كله، تركيز الاستجابة على المستوى المحلي.

ولكن هل يمكن حقاً دفع المال إلى أسفل السلسلة، إلى المنظمات المحلية وتوقع نتائج أفضل، أم حان الوقت لإلقاء نظرة صريحة على الهيكل الإنساني برمته، وإعادة النظر في هيكل الحوافز؟

يتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه القطاع الإنساني، بمصالحه المعقدة والمتنافسة، في حجمه الكبير: لقد أصبحت المنظمات غير الحكومية الدولية الآن أكبر وأكثر عدداً وأكثر تشبهاً بالشركات من أي وقت مضى.

"لقد أصبحت المنظمات الدولية الكبرى تحقق نجاحاً باهراً من حيث جمع التبرعات والتسويق ... وتحتكر أفضل فرص التمويل، وتحرم الآخرين من تلك الفرص،" كما أوضحت ليديا بول، مستشارة سياسات المعونة المستقلة.

وأضافت في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الجميع يتحدثون عن الحاجة للتغيير، والمنظمات غير الحكومية الدولية تناصر الحاجة إلى زيادة التمويل للجهات الفاعلة المحلية والوطنية. ولكنني لا أستطيع أن أرى كيف سينجح هذا في الممارسة العملية لأنه في الأساس تحد وجودي بالنسبة لهم".

اقرأ أيضاً: كل شيء يتعلق بالمال

وفي حديثها عن إصلاح قطاع المساعدات في أواخر يوليو، نادت كيونغ وا كانغ، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إلى تغيير جذري في ميزان القوى.

وقالت: "أعتقد أن قلب النظام برمته رأساً على عقب، بحيث نرى النظام الدولي يتقلص والقدرات المحلية تتنامى، هو الطريقة التي نريد أن نتبعها للمضي قدماً".

تتصور كانغ وجود "عالم مثالي" تكون فيه المجتمعات المحلية أكثر مرونة واعتماداً على النفس، والسلطات الوطنية تمد يد المساعدة، و "حجم القطاع الإنساني الدولي يتقلص حقاً إلى أدنى حد ممكن، ولا يتدخل إلا في حالات الضرورة القصوى".

وقد أصدرت منظمة أوكسفام مؤخراً بحثاً حول هذا الموضوع بعنوان "قلب النظام الإنساني رأساً على عقب".

اقرأ أيضاً: الاقتصاد الإنساني

أما بالنسبة لساندرا أفيليس، كبيرة مستشاري تطوير البرامج والشؤون الإنسانية في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة، فإن قضية "الحصة السوقية"، وحقيقة أن صناعة المعونة هي "عمل تجاري" تعتبران من الحواجز الرئيسية التي تعرقل الإصلاح.

وقالت لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين): "إذا لم نواجه بعض هذه القضايا والحوافز الهيكلية بشكل مباشر، فإننا لن نتصدى حقاً لمشكلة التمويل".

هل حان وقت التفكيك؟

وبالتوازي مع هذا البحث عن الذات في مجال إصلاح المعونة قبل القمة العالمية للعمل الإنساني المقرر عقدها في مايو المقبل في اسطنبول، دشن الباحثون في مجموعة السياسات الإنسانية (HPG)، وهي جزء من معهد التنمية الخارجية في لندن (ODI)، مشروعاً لمدة عامين بعنوان "التفكيك البنّاء: إعادة النظر في الهيكل الإنساني العالمي".

لا يمكننا أن نعطي المزيد من المال للمنظمات المحلية لكي تستمر في عمل الأشياء التي كنا نفعلها طوال هذا الوقت، ونتوقع أن تنجح

ويهدف البحث للتوصل إلى فهم أفضل لكيفية تأثير العلاقات النظامية وهياكل السلطة والافتراضات في القطاعات الإنسانية على الناتج، من أجل التوصل إلى أفكار إصلاحية ذات مغزى.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت كريستينا بينيت، الباحثة في مجموعة السياسات الإنسانية: "حتى نبدأ النظر في هياكل الحوافز في النظام الدولي للمعونة، والطريقة التي يتم بها تمويل المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة، وطريقة عمل نموذج الأعمال التجارية في النظام الإنساني، لن يتغير شيء".

وتحاول وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة (DFID) أيضاً أن تلقي نظرة جانبية على نظام المعونة، حيث قامت بتوظيف فريق من الباحثين لتحليل "فعالية واتساق ومساءلة النظام الإنساني بغرض المساعدة في ارشاد نموذج التمويل الخاص بها، الذي يخضع للمراجعة أيضاً".

"لا يمكننا أن نعطي المزيد من المال للمنظمات المحلية لكي تستمر في عمل الأشياء التي كنا نفعلها طوال هذا الوقت، ونتوقع أن تنجح،" كما أكدت بينيت، داعية إلى "تغيير العقلية".

وأضافت أن الوقت قد حان لكي تفكر المنظمات الانسانية في نفسها باعتبارها "شبكة" أو "كوكبة من الجهات الفاعلة"، بدلاً من "نظام هرمي أو بيروقراطية رسمية".

وقالت أن "الاشتراك في شبكة يعني تبادل المعلومات. وهذا يتعلق بوجود طرق عمل تكميلية، وتبني نهج قائم على السوق حيث تسأل من هو الأكثر فعالية وكفاءة، ومن القادر على التخصص، وليس من هو الأكبر الذي يجذب كمية أكبر من المال وعدد أكبر من الإشادات في الميدان".

من جانبه، أيد تايلور سيبولت، أستاذ الشؤون الدولية المشارك في جامعة بيتسبرغ ومدير معهد فورد للأمن البشري، دعوة بينيت لاتباع نهج أكثر تركيزاً على التواصل الشبكي.

وأوضح أن "فكرة الشبكة هي أنك تستطيع إيجاد توازن بين أفضل جوانب النظام الهرمي ونظام السوق. فالنظم الهرمية عديمة الجدوى وبطيئة الاستجابة، في حين تتمتع الأسواق بمرونة أكبر، لكنها تعرض المشاريع الفردية للفشل، وفي السياق الإنساني، هذا لا يعني فقدان المال فقط، بل يعني فقدان الأرواح أيضاً. ولذلك، فإنه ليس نهجاً يتطلع المرء إليه".

العرض والطلب


وتعتبر سلطة المورّد (المنظمات غير الحكومية الدولية) على المستهلك (المستفيد من المساعدات) مشكلة كبيرة أخرى، مثل المنافسة بين المنظمات للحصول على أموال وشهرة.

وفي السياق نفسه، أوضحت أفيليس أن "نموذج العمل الإنساني الحالي قائم على رد الفعل وعدم الكفاءة وغالباً ما يكون مدفوعاً بالعرض، وهذا لا يتيح للمستخدمين النهائيين فرصة تُذكر للتعبير عن آرائهم حول أي نوع من المنتجات والخدمات التي يتلقونها".

لا يوجد وعاء سحري مليء بالذهب في نهاية قوس قزح لإصلاح كل هذه الأشياء. الأمر أكثر تعقيداً من ذلك

وأضافت قائلة: "أرى بعض الأمور تحدث في قطاعنا، وأعتقد أننا لا نعمل في مجال مساعدة السكان المتضررين. إذا فعلنا ذلك، لكنا قد تصرفنا بشكل مختلف تماماً عن ما نقوم به".

ويقوم سيبولت بتشخيص خصوصيات النظام من خلال النظرية الاقتصادية: احتكار القلة من الجهات المانحة (عدد محدود من المورّدين) واحتكار القلة من المنظمات الإنسانية (عدد محدود من المستهلكين)".

وقالت أفيليس، التي تشارك أيضاً في مبادرة التمويل الإنساني في المستقبل (FHF)، التي تدرس أساليب جديدة لتمويل المساعدات الطارئة، أن النظام به الكثير جداً من "الأشياء غير المحفزة".

"إنها تبدو ضارة، ولكن لا توجد حوافز تشجع المنظمات الانسانية على دراسة استراتيجيات الخروج، وبالتالي دراسة الطريقة التي يديرون بها العمل، أو البحث عن حلول خارج القطاع،" كما أضافت.

الفرص

وترى بينيت أن القمة العالمية للعمل الإنساني هي "فرصة مثالية" للتصدي للقضايا النظامية. ولكن في حين جرت مناقشات كثيرة حول ما يلزم من تغييرات، لم يسأل عدد كاف من الناس "الأسئلة الصعبة".

وأضحت قائلة: "إننا بحاجة لتحويل نموذج الأعمال والوصول إلى هياكل الحوافز. وحتى نفعل ذلك، سيكون الكثير من هذا النقاش نوعاً من التشدق ولن نتمكن من معرفة سبب عدم قدرتنا على وضع جدول أعمالنا الخاص بمنح سلطات أكبر للمنظمات المحلية موضع التنفيذ".

كما رحبت بول، التي شاركت في إعداد تقرير مبادرة التمويل الإنساني في المستقبل الصادر في شهر مايو بعنوان "البحث في ما وراء الأزمة"، والذي يدعو إلى إصلاحات مثل التمويل المتعدد السنوات وإحداث تغيير جوهري في تقسيم العمل، بتسليط الضوء على التمويل الإنساني من قبل القمة العالمية للعمل الإنساني، لكنها قالت أن النقاش كان "حلقيّاً" أكثر مما ينبغي.

وأبرزت فكرة تحديد هدف لكمية أموال المساعدات التي يجب أن تنفقها الجهات المانحة "محلياً"، قائلة: "إنني أجد التركيز على هدف التمويل الثابت هذا مخيباً للآمال للغاية لأنه مجرد استجابة مفرطة التبسيط لمشكلة شديدة التعقيد.

وأضافت: "يبدو أن الجميع يبحثون عن أفكار كبيرة، وإصلاحات كبرى ومبالغ ضخمة من المال، ولكن تلك الأشياء لا وجود لها. لا يوجد وعاء سحري مليء بالذهب في نهاية قوس قزح لإصلاح كل هذه الأشياء. الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. الأمر يتعلق بكيفية تحسين النظام بحيث تصبح الحوافز مختلفة".

lr/bp/ag-ais/dvh