ندوب أطفال أوكرانيا تزداد عمقاً

تقضي ناتاشا عطلتها الصيفية مثل أي مراهق آخر: تلتقي مع الأصدقاء، وتلعب في ناد للشباب، وتتجادل مع والديها. ولكن وضعها أبعد ما يكون عن المعتاد.

ففي شهر يناير الماضي، سقطت صواريخ على الحي الذي تقيم به في ماريوبول، في جنوب شرق أوكرانيا، خلال هجوم للمتمردين تقول كييف أنه خلف 30 قتيلاً في المدينة التي تسيطر عليها الحكومة والتي يبلغ عدد سكانها 500,000 نسمة.

ولحسن حظ ناتاشا، التي تبلغ من العمر 15 عاماً، كانت في جزء آخر من المدينة عندما سقطت الصواريخ، ولكن عندما عادت إلى منزلها، شاهدت الدمار الكبير الذي خلفه القصف.

بعد تلك الحادثة، لم أجرؤ على الخروج إلى الشارع لمدة أسبوع على الأقل لأنني كنت أخشى أن أغادر بيتي،" كما قالت في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

والجدير بالذكر أن ماريوبول هي منفذ استراتيجي هام يمكن أن يمنح المقاتلين الموالين لروسيا ممراً برياً من الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون إلى شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا.

وعلى الرغم من وقف إطلاق النار المفترض، الذي تم التوصل إليه في شهر فبراير، دار قتال عنيف بالقرب من المدينة في الأونة الأخيرة، وخصوصاً حول قرية شيروكينا. وقد أدى الصراع، الذي بدأ في أبريل 2014 عندما استولى متمردون انفصاليون على أجزاء من شرق أوكرانيا، إلى مصرع أكثر من 6,500 شخص.

اقرأ أيضاً: مساعدات غير متوقعة في شرق أوكرانيا

اقرأ أيضاً: الصراع من أجل البقاء على خط المواجهة في أوكرانيا

وقالت ناتاشا أنها تسمع أصوات القصف بانتظام، ولكنها تعودت على أصوات الحرب ولم تعد تقفز أو تنظر من النافذة بعد كل موجة مفاجئة من الضوضاء.

لقد أصبحت الآثار أقل لفتاً للانتباه الآن. وتقول ناتاشا أن الصراع جعلها أكثر عصبية وجعل مزاجها أكثر جنوحاً.

"أصبحت أغضب بسهولة شديدة، وحتى الأشياء الصغيرة التي لم تكن تزعجني من قبل تجعلني أصرخ في عائلتي. وفي بعض الأحيان، أكون عدوانية تجاههم،" كما أوضحت.

"كل شيء سيكون على ما يرام"

وقد دشنت منظمة اليونيسف برنامجاً في نهاية العام الماضي لمساعدة الأطفال، مثل ناتاشا، العالقين في الصراع في أوكرانيا. ومن خلال الشراكة مع المدارس والمراكز المجتمعية، تقدم المنظمة الدعم النفسي والاجتماعي وتوفر العلاج عن طريق الفن والألعاب والمناقشة الجماعية.

وهذه مجرد خطوة أولى، إذ يحصل الأطفال الذين يحتاجون إلى المزيد من الدعم على مساعدة نفسية متعمقة.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قالت جيوفانا باربيريس ممثلة اليونيسف في أوكرانيا: "لقد أثبتت هذه الاستراتيجية بالفعل أنها فعالة جداً. إنها تساعدهم على التواصل والانفتاح ... والتخفيف من معاناتهم".

وقد وصل البرنامج حتى الآن إلى 30,000 طفل، ولكن تقديرات اليونيسف تشير إلى أن هناك 100,000 طفل على الأقل في منطقتي دونيتسك ولوغانسك بحاجة إلى الدعم. كما وجدت دراسة أجرتها المنظمة التابعة للأمم المتحدة أن 37 بالمائة من الأطفال الذين أُجريت معهم مقابلات تعرضوا لأحداث سلبية أو تهديدات تتعلق بالنزاع.

وفي ضواحي ماريوبول، يتم تنفيذ البرنامج في مدرسة سابقة بالشراكة مع اتحاد شباب ماريوبول، وهو مركز رعاية اجتماعية يعمل منذ 15 عاماً.

ويجري الآن تجديد المدرسة، التي بنيت في النصف الأول من القرن العشرين، لكنها كانت أفضل مكان في المدينة لأنها تضم مساحة كافية لجميع الأطفال.

البلاط منزوع من الأرضية عند المدخل، بينما توجد خزانات جديدة في المدخل في انتظار فك أغلفتها.

وفي إحدى الغرف، تجمع طبيبة الأمراض النفسية يوجينيا ستوبنيكا ثمانية أطفال من حولها، ليشكلوا دائرة وهم يمسكون أيدي بعضهم البعض. ثم يركعون ويبدؤون في ترديد هتاف: "كل شيء سيكون على ما يرام، كل شيء سيكون على ما يرام، كل شيء سيكون على ما يرام".

ثم يقفزون معاً ويصرخون: "كل شيء سيكون على ما يرام!"

الأطفال هنا لا يتحدثون كثيراً عن الأشياء المعتادة التي يهتم بها الأطفال.

وقالت ستوبنيكا: "طرأ الآن موضوع مختلف تماماً والأطفال يتحدثون عن الحرب والصراع وعن نوع القصف الذي سمعه بعضهم".

وتجدر الإشارة إلى أن تأثير الوالدين يمكن أن يخلق صراعاً بين الأطفال لأنهم يرثون وجهات نظر آبائهم السياسية ويدور بينهم جدال في نهاية المطاف.

وفي مناسبات أخرى، يجد الأطفال صعوبة في التعبير عن أنفسهم، ويكافحون من أجل الاختلاط أو الابداع.

ولمحاربة هذا الشعور، يلعبون لعبة تجعل الأطفال يتحركون في جميع أنحاء الغرفة دون فتح عيونهم. وبمجرد أن يصطدم أحدهم بطفل آخر، ينبغي عليهما أن يتحركا معاً، مما يحسن مهارات بناء الفريق والتواصل.

وقالت ستوبنيكا أنها تستطيع أن ترى الفرق بدءاً من الأسبوع الثاني من البرنامج. كان الأطفال في إحدى المجموعات غرباء في البداية، ولكن بحلول لقائهم الثاني، أصبحوا يقدمون معاً بعض الأفكار للعلاج عن طريق الفن، وهو مفهوم جديد تماماً بالنسبة لهم.

الأطفال النازحون يحصلون على فائدة إضافية

وطُلب من مجموعة من المراهقين النازحين داخلياً رسم المخلوقات التي تطرأ في مخيلتهم. وأظهرت إحدى الرسومات حيواناً يشبه الخفاش ولونه أحمر وأسود وله أنياب بارزة.

وكانت الأسنان الحادة والملامح الخشنة هي الجوانب الغالبة على الرسومات، وهو ما يمثل العدوانية والحاجة إلى حماية النفس، وفقاً لمنسقة مشروع ماريوبول كاتارينا دوتشكينا.

وكثيراً ما يستقبل المركز زيارات من قبل الأطفال النازحين داخلياً الذين يفتقرون إلى دائرة اجتماعية يستطيعون الاعتماد عليها. وتعتبر دينامية المجموعة في هذا البرنامج ذات قيمة خاصة بالنسبة لهم.


الآباء والأمهات لا يشعرون أنهم بحاجة إلى التحدث معهم لأنهم لم يتأثروا بشكل مباشر ... ولكن هذا يتسبب في توتر نفسي للأطفال

وأفادت دوتشكينا أنهم "تركوا كل شيء وراءهم، وبعضهم انتقلوا مع أمهاتهم فقط والبعض الآخر مع أجدادهم".

وقد أعلنت وزارة السياسة الاجتماعية أن عدد الأطفال النازحين داخلياً في أوكرانيا حتى شهر يونيو وصل إلى 168,019 طفل.

ومجرد أن الأطفال يعيشون في المنزل مع أسرهم لا يعني بالضرورة أنهم يحصلون على الدعم المناسب. ويشعر بعض الآباء أنه إذا لم يكن طفلهم على مقربة من خط المواجهة، لا يوجد ضرورة للحديث عن رفاههم النفسي أو الاجتماعي.

وفي هذا الصدد، قالت ستوبنيكا أن "الآباء والأمهات لا يشعرون أنهم بحاجة إلى التحدث معهم لأنهم لم يتأثروا بشكل مباشر ... ولكن هذا يتسبب في توتر نفسي للأطفال".

وقالت طفلة خلال إحدى الجلسات أن الشيء المفضل لديها في ذلك اليوم هو أنها تمكنت من الحديث عن الحرب والسلام، على الرغم من أنها لم تشهد أي قصف.

ويشعر بعض الآباء بخوف شديد من ذكر الصراع أمام أطفالهم. ولهذا السبب، يقوم البرنامج بإجراء زيارات ميدانية إلى الأسر التي تبعد حتى 10 كيلومترات عن الخطوط الأمامية، ومساعدتهم على تعلم كيفية التحدث مع أطفالهم.

كما تقوم منظمة اليونيسف بتدريب الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين لكي يصبحوا قادرين على اكتشاف علامات التوتر النفسي لدى الأطفال. وقالت باربيريس أن الآباء والمنظمات غير الحكومية استجابوا باهتمام متزايد: "إن الطلب يتزايد بالتأكيد".

ويتزايد الطلب نتيجة للعنف المستمر، الذي ازداد منذ فترة الهدوء الأولي التي سادت بعد وقف إطلاق النار في شهر فبراير. وقد تعرضت مناطق في وسط مدينة دونيتسك للقصف يوم السبت للمرة الأولى منذ التوصل إلى الاتفاق، مما أسفر عن مقتل شخص واحد. ويلقي كل طرف باللائمة على الطرف الآخر.

ومع تأرجح الصراع صعوداً وهبوطاً، لا يريد أطفال في ماريوبول مثل ناتاشا أن يفكروا كثيراً في مستقبلهم لأنهم يعلمون أنه في مأزق مستمر.

من جانبها، تخطط عائلة ناتاشا لمغادرة المدينة إذا ازداد الوضع سوءاً - ما ستأخذه وإلى أين ستذهب.

إنها تحلم بأن تصبح معلمة، لكن من دون معرفة ما إذا كان مسقط رأسها سيكون آمناً في السنوات القادمة، فإنها لا تعرف الجامعة التي ستذهب إليها.

ولن تستطيع أن تبدأ في التفكير بشكل أكثر تحديداً حول مستقبلها إلا إذا، وعندما، استقرت أسرتها مرة أخرى.

وقالت ناتاشا: "إن الوضع هنا غير مؤكد حقاً، ولا أحد يخطط لأي شيء".

kj/ag-ais/dvh"