الجمعيات الخيرية العراقية تأخذ زمام المبادرة في العيد

تقف زينة في باحة مسجد الشيخ جولي في أربيل في شمال العراق، ويكشف وشاحها الأزرق عن جزء من شعرها المصبوغ باللون الأشقر. تمسك بلوح مشبكي وتوجه طابوراً من النساء اللاتي ينتظرن الحصول على عبوات المواد الغذائية التي تشمل اليوم الخبز الطازج ودجاجة كاملة مجمدة وأرز مطبوخ وموضوع في أكياس كطعام سفري.

في شهر رمضان الماضي، فرت زينة من منزلها في مدينة بيجي للاستفادة من الأمن النسبي المتوفر في إقليم كردستان المتمتع بحكم شبه ذاتي في العراق بعد توغل مسلحين من ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. وتعيش زينة الآن في غرفة فندقية مع زوجها وأطفالها الثلاثة وعمتها. وتسد الأطعمة المقدمة من المسجد النقص في أرباح زوجها الذي يبيع الشاي والمعاش الذي تحصل عليه عمتها من الحكومة. وتتطوع زينة للعمل في هذه التوزيعات لأن "حاجي دائماً يحسن معاملتنا،" كما تقول.

"حاجي" هو المسؤول الذي ينسق هذه المساعدات في مسجد الشيخ جولي، حيث يحصل نحو 200 شخص على الطعام كل يوم. والجدير بالذكر أن غالبية المستفيدين هم من العرب العراقيين، ولكن اللاجئين السوريين يأتون أيضاً، جنباً إلى جنب مع الأكراد والأقلية العرقية التركمانية. ويعد هذا المسجد واحداً من العديد من المنظمات الدينية التي تدعم النازحين في إقليم كردستان، الذي يأوي أكثر من مليون عراقي هربوا من العنف.

"كنا نعول الفقراء من قبل، ولكن الأزمة الأخيرة ضاعفت هذا العدد مرتين أو ثلاث مرات. إننا نتدبر أمورنا،" كما أكد حاجي، الذي يستخدم اسمه الأول فقط. وتم تقديم المزيد من الطعام خلال شهر رمضان، مثل الحلويات، وحتى الهدايا المالية. ولا يأتي التمويل من الحكومة أو الأمم المتحدة، ولكن من رجال الأعمال المحليين وشيخ المسجد.

وتجدر الإشارة إلى أن الأزمة العراقية هي واحدة من الأزمات الإنسانية الأقل تمويلاً في العالم. فقد تعهدت الجهات المانحة بتقديم ثلث الأموال المطلوبة فقط؛ ونتيجة لذلك، اضطرت الأمم المتحدة لخفض دعمها للنازحين في البلاد، الذين يبلغ عددهم 3.1 مليون شخص، وتم تقليص الطرود الغذائية وإلغاء برامج التوعية.

وتحاول منظمات محلية مثل حاجي ملء الفراغ وتحمل المزيد من الأعباء. لقد منحتها المبادرات التمويلية خلال شهر رمضان ما يكفي للاحتفال بالعيد، ولكنها أيضاً تواجه نقصاً، لا سيما وأن معظم أموال الأمم المتحدة تذهب إلى المنظمات غير الحكومية الأجنبية.

وعلى مشارف أربيل، أفاد هالكاوت صلاح عمر، مساعد مدير مخيم هرشم للنازحين العراقيين، أن تبرعات الأفراد تقدم "مساعدة كبيرة" لسكان المخيم. وقد شهد شهر يونيو وحده 11 توزيعاً للمساعدات التي تم التبرع بها، من بينها تسع للأغذية واثنان للنقود. وشمل التبرع الخاص الأخير في 15 يوليو تسليم الشاي والأرز والزيت ومعجون الطماطم والدقيق والسكر والفاصوليا والعدس إلى سكان المخيم البالغ عددهم 1,432 شخصاً.

"لقد ازدادت التبرعات كثيراً خلال شهر رمضان المبارك،" كما أشار عمر، مضيفاً أنه "شهر الصلاة، وتجب فيه مساعدة الفقراء".

أزمة اقتصادية

وقد أدى انخفاض أسعار النفط وتكلفة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية إلى اندلاع أزمة اقتصادية في العراق. ولم يعد العديد من السكان المحليين في إقليم كردستان يتبرعون للفقراء بنفس السخاء.

"إن الناس كرماء ويتعاملون بطيبة قلب مع أولئك الذين يعانون، ولكن الوضع الاقتصادي سيء للغاية،" كما أوضح غسان يوسف، وهو قس في كنيسة عنكاوة الرسولية في أربيل، التي تدعم النازحين أيضاً.

وأبرز يوسف ارتفاع معدلات البطالة والرواتب الحكومية غير المسددة - لم تحصل زوجته على راتبها منذ ثلاثة أشهر - باعتبارها القضايا الرئيسية.

"هذا يؤثر على الناس الذين يريدون المساعدة. قبل تنظيم الدولة، كان الوضع الاقتصادي جيداً، وكنا نرسل الأموال لمساعدة الناس في سوريا! أما الآن، فلدينا أشخاص في كنيستنا في حاجة ماسة للعون".

وفي السياق نفسه، حذرت دراسة نشرها البنك الدولي في شهر فبراير الماضي من أن معدل الفقر في إقليم كردستان قد زاد من 3.5 بالمائة في عام 2012 إلى 8.1 بالمائة في عام 2014، وانكمش الاقتصاد بنسبة 5 بالمائة في عام 2014. ونتيجة لذلك، خفضت الجهات المانحة الخاصة في المنطقة، بما في ذلك شركات النفط والشركات التجارية، من مساهماتها الخيرية.

"قبل عام 2014 والأزمة التي اجتاحت جميع أنحاء المنطقة، كانت كل أموالنا تأتي من الأثرياء في كردستان،" كما أفاد كارزان نوري، مدير العلاقات العامة في مؤسسة برزاني الخيرية. في العام الماضي، قدم رجل أعمال كردي يتخذ من روسيا مقراً له مليون دولار لإحدى الجمعيات الخيرية، في حين تبرع شقيقه بمبلغ 500,000 دولار. أما هذا العام، فقد انهارت التبرعات الخاصة. "يأتي أقل من 40 بالمائة من تمويلنا الآن من الأفراد،" كما أضاف نوري.

وأكدت المنظمات المحلية الأخرى هذا الاتجاه. وقال جميل جومر، المدير التنفيذي لمنظمة يازدا (Yazda)، وهي منظمة أُنشئت لمساعدة اليزيديين وغيرهم من النازحين، أن تمويلها يأتي من أفراد في الولايات المتحدة.

المحلي والطويل المدى

ونظراً لاستمرار أزمة النزوح لأكثر من عام، يعرف العاملون في المجال الإنساني أن الحل الطويل المدى يتطلب المزيد من الدعم للمنظمات غير الحكومية المحلية.

وقال كريغ أندرسون، المنسق التنفيذي المؤقت للجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية في العراق: "لن تنتهي هذه الأزمة في المستقبل القريب. ولذلك، فإن تطوير قدرات المنظمات غير الحكومية الوطنية هو أمر حيوي لمستقبل هذه الاستجابة".

ولكن التقدم كان بطيئاً. ففي حين حازت استجابة خط المواجهة من قبل المنظمات غير الحكومية الوطنية على الثناء على نطاق واسع، يتفق العاملون في المجال الإنساني سراً على أن ما تم القيام به لا يكفي لبناء قدرات المنظمات غير الحكومية المحلية وإشراكها على المستويات العليا.

وفي هذا الصدد، قال ديار أمين المسؤول الإقليمي عن المنظمات غير الحكومية في كردستان العراق: "يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً كبيراً، ولكنني أعتقد أن بإمكانهم تحسين أدائهم".

وأفاد أمين أن هناك أكثر من 2,000 منظمة غير حكومية محلية مسجلة لدى حكومة إقليم كردستان، ولكن حوالي 50 منها فقط يمكن الاعتماد عليه.

وتعتبر منظمة النجدة الشعبية (PAO) واحدة من أعرق تلك المنظمات، ولديها أكثر من 400 موظف وتدخل في شراكة مع عدة منظمات غير حكومية أجنبية معروفة.

وقد حذر مدير برامج منظمة النجدة الشعبية نزار جميل عبد العزيز من أن أي تخفيضات أخرى في التمويل الدولي ستكون "كارثة كبيرة".

وحذر عبد العزيز أيضاً من أنه من دون الأموال والخبرات الدولية، ستزداد التوترات بين الأكراد والعرب. وسحب شعار "ممنوع دخول العرب" المعروض في بعض المحلات التجارية هنا الآن، وتنهد قائلاً: "يبدو أن كراهية النازحين قد بدأت".


cc/jd-ag-ais/dvh